
بعد 12 عاما مرت على صدورها باللغة العربية عن دار رياض الريس للنشر في لندن، وبترشيح من الشاعر نوري الجراح والقاص زكريا تامر، حظيت رواية “أطفال الندى” للشاعر والناقد “محمد الأسعد” باهتمام واحدة من كبريات دور النشر الفرنسية “آلبن ميشيل”، فقبلت اقتراحا بترجمتها قدمته السيدة “سارة واصف” من معهد العالم العربي في باريس، وكلفت البروفيسور “يوسف الغزي” الإسرائيلي الجنسية بكتابة مقدمة تكون مفتاح الرواية بيد القارئ الفرنسي·
وصدرت الرواية باللغة الفرنسية تحت عنوان “ذكريات قرية فلسطينية مفقودة” في العام 2002، ولقيت إقبالا من القراء وتقديرا في الصحافة الفرنسية وأوساط التضامن مع الشعب الفلسطيني وحقه في العودة الى وطنه، وقالت السيدة “سونيا كومب” المشرفة في دار النشر “إنها رواية جميلة تستحق القراءة على نطاق واسع، وتمنت أن يتناولها بالتفسير أكاديميون لتذليل صعوبتها على القارئ الفرنسي، فهي تحتشد بالحكايات الشعبية والأساطير العربية ولا بد من إيضاح لهذه الخلفية الثقافية”·
وجاء في مقدمة “الغزي” “إن محمد الأسعد شاهد في العام 1948، وهو في الرابعة من عمره، النكبة التي اقتلعت آلاف الفلسطينيين من أرضهم، وبعد اثنين وأربعين عاما من هذا الحدث كتب روايته “أطفال الندى” باللغة العربية، وفيها تتزاحم ذكريات الطفولة والشهادات والأساطير لتروي وتتذكر تاريخ شعب تعرض تباعا لسيطرة العثمانيين فالبريطانيين بالأمس والإسرائيليين اليوم، ولكن ما يدينه ويشجبه محمد الأسعد، وهو أحد الشعراء الفلسطينيين الكبار، هو اندثار واختفاء كل أثر يدل على انتماء شعبه لهذه الأرض· إن هذا التاريخ الذي حكم عليه بالمحو والشطب من الخرائط، هو الذي عاد الى الذاكرة لكي تعاد إليه الحياة مجددا”· وفي مقدمته، يقدم “الغزي”، خلال عملية تشكيل تاريخية صارمة ودقيقة لعمليات السلب التي قامت بها إسرائيل، مرافعة لا مهادنة فيها ضد سياسة التمييز التي تمنع اليوم أكثر من أي يوم مضى رؤية أي شعاع ضوء في نهاية النفق”· وقال الكاتب الفرنسي “كلود دومون” “إن هذه الرواية القصيرة تتملكنا عاطفيا منذ صفحاتها الأولى، وتثير في كل واحد منا سيرة حياة قريته الخاصة التي محتها حرب عن الخريطة أو قرار سياسي لا إنساني، في هذه الرواية يتذكر الشاعر محمد الأسعد أصوات طفولته في قريته الفلسطينية، والتي هي الآن في أرض إسرائيل، بنشيد مؤثر لمنفى وتاريخ شعب يعاني اضمحلال كل أثر يقود الى ماضيه”·
البروفيسور “يوسف الغزي” المختص بالتاريخ، والذي يجيد العربية، يعكف الآن على ترجمة “أطفال الندى” الى العبرية بعد أن حصل على موافقة المؤلف·
ملحوظات على تجربة كتابة رواية “أطفال الندى”
لم تكن هي أول رواية أكتبها، بل ذروة تدريب على كتابة رواية استغرق سنوات، استهدف الوصول الى “حالة” الكتابة، بحيث يتحول فعل الكتابة الى فعل تلقائي، مبرى ومنزه عن أي غرض، شأنه في ذلك شأن نهر أو شجرة أو نسيم عابر أو زهرة تتفتح خارج المختبرات·
وحين أقول بالفعل التلقائي والنزيه، لا أعني الفعل غير الواعي، أو الفعل خارج طاقات الإنسان الفكرية والعاطفية وخارج ذاكرته، وإنما أعني به الفعل الذي وصل به الإنسان الى أن يكون فعلا ذاتيا، ينطلق السهم أو يطلق نفسه من يد الرامي ويصيب هدفه بلا أدنى جهد، وتتدفق الكتابة كأنما يكتبها “آخر” أو يمليها آخر، إنها الكتابة ذاتها، ولا وظيفة للكاتب سوى الإصغاء·
لم تدهشني عفوية هذه الرواية وهي تبنى يوما بعد يوم من دون تخطيط مسبق، ولا هذه الالتماعات والمفاجآت وهي تواجهني وأنا أكتب، فكأنني كلما أوغلت في كتابة أطفال الندى أوغلت في التعرف على أعماق منسية في ذاتي وفي الكون من حولي، ما أدهشني أكثر هو رد فعل عدد من القراء اختلفت مستوياتهم ومطامح حياتهم وأشواقهم، والتقوا عند نقطة جوهرية وهي أن في الرواية شيئا حميما يمس كل واحد منهم ويتحدث إليهم، سأعيد الآن ذكرى بعض من تجارب القراءة هذه·
فاجأني الشاعر محمد القيسي بقوله “ما هذا الذي تنشره يا رجل؟” وأسأله “ما الأمر؟” فيقول “منذ أن قرأت الفصول المنشورة في “القبس” وأنا عاجز منذ ثلاثة أشهر عن كتابة أي شيء، هذا هو بالضبط ما كنت “أريد” كتابته منذ زمن طويل”· وأضاف الشاعر خيري منصور شيئا مؤثرا· فبعد أن حدثته عن الرواية ووصفت بعض موضوعاتها، وجدته يقطع الحديث ويدخل في مناجاة ذاتية سرد فيها شفاهة طرفا من سيرة حياة قريته وزمنها وأناسها· لقد بدأ يتذكر كأنما حديثي كان لغما مفجرا لشيء في داخله، أما الروائي والناقد غالب هلسا، فبعد أن قرأ مخطوطة الرواية قبل النشر، استيقظ فيه موضوع عن الذاكرة الفلسطينية، فكتب نصا موازيا للرواية ونشره، وجاء فيه أنه يعتقد أن روايتي “نص فريد في اللغة العربية”·
هذه مجرد أمثلة على ردود أفعال، وهي ردود أكثر عددا مما ذكرت، وكلها جعلني أتساءل عن السر الذي يقف وراء القدرة الواضحة لنص من هذا النوع على تفجير كوامن في نفس كل قارئ على حد لم يقتصر الأمر على جنسية قارئ دون آخر، فرد الفعل كان واحدا لدى الفلسطيني والجزائري والإنجليزي والفرنسي والعراقي، إذن لا يتعلق للأمر بجنسية أو “قضايا” خاصة بهذه المجموعة البشرية أو تلك، ولم يقتصر الأمر على الكتاب من شعراء أو روائيين أو نقاد، بل امتد ليشمل الناس العاديين الذين لا يمتهنون الكتابة، إذن ليس الأمر أمر نخبة خاصة رأت ما رأته لأنه يخصها، بل أمر “الإنسان” على مختلف اهتماماته ومستوياته، ما هو السر إذن؟
قلت في البداية، هذا نوع من النصوص “المفجرة” التي لم تألفها الثقافة العربية إلا نادرا، فنوع يقود القارئ الى المناطق المحرمة في أعماقه، تلك التي أحاطها أو أحيطت بسياج ثم نسيها ولم يعد يمر بها·
منذ زمن طويل، وقلت أن هذا التفجير يفترض أن يحمل النص سمات معينة، أسلوبية ولغوية ورؤيوية، ليكون بمثابة لغم يفجر في القارئ ما هو معتم ومكبوت في نفسه، ولا شك أن التقاء “الفرنسي” القائل إن هذه الرواية فجرت فيه ذكرى قريته التي محتها الحرب أو قرار سياسي لا إنساني، مع “الجزائري” القائل أنها بعثت فيه أناس قريته وحياتهم، لذو دلالة على ما أذهب إليه·
بعد كل هذا أجد في نفسي ميلا الى الاستغناء عن تعبير “اللغم المفجر” ووضع تعبير آخر: هناك ما يطلق عليه “حجر الفلاسفة” في الماضي، أي ذلك التركيب الخيميائي الذي اعتقد القدماء أنه إذا تم التوصل إليه فسيحول المعادن، جيدها ورديئها، الى ذهب، وأجد في نفسي الآن ميلا الى تبني هذا التعبير، ولكن بعد أن أسميه “حجر الروح” إذا شئتم، إنه تركيب غامض بالطبع كما هو حجر الفلاسفة، وموضع تكهنات وحدوس وجهود فكرية، أعني أنه ليس وصفة أو دليلا مشاعا، فهو تركيب يتم في فضاء داخلي لكل إنسان على حدة، ولا يمكن أن يستعيره إنسان آخر، ولكن، ولأن المطلوب إيضاح تفكيري في نصي، فسأقول إذن أن هذا التركيب جامعة للكثير من العناصر، وهو بمثابة التركيب أو الحجر المحول لكل وجدان يلمسه الى مادة أصلية ثمينة، لكل كائن بشري فيها نصيب، إنها المهاد الإنساني إذا شئتم، أو الكوامن التي تنبثق منها أشكال الفكر والحياة على الأرض، تلك التي لا يلمسها أو يعي وجودها الإنسان، بل ينساها ويحولها الى مناطق محرمة بفعل الاعتياد، سلوكا وتعبيرا، الذي تفرضه كل ثقافة “دينية أو قومية أو لغوية” على أفرادها ليكونوا صالحين للاندراج في قوالبها، هذه الكوامن تتخطى عادة كل القوالب، وتتلامح وراء الأشكال الفكرية والممارسات بوصفها نبضات الطاقة الحية الكامنة·
مبدئيا أفكر بثلاثة عناصر أساسية تدخل في تركيب حجر الروح هذا، الأول هو الأسلوب الفني، واستعير هنا أهم سماته من الفن البصري، حيث تحتفظ الصورة دائما بأكبر قدر من الطاقة على الإيحاء، أعني طاقة الإيحاء المفجرة للمخيلة، وسأستعير سمات أخرى أيضا من علم لم يولد بعد، علم تراسل الحواس الذي يحدث حين تخاطب الكتابة جملة من الحواس الإنسانية أو تحدث تبادلا بينها بالوظائف، فتجعل المتخيل ملموسا أو الملموس مسموعا أو المسموع بصريا، وأضيف سمات أخرى انتقلت الى فن مثل السينما، وأعني بها التقطيع و”المونتاج”، فهما يعتمدان على تقطيع وتركيب التسلسل الاعتيادي للأحداث والمرئيات، ويجاوران بين المنفصل ظاهريا فيتخطيان التسلسل الخطي زمانيا ومكانيا، وهذه عملية خلاقة من حيث الجوهر، وإنه لأمر ذو دلالة مهمة أن يؤكد السينمائي الروسي “ايزنيشتاين” أنه استوحى فكرة المونتاج من قراءاته في الشعر الصيني والياباني·
الثاني هو طريقة استخدام اللغة وهنا ألاحظ أهم سمات هذا العنصر: تجريد اللغة من عاداتها العامة والمشتركة، واستعادتها وإعادة تكوينها لتصبح لغة خاصة فريدة تحمل بصمة تجربة شخص ما، شخص لا يتذكر التجربة بل يعيشها، مناط الأمر في تجديد اللغة هو أنها ما يقال الآن توا، وليس المتذكر والمستعاد فقط، ولكي تكون اللغة هي المقول لا المتذكر، فإن الكاتب هو الشخص الوحيد الذي يستخدم طاقاتها مجتمعة، فهي ليست إما فكرا أو عاطفة، إما خبرا أو تعبيرا، بل هي الفكر والعاطفة معا وهي الإيحاء والتعبير والخبر أيضا·
الثالث: هو عنصر “الهولوجرامية” الفريد الذي تكشف عنه لمحات هنا وهناك بعض التجارب الفنية، أعني بهذا العنصر منطق الرؤية حين ينسجم مع منطق الواقع الأساس، حين يفكر الإنسان بنفسه وبالعالم من حوله، مبدئيا نحن لسنا مركز الكون أو لا وجود لمركز وحيد في الكون بالأحرى، بل نحن جزء من شبكة أوسع أو كل أكبر، نحن والطبيعة والآخرون، وحين يكشف هذا الوعي عن نفسه في الكتابة نجدها أشبه بشظية من هولوجرام “صورة يصنعها شعاع ليزر في الفضاء وفق معلومات مكتوبة عليه” إلا أنها تحمل في ذاتها الهولوجرام مختزلا، فأي شظية من الشظايا أخذناها، يمكننا أن نطلق منها صورة هولوجرام كاملة، أي رؤية تتجلى فيها صورة الوجود، أقرب تشبيه الى هذا هو الخلية العضوية الحاملة لصفات وسمات الكائن الإنساني كاملة إلا أنها كامنة وما أن تنطلق ممكناتها حتى تشكل كائنا بشريا، هذه أعجوبة ولغز العمل الفني في الحقيقة، والتي ما تزال بحاجة الى استقصاء، أما هنا فإن ما أحاوله هو الاهتداء بهذه الرؤية لفهم تأثير شظية مما يبدو هولوجراما كاملا، أعني روايتي أطفال الندى·
ما تعنيه هذه المفاهيم “الكلية والشبكية والهولوجرامية وصولا الى الخلية الحية” هو أن أي نص يتحرك على هديها يقارب رؤية الى الوجود بوصفه علاقات تأخذ فيه الهويات معناها من السياق أو تكتشف معناها فيه·
ويأخذنا هذا الموقف الوجودي الملموس في كل عمل إبداعي الى مواضع نرى فيها الوجود تجربة دائمة الحضور لامتناهية، حيث لا تتوقف الممكنات عن الظهور، ولا تتوقف العلاقات عن التكون في نمط تراكب يشير في وقت واحد الى ماض وحاضر ومستقبل ممكن، وهنا تخرج من الفن حسابات الحتمية والثبات والتكرار ويحل اللايقين والممكن والفعل الخلاق الذي لا سابق له·
هل يتركب من كل هذا حجر الفلاسفة أو حجر الروح أو حجر الفن؟ ربما كان الأمر كذلك، ولكن هذه محاولة تفسير تظل بحاجة الى بحث دائم ترفده أمثلة ونصوص كثيرة ومتنوعة، فليس الأمر أن هذا النص أو ذاك فريد، بل الأمر أن الفن ذاته تجربة فريدة تعيش على الغامض والملتبس وتحيا به·
محمد الأسعد
_____________________________________________________________