حالة غثيان·· ورسالة إلى صديق
نشمي مهنا
مثلما ارتفعت يافطاتهم كالأغصان العمياء المتشابكة في شوارعنا، معلنة حياة برلمانية قادمة، ارتفع يأسنا أعلى، واشتبكت حلقاته، معلنا: لا جديد في بلادنا·
لم يكن أصحاب اليافطات وأهل البرلمان القادم (والحالي والماضي)، وحدهم من أقنع جيلنا باليأس، حتى ألفناه ومجّدناه، فللسلطات والحكومات المتتالية، ومؤسساتها الإعلامية والدينية والتعليمية والأمنية وغيرها، وللمجتمع، ولحالتنا الثابتة المستكينة كالذبيحة، أنصبة متفاوتة، يكمل بعضها بعضا في تكريس هذه القناعة، حتى بتنا مؤمنين بحكمة أولي الأمر، حينما يزجروننا بقولهم: إن لم ترتضوا·· فاضربوا يأسكم بالجدار·
لن أذكّر صاحبي بحديثنا الذي حالت دونه اليوم غمامات اثنتي عشرة سنة، حينما كنا نحلم - لحظة أفراح التحرير - بآمال كبار تنتظر بلدنا الصغير، واهمين أن ساحة تلك الأيام البكر ستكون محطة لانطلاقة جديدة، حيث البداية من الصفر·· و·· و··
لن أذكّره حتى لا يقول إني راصد خيبات!
ليلة صحو، رأى، وهو يفتش راحتيه، ما تركتْه له يمامات حلم الأمس من رماد ناعم، وفراغ شاسع، وبقايا ريش·· (فتذكّر حماسه في المخيمات الانتخابية لمجلس 85 المغتال، وديوانيات الاثنين، والأيام البكر للتحرير، وتبادل مواقع السلطة···· وعلم أنها كانت منصات لمدافع فارغة محشوة بالهواء)·
رأى (قلنا)، وهو يرى الآن ما قد يوثّق صداقتنا من محبة مشتركة لليأس :
خفْض سقف المطالبات الوطنية، والحديث الحيي المكتفي بحسم أمر “التفويض” فقط، دون مناقشة جدية لفصل ولاية العهد عن منصب رئاسة مجلس الوزراء، إشاعة مفاهيم المصالح والمنافع والمحسوبية والارتزاق، تحت مسميات “الشطارة” والعقلانية والواقعية· اغتيال القوانين وكسر رقابها لخدمة ذوي القربى والأهل والبطانات وأبناء القبيلة والطائفة والدائرة· اختراع وسائل جديدة لخنق الصوت الحر، والكلمة الشريفة بقفازات قانونية· المشي تحت “ساس” الوزارات السيادية دون المطالبة بفتح بواباتها الحديدية لأبناء الشعب· التسليم “بروح رياضية” للفشل الذي يقودنا إليه وزير إعلامنا ورؤيته العشواء· السكوت عن التجاوزات الأمنية· سرقات المال العام وسرقة حتى أسماء المناطق وتحويلها بأسماء أشخاص· التفرج على بيع مكتسبات الستينيات في مزادات “حراج” الأحزاب الدينية· الكرم الحكومي الحاتمي في الصرف على “صندوق” لتزوير إرادة الشعب، وشراء الذمم، وتدافع أيدٍ متنفذة في عملية قيصرية لولادة برلمان مشلول· الرضا بتقصير ثوب الدستور وإطالة لحى المناهج التعليمية (هل تخيلت مرة أن يدخل عليك ابنك عائدا من مدرسته الابتدائية ملتحيا؟!)·
***
صاحبي·· لا تسأل عن استشراء الأنانية المفرطة في بلادنا، لأنها أصبحت هي الخيار الوحيد المنجي، فهي التي تدفع الرافض لهذا الهلاك للتقوقع في داخل ذاته، وتغري الضعيف الطامع للهرولة وراء البريق الزائف·
لذا، نحن أصبحنا حديين، بين المنكفء القانط واللاهث الشره، فدعنا نمتدح الأنانية (سيدة الموقف)، لنرمم ذواتنا، ونعتني بنرجسيتنا، فهي الحافظة لنا، ولتأخذ - هي - من شاءت الى حيث تريد(!)، فوسط هذه الأجواء الخانقة لا بد من خيار مر·
صاحبي·· نسيت أن أحكي لك ما رأيته بالأمس في إحدى “الديوانيات” عن شباب يانع، كالشجر الربيعي أو كخضرة ورقة “العشرين دينار”، يتنافسون على تشكيل “لوبيات” انتخابية لشراء الأصوات لمرشحهم· الآن، وبعد أن بدأت السنوات ترمي بفضتها على رؤوسنا، لن نستطيع التراجع عن معاصينا، أي أننا (أنا وأنت) لن نتمكن من نيل “شرف” عضوية مثل هذا اللوبي لو أردنا، ذاك بعد أن أسرفنا في الحلم، وصدّق هؤلاء الشباب “العشرينيون” فينا الوشاية، من أنّا أهل مبادئ، وثقافة، وعُقد، وكتاب، وكتابة إلخ مما لا يفيد!!
بعد كل هذا الخراب، هل ما زلت تحمل ذلك الحلم الأخضر؟! أصارحك بـ “لا” كبيرة، فها نحن نتذكر الاثنتي عشرة سنة الأخيرة بمرارة وقنوط، فماذا ستكون عليه حالنا بعد اثنتي عشرة أخرى (بعد ثلاثة مجالس برلمانية وربما عشرات الحكومات، ورزمة من خراب!)؟ هل سنجد وقتا لإعادة مثل هذا الحديث أم نكون مشغولين بالأكثر سوءا؟! سأعيد عليك - حينها - قراءة يومياتنا من دفتر الانكسارات جميعها، حتى وإن ردّدت أني راصد خيبات، بل ومحصي بناتها!
أخيرا·· هل نحن أكثر تشاؤما من صديقنا أيام الدراسة الجامعية (هل تتذكره؟) ذاك الذي قلب الأمل - مرة - على وجهه، حينما قال:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها··
“ضاقت·· وكنت أظنها قد تفرج”!!
nashmi@taleea.com
__________________________________________________