
د· أشرف أحمد حافظ
نحن أمام إبداع فني من نوع خاص، أو قل: كأنك أمام قصيدة شعر أو نغمة من إبداع لون وتصوير حركة وتشخيص صوت ما تميل إليه النفوس وحُقّ لها أن تميل·
تنتمي القصة لدى كاتبنا إلى التيار الواقعي، الذي يقوم بتصوير حياة الناس كما هم، وعلى الرغم من ذلك فقد كان يختار لهم أبعاداً تشخيصية، مستعينا في ذلك ببعض الوسائل الفنية الإبداعية·
فهو كاتب واقعي يتمرد على الواقع الحياتي وعلى بعض تلك التقاليد التي تخالف في كثير من الأحيان الشريعة السماوية، إذا كان لديه رد فعل تجاه ما هو كائن، ليرتقى بالمجتمع في أفكاره وطموحاته·
إنه ذلك الفنان الذي ينطبق عليه قول الدكتورة سهير القلماوي فيما أوردته عن سلروت “ذلك الفنان الذي يجد القارىء عنده ما يطلبه، فهو يريد تضخما لتجاربه، وتجارب أمثاله، وذلك مما لا يستطيعه العلم ولا المعلومات” انتهى كلام د· سهير القلماوي·
فكاتبنا يعبرعما يُحِسُّ به الفرد العادي، وبطريقة عادية·
ولعل الحركة من أهم الوسائل الفنية التي استعان بها الكاتبُ في سبيل إبداعه، تلك الحركة التي إن دبت في شيء كانت إيذانا له بالحياة·
وكاتبنا ممن يغرقون في الواقع، والحركة تموج فيه أو إن شئت والحياة تدب فيه·
وقد صح أن الحوار والحركة المصاحبة له يمثلان عنصرين أساسين في الأدب المسرحي، لكنْ لاضير في أن تتكامل الفنون الأدبية، فنجد الحركة لدى كاتبنا تمثل ظاهرة إبداعية، سواء في الحركة الفعلية أم الحركة التصويرية·
فمن ذلك الإبداع الحركي والتصويري ما ورد في قصة نهاية بحار:
[وتحكي قصة شاب واعد له صفات خَلْقِيّةٍ وخُلُقِيَّةٍ أهلته بأن يسعى إليه أصحاب العمل في البحر لأن يكون ساعدهم الأيمن وقوتَهم الحامية في عملهم، وقد أبلى في عمله هذا بلاء حسنا·· وبعد فترة ليست بالطويلة انقلب حاله، من خلال حادث بحري بترت فيه إحدى ساقيه، فأصبح طالبا بعد أن كان مطلوبا]·
وقد لفت نظري في تلك القصة أن الكاتب كان مغرما باستخدام عنصر الحركة كثيرا·
ولا أعرف سببا حقيقيا وراء عشق الكاتب لهذا العنصر، أهو عشق المبدع في الانتقال من حالة إلى حالة فلو كان الثبات ما كان الإبداع “ألم تر أنهم في كل واد يهيمون”، أم هو عشق البحر في تجدد أمواجه، أم كلاهما معا؟!
ومن الجمل التي تحتوي على الحركة التصويرية قوله (فأخذ المال يتدفق) ففيها من التتابع والتجدد والكثرة·
وانظر إلى الجمل الآتية (وأخذ أصحاب السفن يتسابقون إلى ضمه، وأخذ الحظ يمشي في ركابه) انظر كيف أصبح هو والحظ متلازمين·، وكيف دبت الحركة في الحظ فأصبح يمشي؟ هذا هو إبداع الكاتب في استخدام الحركة التصويرية·
وقوله: ينتزع كلمات الإعجاب من أفواه أصحابه انتزاعا، فانظر إلى قوله “ينتزع” وذلك التصوير البياني للكلمات·
ويقول أيضا: كان شعلة من نار، تصوير بياني كناية عن كثرة حركته، وماذا يحدث لتلك الحركة حينما تتقيد، إنها بداية النهاية·
وقوله: تراه في أسوأ الأجواء يتسلق السارية دون ما وسيلة·· ثم انظر إلى تصريح الكاتب: كما أن الإنسان نادرا ما يراه جالسا من دون حركة تراه ينتقل في أنحاء السفينة·
وانظر إلى قوله: ودارت حركة الزمان وقلب الحظ “لأبي حمود” ظهر المجن·
وقوله: والزمان لا يعطي إلا ليأخذ، ولا يسعد إلا ليشقي ولا يرفع إلى السماكين إلا ليُنزلَ إلى الحضيض·
وانظر إلى ذلك النص الذي يمزج فيه بين اللون والصوت والحركة من خلال تصوير بياني وتتابع حركي مبدع يقول: “ففي إحدى الليالي المظلمة المتلبدة بالغيوم هبت عاصفة هوجاء، هاج البحر من جرائها، وقامت بينه وبين السفينة معركة ضروس طاحنة استعمل فيها أمواجه من العيار الثقيل التي لا تبقي ولا تذر “فانظر المظلم، والمتلبدة بالغيوم وهبت، وهاج، معركة ضروس، وطاحنة، العيار الثقيل، ولا تبقى ولا تذر”·· ويقول كذلك: وفي هذا الخضم المتلاطم كادت العاصفة تودي بالسفينة······ فاندفع الهواء في شراعها بقوة وعنف······· وانطلق الشاب كالسهم إلى أعلى السارية ولكنه عاد حيث قذفته العاصفة)····
فنحن أمام لوحة رسام تصور معركة نسمع فيها صوت البحر، ونرى فيها ظلم الليل، ونلمس حركة عنيفة بين جيشين: البحر وأمواجه، والبحار وشجاعته وإقدامه، فتأمل تلك اللوحة الفنية الرائعة الحية، ثم نصل إلى النهاية بل إلى السكون إذ يقول: احتجب المسكين في بيته شهرا أو ما يقاربه ثم مات·
وانظر إلى تعليق الكاتب: وكلنا يعلم تمام العلم أن البحار الكويتي يفضل الموت على أن يعيش عالة على غيره···
ü أما القصة الثانية فهي “زواج بحار”، وقد أبدع الكاتب في المزج فيها بين الحركة واللون للتعبير عن أفكار شخصياته وأحوالهم، وتمرد الكاتب نفسه على ذلك الواقع المر·
(وتحكي قصة شاب بحار بلغ سن الثلاثين وأراد أن يتزوج فلم يجد غير الطريق التقليدي فاختار له أبواه، تبعا للتقاليد، وخطبت له فتاة دون أن يراها أو يتحدث إليها، وكان الشاب فرحا في هذا اليوم فدعا أصدقاءه، ولما دخل عليها وكشف عن وجهها وجدها - كما يصف الكاتب - قبيحة أفقدها الجدري إحدى عينيها وصفات أخرى ذكرها الكاتب····· فتحولت حياته وأصبح يرتاد بيوت الدعارة، وصار من مدمني الخمر···)
فانظر معي إلى الحركة والصوت اللذين يصوران فرحة هذا الشاب “لقد طاف بأصحابه يدعوهم إلى حضور ليلة زفافه، وطلب من بعض أصحابه البحارة أن يحضروا معهم طبولهم ودفوفهم····
وزف الشاب إلى دار زوجته بين دقات الطبول وزغاريد النساء·····
وانظر إلى تصويره للزوجة يقول: خلت الدار من المهنئين وزفت العروس إلى عريسها ليس بثوب الزواج، وإكليل الزهر يزين رأسها، بل زجت إليه ملفوفة بعباءة سوداء·····
فانظر إلى اللون الذي يتأهب به القارىء لما لا تحمد عاقبته فكيف يلف السواد جسدها، وانظر إلى دلالة الفعل “زجت” بما يحمله هذا التعبير من إهانة للمرأة لا يقرها الدين، وإيقاف آلة الاختيار········· ثم يقول الكاتب في أسلوب ساخر: وارتمت في ركن بعيد تبكي وتولول، نعم تبكي وتولول بدل أن تضحك وتفرح، وانظر إلى سخرية الكاتب ونقده اللاذع للمجتمع: ولا لوم عليها إن بكت بل لا لوم عليها إن ولولت فهي لا تعلم ما هي قادمة عليه·
وهذا هو مراد الكاتب فمراده أن يقول: إن من حق المرأة والرجل والمرأة أن يتكلما ويسمعا ويفكرا ثم يختارا، وكل ذلك رمز الوجود، وقد قال ديكارت “الفيلسوف الألماني”: أنا أفكر إذن أنا موجود·
وبعد أن كشف عن وجهها انزوى····؟ ونسمع صوته وهو يندب حظه، وتلك لوحة أخرى، لوحة التنافر الذي نشأ بين الزوجين وأفسد حياتهما·
· ثم يقول مبدعنا: فلنعلنها حربا شعواء على هذه العادات السيئة······ فكاتبنا لا يؤمن بالأحكام المطلقة، فحكمه على وجود عادات سىئة إقرار بوجود عادات حسنة، يقرها الدين وتنشدها الحرية·
_____________________________________________________