

· الخطة تدعو إلى تجميد الاستيطان ولا تذكر شيئا عن المستوطنات القائمة
· اتفاقات كامب ديفيد تبنت رؤية “بيغن” لحكم ذاتي يشمل السكان ولا يشمل الأرض!
· المستوطنات في الضفة الغربية تضاعفت مرتين خلال الفترة من 2000-1994
· المقاومة ظلت دائما العقبة الأساسية أمام المخططات الصهيونية
· الخطط الإسرائيلية: عدم تحمل المسؤولية المباشرة عن الفلسطينيين ويجب إعطاؤهم صوتا في إدارة شؤونهم ولكن تبقى السيطرة لإسرائيل
· جدار الفصل الذي يبنى على أراض فلسطينية مصادرة صمم ليضم 300000 مستوطن ولم يرد له ذكر في الخارطة
· شارون: سنحتفظ بالسيطرة على الأمن والحدود والأجواء والموارد تحت أراضي الدولة الفلسطينية
· تجاهلها لعدم شرعية الاحتلال·· أخطر عيوب الخطة الأمريكية الجديدة
· الخطط الصهيونية من “ألون” حتى “شارون” كلها تهدف الى ابتلاع الأرض الفلسطينية من دون سكانها
بقلم: آدم هنية وكاثرين كوك*
في الوقت الذي أشارت فيه معظم التغطيات الإعلامية لخطة “خارطة الطريق” باعتبارها الخيار الوحيد المطروح على الطاولة لتحقيق السلام الإسرائيلي - الفلسطيني، ركزت التقارير خلال الأسبوع الفائت على التحركات الدبلوماسية الأمريكية وعلى موقف إسرائيل من موضوع تجميد الاستيطان وفق متطلبات المرحلة الأولى من مشروع “خارطة الطريق”·
ولكن ضعف التركيز على المرحلة الأولى من الخطة، فوّت على وسائل الإعلام ملاحظة العيوب الهيكلية التي تشوب المبادرة إذا قدر لها أن تنجو من محاولات قتلها في مهدها·
ولا تقدم “خارطة الطريق” نهجا سلميا جديدا، بل اعتمدت - ببساطة - الكثير من النواقص التي أدت الى فشل “عملية أوسلو” للسلام في التسعينات، وقد جادل الكثير من المنتقدين منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 بأنه ليس خطة سلام، بل خطة لإضفاء الطابع المؤسساتي على الاحتلال، فمن خلال نقل سلطات محدودة الى السلطة الفلسطينية، أتيحت الفرصة للجيش الإسرائيلي لإعادة انتشاره خارج المراكز السكانية، وتقليص مستوى المخاطرة التي يتعرض لها جنوده، وفي الوقت ذاته، الإبقاء على الاحتلال من خلال نقاط التفتيش وعمليات إغلاق المناطق الفلسطينية بصورة دورية، وقد أجلت الطبيعة المرحلية لاتفاق أوسلو، مناقشة القضايا المركزية مثل الحدود والمستوطنات والقدس واللاجئين، الى مفاوضات الوضع النهائي، في الوقت الذي سمحت فيه لإسرائيل بالتأثير على نتائج تلك المفاوضات من خلال خلق “حقائق جديدة على الأرض”·
خطة ألون
وقد وجدت بعض عناصر “أوسلو” انعكاسا لها في “خارطة الطريق”، فهي تقوم على نهج مرحلي، وأخرت - مرة أخرى - مناقشة القضايا الصعبة، ولا تتضمن آلية مفصلة للتطبيق، وهي غامضة في تعاطيها مع طريقة حل النزاعات التي قد تنشأ بين الجانبين في أثناء المفاوضات، ويظل الفلسطينيون، الذين شهدوا أخطار ذلك النهج طيلة سبع سنوات من عملية أوسلو، متشككين إزاء خارطة الطريق، فقد أشارت استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن شعبية رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس، الذي قبل الخطة، لم تتجاوز الـ 3 في المئة، ويعود ذلك، من جهة، الى شكهم في قدرته على التأثير في سير المفاوضات مقارنة بقدرة إسرائيل والولايات المتحدة، ومن جهة أخرى يرى الكثير من الفلسطينيين في خارطة الطريق أنها - مثل اتفاق أوسلو - تكريس لمخططات إسرائيل السياسية بشأن الضفة الغربية وغزة، وهي المخططات التي بدأتها إسرائيل عقب احتلال هذه المناطق مباشرة في حرب عام 1967 وتستمر فيها حتى يومنا هذا·
فبعد أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عام 1967، واجهت مأزقا، إذ كيف يمكنها ضمان السيطرة على الأرض والموارد في الوقت الذي تتجنب فيه تحمل المسؤولية المباشرة عن الملايين من الفلسطينيين الذين يعيشون في هذه المناطق؟ وكان الرد من مختلف ألوان الطيف السياسي بأنه يجب إعطاء الفلسطينيين صوتا في إدارة شؤونهم، في حين تبقى السيطرة على الأرض والموارد والاقتصاد، في النهاية، بيد إسرائيل·
وضمن سلسلة من الخطط الاستراتيجية الهادفة لتحقيق تلك الرؤية، كانت أولا “خطة ألون” التي اقترحها الجنرال إيغال ألون نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية إسرائيل “العمالي” إثر حرب عام 1967، وقد دعت الخطة الى مصادرة نحو ثلث الضفة الغربية على طول نهر الأردن والبحر الميت وإقامة حزام من المستوطنات على طول وادي الأردن من الشمال الى الجنوب شرقي الضفة الغربية·
واقترح إقامة خط ثان من المستوطنات على المرتفعات التي تطل على وادي الأردن مع شق طريق يربط بين الكتلتين الاستيطانيتين، وفي الوقت ذاته، كان يجري التخطيط لإقامة طوق من المستوطنات حول مدينة القدس، وبهذه الطريقة، يجد 110 آلاف فلسطيني كانوا يعيشون في القدس في ذلك الوقت، أنفسهم مطوقين وغير قادرين على التوسع باتجاه الضفة الغربية، وقد أوصى ألون في النسخة الأخيرة من خطته في يوليو عام 1967، بإقامة شكل من أشكال “الكيان” الفلسطيني على نحو 50 في المئة من الضفة الغربية في حين تضم إسرائيل القدس الشرقية ووادي الأردن ومرتفعات الخليل والجزء الجنوبي من قطاع غزة·
ثلاثة تعديلات
وحين اعتلى حزب الليكود سدة الحكم عام 1977، أدخلت ثلاثة تعديلات على المفهوم الأساسي للسيطرة على الأرض تستثني تحمل المسؤولية المباشرة عن السكان، أما “خطة شارون” التي تبلورت عام 1977 في وثيقة جيوستراتيجية بعنوان “رؤية لإسرائيل مع نهاية القرن” فتدعو الى إقامة حزام جديد من المستوطنات على الجانب الغربي من الضفة الغربية يمتد من مدينة جنين شمالا وحتى بيت لحم جنوبا، الأمر الذي يعني - فعليا - محو الخط الأخضر الذي يفصل الضفة الغربية عن إسرائيل، وتضع الخطة التي صممها رئيس الوزراء الحالي آرييل شارون حين كان وزيرا للزراعة والمستوطنات، تصورا لمصادرة المزيد من أراضي الضفة الغربية لتكون بمثابة منطقة عازلة بين إسرائيل والفلسطينيين، ودعت خطة شارون لإقامة خطوط سريعة تربط شرق الضفة بغربها، الأمر الذي يربط المستوطنات الجديدة مع مستوطنات وادي الأردن·
وقد تم توسيع منطق خطة شارون من خلال خطة شاملة للاستيطان أعدتها “المنظمة الصهيونية العالمية” في شهر أكتوبر 1978، وقد دعت الخطة ذات السنوات الخمس، لبناء المستوطنات حول وبين التجمعات السكانية الفلسطينية في الضفة الغربية، والنتيجة النهائية لهذه الخطة التي تابعتها عن كثب، حكومات “الليكود” و”العمل” على مدى العقدين الماضيين، هي تقسيم الضفة الغربية الى ثلاث مناطق منفصلة، الأول شمالية، وتضم جنين ونابلس وطولكرم وقليقيلية، والثانية وسطى وتضم رام الله وشمال القدس، والثالثة جنوبية وتضم بيت لحم والخليل والمناطق المحيطة·
وبالإضافة الى ذلك، دعت استراتيجية المنظمة الصهيونية العالمية الى بناء المستوطنات بين المدن الفلسطينية في المناطق الثلاث، ووفقا للخطة، فإن هذه المستوطنات ستجعل من الصعب على “الأقلية الفلسطينية إقامة كيان يتمتع بامتداد جغرافي وسياسي”·
وتتحدث الخطة الثالثة التي صادق عليها البرلمان الإسرائيلي “الكنيست” عام 1977، بصورة أوضح عن طبيعة “الكيان” الذي سيقام في المناطق الفلسطينية، حيث تدعو “خطة بيغن”، نسبة الى رئيس الوزراء الإسرائيلي الليكودي المتطرف مناحيم بيغن، الى إقامة “حكم ذاتي” للسكان الفلسطينيين تحت الاحتلال، ويتجسد ذلك في مجلس إداري ينتخبه الفلسطينيون ويكون مقره في رام الله أو بيت لحم، وكان تصور بيغن يقوم على أساس أن يتولى ذلك المجلس المسؤولية عن الشؤون الفلسطينية الداخلية في حين تحتفظ إسرائيل بسيطرتها على السياسة الخارجية والحدود والاقتصاد·
روابط القرى
وقد تمت ترجمة خطة بيغن الى سياسة على الأرض مع إقامة ما أطلق عليه “روابط القرى” بدءاً بمدينة الخليل عام 1978 ثم امتدت الى قرى الضفة الغربية الأخرى في مطلع الثمانينات، فقد أنشئت “روابط القرى” بدعم من الحكومة الإسرائيلية من أجل خلق قيادة فلسطينية “معتدلة” (بديلة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية) وتتولى التفاوض مع إسرائيل حول علاقات إسرائيل بالسكان الفلسطينيين، وقد تم تفويض روابط القرى تلك، عبر سلسلة من الأوامر العسكرية التي صدرت أوائل الثمانينات، باعتقال واحتجاز النشطاء السياسيين وتشكيل ميليشيات مسلحة والاضطلاع ببعض المهمات الحياتية مثل إصدار رخص القيادة والرخص التجارية وغيرها، وكانت “خطة بيغن” مكملة لاتفاقات كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر عام 1978 والتي دعت الى إقامة “سلطة حكم ذاتي إداري” في الضفة الغربية وغزة·
وحتى مطلع التسعينات، ظل الفلسطينيون يرفضون بشكل قاطع مثل هذه المشاريع ورأت فيها الحركة الوطنية الفلسطينية، أنها وصفة لـ”كانتونات” الفصل العنصري التي تغطي فيها ورقة التين المتمثلة بالحكم الذاتي، حقيقة الاحتلال، فانطلقت الانتفاضة الأولى 1987-1993 ضد الوجود العسكري الإسرائيلي في كل مدن وقرى الضفة وغزة، وتعرض عدد من رموز “روابط القرى” للاغتيال، وأطلق الفلسطينيون حملة لمقاطعة “الإدارة المدنية” الإسرائيلية، وفشل مشروع “روابط القرى”·
ولكن ذلك كله تغير مع توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، فقد أثار الاتفاق - مرة أخرى - شبح سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، على الرغم من أنها ستكون هذه المرة، تحت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية التي عادت من المنفى مبشرة بقرب قيام الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى الرغم من الآمال الفلسطينية والاعتقاد الدولي على نطاق واسع بأن عملية أوسلو تهدف الى تحقيق ذلك الهدف، لم يكن لدى إسرائيل مثل هذه الأوهام، فبعد عامين على توقيع اتفاق أوسلو، عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي (آنذاك) اسحق رابين، رؤيته للاتفاق من خلال البرنامج الإخباري في شبكة “سي· إن· إن” بعنوان “ايفانز آند نوفاك”·
قال رابين في المقابلة “أسعى لتعايش سلمي بين إسرائيل كدولة يهودية، ليس على أرض إسرائيل كاملة، بل على معظمها، على أن تكون القدس الموحدة عاصمة لها، وأن يعاد بناء الحدود الأمنية مع الأردن والى جانبها كيان فلسطيني، يكون أقل من دولة، ويدير حياة الفلسطينيين، وهذا الكيان لن يكون محكوما من قبل إسرائيل، بل من قبل الفلسطينيين أنفسهم، هذا هو هدفي·· وليس العودة الى خطوط ما قبل حرب الأيام الستة (عام 1967)، إنني أريد قيام كيانين وفصل إسرائيل عن الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث سيكون للفلسطينيين وضع مختلف يديرون فيه أمورهم بأنفسهم”·
الطرق الالتفافية
وفي الوقت الذي تقرر فيه أن يتم بحث موضوع المستوطنات في مفاوضات الوضع النهائي بموجب اتفاق أوسلو، فقد بدأت حكومة حزب العمل حملة مكثفة من توسيع المستوطنات والتي كان قد خطط لها شارون في عام 1991، ومن خلال سياسة جذب المستوطنين للسكن في الضفة الغربية وغزة، تضاعف عدد سكان المستوطنات مرتين خلال الفترة من 1994 وحتى عام 2000، مما حرم المراكز السكنية الفلسطينية من الحركة والنمو الطبيعي·
وقد تم ربط المستوطنات اليهودية بالطرق الالتفافية التي تعتبر أحد مخترعات عملية أوسلو، وقد ربطت هذه الطرق التي تعتبر من بنات أفكار رابين بين التجمعات الاستيطانية والمدن الإسرائيلية، وكانت أوسع من سلسلة الطرق التي اقترحتها في الأساس “خطة ألون”، أو حتى خطط شارون·
وقد حظر على الفلسطينيين بموجب “خطة أوسلو - 2” عام 1995 البناء في مناطق تمتد الى 55 ياردة من أي طريق التفافي، الأمر الذي جعل المئات من المنازل الفلسطينية عرضة للهدم، وفي عام 1997، إثر عودة الليكود الى السلطة، أطلق رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، رؤيته الخاصة التي عرفت باسم خطة “الون بلاس” Allon-Plus وقد علق شارون آنذاك بالقول إن “التفاصيل قد تختلف ولكن جوهر خريطة نتانياهو - من حيث المبدأ - هي تقريبا، خطة شارون لعام 1977 ذاتها”·
ومع حلول عام 2000، كان قد تم بناء 250 ميلا من الطرق الالتفافية على أراض فلسطينية مصادرة، وقد عززت هذه الطرق عزلة مدن الضفة الغربية المطوقة بالكتل الاستيطانية، فغياب آلية فعالة للمراقبة والتطبيق في اتفاق أوسلو، إضافة الى غياب الضغط الفاعل على إسرائيل لوقف الاستيطان، لم يترك أمام الفلسطينيين سبيلا للتعامل مع التغييرات المادية التي تحدثها إسرائيل في الوضع القائم·
ريموت كونترول
وفي الوقت ذاته، أدخلت إسرائيل ما يمكن وصفه بـ “التحكم عن بعد Remote Control” بحياة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى الرغم من أن المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية بدت وكأنها تتمتع بدرجة من الاستقلالية، كان يضطر كل فلسطيني للخضوع لنقاط التفتيش الإسرائيلية المنتشرة في كل مكان، وعمليات الإغلاق وأذونات التحرك بين المناطق الفلسطينية أو خارجها، لقد مثلت انتفاضة الأقصى في شهر سبتمبر 2000، والتي ولدت من رحم الشعور الفلسطيني بالاستياء والإحباط من هذا الوضع، رفضا لعملية أوسلو والحمى الإسرائيلية لتطبيق المشاريع الهادفة الى تكريس “خطة ألون” لعام 1967·
وقد ردت إسرائيل على اندلاع الانتفاضة الثانية باستراتيجية للعقاب الجماعي تهدف الى العودة لمنطق “أوسلو” بحيث تنصاع القيادة الفلسطينية الضعيفة للمطالب الإسرائيلية ويقبل الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للقمع الوحشي بـ “دولة ذات سيادة” تتكون من مجموعة من “البانتونات Bantustans”·
لقد عقد الاجتماع الأول بين رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون ورئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس في وقت تتواصل فيه الاغتيالات الإسرائيلية للنشطاء الفلسطينيين وتخضع فيه المدن الفلسطينية لحظر التجول أو الإغلاق، ومع ذلك وعدت إسرائيل بتقديم “تنازلات” والقيام بإجراءات “حسن نية”، وتستخدم إسرائيل الآن، كما فعلت في عملية أوسلو، السجناء الفلسطينيين ورقة للتفاوض، ولم تطلق حتى الآن سوى 200 سجين من بين آلاف السجناء الذين تحتفظ بهم، وكذلك، سمحت لـ 25 ألف عامل فلسطينيين بالتوجه الى أعمالهم داخل إسرائيل، وتنبثق فعالية مثل هذه الإجراءات من نظام سيطرة إسرائيلية على الشعب الفلسطيني وجعله يعتمد عليها، وتأمل إسرائيل من خلال تشديد الضغوط على الشعب الفلسطيني، بدفعهم الى القبول بمشروع الكانتونات·
ظلال من الشك
وتسير خارطة الطريق المتوقع تطبيقها وفق ثلاث مراحل من أجل التوصل الى اتفاق الوضع النهائي مع حلول عام 2005، ضمن هذا السياق، فكل من هذه المراحل تضع الأولوية على مسؤولية الفلسطينيين عن ضمان أمن إسرائيل، وكان ذلك يحتل إحدى السمات الرئيسية لخطة بيغن، ففي المرحلة الأولى، يقوم الفلسطينيون ببناء جهاز أمني يهدف الى القضاء على المقاومة وتشرف عليه وكالة المخابرات المركزية “سي· آي· إيه” وتدرب عناصره قوات الأمن الأردنية والمصرية - وتقضي المرحلة الأولى من إسرائيل - بالمقابل - الانسحاب الى المواقع التي كانت تحتلها لدى بدء الانتفاضة من أجل “استعادة الوضع الراهن لما قبل الثامن والعشرين من سبتمبر 2000”، وعلى العكس من الاعتقاد السائد، فإن خارطة الطريق لا تتطلب تفكيك كل المستوطنات اليهودية، بل تدعو الى تجميد بناء المستوطنات “بما في ذلك التوسع الطبيعي لهذه المستوطنات” وتفكيك النقاط الاستيطانية التي أقيمت منذ شهر مارس 2001، وهو الأمر الذي لن يطال - بأي حال - التكتل الاستيطاني الرئيسي في الضفة الغربية·
وقد ألقت تصريحات شارون إبان وبعد زيارة وزير الخارجية الأمريكي كولين باول الى المنطقة أخيرا، ظلالا من الشك حول رغبة إسرائيل بالالتزام بتجميد الاستيطان، فقد ذكرت صحيفة “هآرتس” نقلا عن مصادر في مكتب رئيس الوزراء، إن شارون أبلغ باول “هل تريد للمرأة اليهودية الحامل أن تجهض حملها لمجرد كونها مستوطنة؟”، وفي مقابلة مع صحيفة “جيروزاليم بوست Jerasalem post” الأسبوع الماضي، كرر شارون التزامه الإبقاء على المستوطنات في الضفة الغربية، مؤكدا على أن المستوطنين سيظلون يعيشون تحت السيادة الإسرائيلية·
جدار الفصل
ومن نقاط الضعف الرئيسية في “خارطة الطريق” أنها غامضة، ومن المنتظر أن يثير ذلك المشكلات بشكل خاص في المرحلة الأولى، حيث لا تزال هناك خلافات في وجهات النظر، حتى بين أعضاء اللجنة الرباعية فيما يتعلق بموعد تجميد الاستيطان وما إذا كانت الالتزامات المنصوص عليها في الخطة ستنفذ بالتزامن أم بالتتالي·
المرحلة الثانية المتوقع أن يبدأ تطبيقها مع النصف الثاني من عام 2003، عبرت عنها الخطة بعبارة أكثر غموضا تدعو الى “التركيز على خيار إقامة دولة فلسطينية مستقلة بحدود موقتة ولها صفة السيادة”، ولم تتضمن الخطة تفسيرا لذلك، ولكن المرء يتذكر اعتقاد شارون منذ زمن طويل والذي أعاد التأكيد عليه في خطاب ألقاه في ديسمبر 2002، أن إسرائيل يجب أن تسيطر على الأمن الخارجي والحدود والأجواء والمياه والموارد تحت أرض الدولة الفلسطينية ويجب أن تتمتع بحق الفيتو بشأن المعاهدات التي تعقدها مع دول أخرى·
المرحلة الثالثة من خارطة الطريق تبدأ في عام 2004 وتنتهي بـ “اتفاق الوضع الدائم عام 2005” والتي تشمل اتفاقا نهائيا حول القضايا الرئيسية كالحدود والقدس واللاجئين والمستوطنات، وكما كانت عليه الحال في “أوسلو” فإن غياب آلية فاعلة للرقابة مدعومة بضغوط دولية لضمان وقف إسرائيل لنشاطها الاستيطاني فورا، قد يعطي إسرائيل فرصة أخرى لخلق “حقائق على الأرض”، وفي الواقع، وكما أظهرت السنوات العشر الماضية بجلاء، فإن هذه “الحقائق” كانت قد أوجدت سلفا وأن وجودها ألقى بظلال خطيرة من الشك حول ما إذا كان لا يزال الحل القائم على دولتين، خيارا قائما·
ويجب ممارسة الضغوط على إسرائيل لإزالة حائط “الفصل” الذي أقيم بارتفاع 25 قدما على أراض فلسطينية صادرتها إسرائيل من أجل إقامة هذا الحائط الذي سيطوق “الكانتونات Cantons” الفلسطينية بشكل كامل، ولم يرد أي ذكر لهذا الحائط في خارطة الطريق، أو لحقيقة أنه صمم لضم أكثر من 300 ألف مستوطن يهودي يعيشون في الضفة الغربية، الى إسرائيل، وفقا لمجموعات حقوق الإنسان الفلسطينية·
لقد أعدت مجموعة من المنظمات غير الحكومية الفلسطينية والإسرائيلية خريطة مميزة تبين الخطوط النهائية للجدار الفاصل بناء على أوامر مصادرة الأراضي التي سلمت الى أصحاب الأراضي الفلسطينية وعلى الخرائط الرسمية للحكومة الإسرائيلية، وتوضح هذه الخريطة التي نشرت على الموقع الإلكتروني لمجموعة “غوش شالوم” الإسرائيلية المناهضة للاحتلال التوافق الكامل تقريبا بين رؤية إسرائيل النهائية للضفة الغربية والخرائط السابقة التي رسمها ألون وشارون من قبل· (انظر الخريطة)
رفض شامل
ويظل السؤال مفتوحا ما إذا كانت إسرائيل ستنجح في تحقيق رؤيتها للضفة الغربية وقطاع غزة التي رسمتها قبل 35 عاما، وفي حين نال رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد محمود عباس الثناء من قبل الصحافة الإسرائيلية والعالمية لموقفه “المعتدل” ودعوته لوقف الكفاح المسلح، إلا أن الرفض لخارطة الطريق يكاد يكون شاملا من قبل مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، حتى أن شريحة واسعة من قيادات حركة “فتح” عبرت عن معارضتها للخطة وقد نفذ الفلسطينيون إضرابا عاما في رام الله في اليوم الذي كان من المقرر أن يجتمع فيه محمود عباس مع كولين باول، مما اضطرهما لتغيير مكان الاجتماع من رام الله الى أريحا·
ويرى المجتمع الفلسطيني في الضغوط الدولية المكثفة على ياسر عرفات من أجل تعيين محمود عباس، الرجل الذي لا يحظى بشعبية تذكر، نموذجا على رغبة المجتمع الدولي في تعيين قيادة فلسطينية “مطواعة” ولا تعترض على خارطة الطريق، وقد قارن أعضاء في حركة فتح معارضين لعباس بينه وبين حامد كرزاي في أفغانستان·
فإذا ما نجح تحرير خارطة الطريق وفقا للرؤية الإسرائيلية - الأمريكية، فمن المتوقع أن تبدأ قوات الأمن الفلسطينية حملة لاعتقال الناشطين الذين يصرون على استمرار الكفاح المسلح، ففي مدينة نابلس، طلبت السلطة الفلسطينية من نشطاء حركة “فتح” التخلي عن أسلحتهم مقابل الحصول على مواقع في الوزارات أو قوات الأمن، وفي حين قبل البعض بهذا العرض، إلا أن جزءا كبيرا منهم رفضه ونفذ هجمات جديدة ضد الجنود الإسرائيليين والمستوطنين، وقد نددت الفصائل الرئيسية الأخرى مثل “حماس” و”الجهاد الإسلامي” والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بخطة “خارطة الطريق” وتعهدت بمواصلة مقاومتها للاحتلال·
يكون أو لا يكون
وقد أعلن قادة سياسيون آخرون، معارضتهم للخطة، فقد وصف القيادي السابق في حزب الشعب الفلسطيني مصطفى البرغوثي، الخطة بأنها وصفة “لكنتنة Cantonization” الأراضي الفلسطينية في حين تضمن أمن إسرائيل، ويترأس البرغوثي الآن مجموعة سياسية جديدة يطلق عليها “المبادرة” وتدعو الى حركة فلسطينية جديدة تقوم على أساس قيام جبهة وطنية موحدة تضم الفصائل الوطنية والإسلامية من أجل مقاومة الاحتلال·
وعبرت رئيسة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية ريما الطرزي أيضا، عن معارضتها لخارطة الطريق من خلال مقابلة صحافية أجريت معها في أوائل شهر مايو الماضي حيث قالت إن “الاحتلال شيء يجب عدم التفاوض عليه، فهو أمر إما أن يكون أو لا يكون”، وتسلط تصريحات الطرزي على نقاط الضعف الرئيسية التي اعترت عملية أوسلو في الماضي وخارطة الطريق الآن، فمن خلال إقرارها بالمستوطنات والأراضي الفلسطينية الأخرى كموضوعات “أمر واقع” يجب التفاوض بشأنها، فإن خارطة الطريق تتجاهل حقيقة عدم شرعية الاحتلال، وتحول الالتزامات المفروضة على إسرائيل، الى نقطة “خلافية”·
لقد ظلت العقبة الرئيسة التي تعترض خطط إسرائيل المختلفة بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة هي مقاومة الشعب الفلسطيني، وبالتالي، فإن هناك اعتقادا سائدا في أوساط الفلسطينيين اليوم بأن إسرائيل ربما نجحت في احتواء حملة المقاومة الراهنة في المدى القصير، لكنها تزرع بذلك، بذور انتفاضة ثالثة في عام 2005·
*(هنية هو أحد الناشطين في مجال حقوق الإنسان وباحث يعيش في رام الله، وكوك هي منسقة إعلامية في مشروع معلومات وبحوث الشرق الأوسط)
المصدر:
The Middle East Research And Information Project
___________________________________________________
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
saleh@taleea.com
_____________________________________________________________