رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 22 ربيع الأول 1424هـ- 24 مايو 2003
العدد 1578

الأساس لبناء عراق ديمقراطي
“مشروع العدالة الانتقالية”·· التحول من الإرباك والفوضى إلى النظام الديمقراطي التعددي

                                                     

                                                                       د.طارق الصالح

 

·         لا بـد من الالتفات إلى قـوانين الجنـسية والخـدمة الإدارية والعسكرية وتنقيح الأجـهـزة الأمنية

·         200 مؤلف حول العدالة الانتقالية صدرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة بلغات مختلفة

·         21 دولة جربت نتائج لجان الحقيقة والمصالحة وآخرها تيمور الشرقية

·         إزالة جميع التعديلات على القوانين الأصلية ليست صعبة في ظل نظام جديد

·         تحريم نشاطات حزب البعث لأن ممارساتها لا تختلف عن “النازي والفاشي”

 

إعداد: د· طارق علي الصالح *

تزايد الاهتمام بالعدالة الانتقالية Transitional Justice في السنوات الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الحالي (2002-1970) حيث صدر أكثر من 200 مؤلف بمختلف اللغات، بالإضافة الى العدد الهائل من الإصدارات والتقارير والمقالات بخصوص هذا الموضوع وما يتضمنه من مفاهيم ومظاهر·

لقد اكتسب هذا المفهوم “العدالة الانتقالية” من الأهمية، بحيث اعتمد موضوعا تدريسيا في الجامعات والمعاهد الدولية وتخصصت فيه منظمات دولية، كمنظمة العدالة الانتقالية في نيويورك، International Center for Transitional Justice كما شغل هذا الموضوع “العدالة الانتقالية” اهتمام الفلاسفة وعلماء القانون والاجتماع والسياسة والفن وغيرهم، وعقدت حوله المؤتمرات والدراسات المقارنة في مختلف أنحاء العالم مما أضحى مفهوما دوليا ينشده الباحثون والمختصون في مختلف شؤون المعرفة، لما فيه من أهمية بالغة في تحويل المجتمعات التي ستتعرض للاضطهاد والبطش والدكتاتورية الى أنظمة ديمقراطية تسودها الألفة والمحبة (1) فالعدالة الانتقالية هي برنامج للتحول من حالة الارتباك والفوضى التي خلقها النظام الدكتاتوري الاستبدادي نتيجة للإرث الهائل من الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان الى حالة النظام الديمقراطي التعددي بعد إزالة جميع الآثار التي خلفها النظام·

التحول الجاد نحو الديمقراطية يتطلب بالضرورة الإفادة من تجارب الدول الأخرى التي مرت بمثل هذه التجربة، ومهما كانت خصوصيتها بل يقتضي توظيف خصوصيتها لتحقيق أهداف التحول نحو المجتمع المدني الديمقراطي، فلا توجد حالتان للعدالة الانتقالية متساويتان تماما في دول مختلفة، وإنما لكل حالة مميزاتها وخصوصيتها من خلال التطبيق·

بالرغم من أن كل شعب من الشعوب له خصوصيته النابعة من طبيعة المجتمع ونمط حياته وديانته وثقافته التاريخية مما يقضتي توظيفها لإنجاح مشروع العدالة الانتقالية، فإن ذلك لا يمنع من الاستفادة من تجارب الدول الأخرى بالشكل الذي ينسجم مع خصوصيته·

فالعراق كبلد تتعايش فيه مختلف الأديان والقوميات والطوائف والمعتقدات يمكن استلهام كل ما جاء بالشرائع السماوية والأعراف الاجتماعية من مبادئ للتسامح والعفو عند المقدرة لترسيخ وتحقيق المصالحة في المجتمع·

من دون أدنى شك لا يمكن سحب أو تطبيق أي تجربة في العالم بتفاصيلها على العراق في مجال العدالة الانتقالية، إلا في مجالات محددة وبما ينسجم مع خصوصيات المجتمع العراقي فلو أخذنا النداء الذي وجهه الزعيم الوطني نيلسون مانديلا إلى شعبه في جنوب إفريقيا حول التمسك بالمبادئ لإنجاح مشروع العدالة الانتقالية، هذا النموذج لا يمكن توجيهه الى الشعب العراقي لافتقاره الى رمز وطني، يمكن أن يكون محل إجماع الشعب العراقي بجميع فصائله المتنوعة في الوقت الحاضر·

لذا فإن القوى الدولية التي ستتولى مسؤولية التغيير في العراق ستقوم بمهمة توجيه مثل هذا الخطاب ولجميع العراقيين وبمختلف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية والإثنية والطائفية والدينية ومن دون أي استثناء، لتؤكد بأن تطبيق العدالة الانتقالية هي خطوة أساسية وحاسمة نحو بناء الديمقراطية في العراق وأن ما استخدم من وسائل قمع واضطهاد ومصادرة الحريات والممتلكات وتفرقة عنصرية وطائفية، لا مكان لها في عراق المستقبل الديمقراطي·

ولا بد هنا من التحذير بأن توجيه أي خطاب الى الشعب العراقي يختفي تحت ملامح طائفة أو إثنية أو عشائرية لهو تعزيز وترسيخ للتفرقة وتأجيج لروح الانتقام والحرب الأهلية، لاسيما أن نظام صدام لا يمت بأي صلة الى أي طائفة أو عرق أو ديانة معينة بل استخدم هذه الولاءات كأدوات لترويج مفاهيمه الشوفينية وتكريسها للحفاظ على سلطته·

لقد أثرت تطبيقات مفاهيم العدالة الانتقالية في بعض الدول على دول أخرى بدرجات متفاوتة من دون المساس بالخصوصيات لتلك الدول·

وعلى سبيل المثال، إن تجربة العدالة الانتقالية في الأرجنتين، قد أثرت على التجربة نفسها في تشيلي بعد مرور ست سنوات، وإن التجربة السلفادورية قد أثرت على مثيلتها في غواتيمالا فيما بعد، كما أن التجربة في جنوب إفريقيا هي عبارة عن دروس مستخلصة من مجموعة برامج للعدالة الانتقالية في دول مختلفة أخرى وعلى وجه الخصوص تشيلي ورواندا·

لقد أدى نجاح تطبيقات العدالة الانتقالية والاهتمام المتزايد بها في جميع المجالات، وكما أشرنا في مستهل هذه المقدمة، الى تطورات مهمة في هذا المجال خلال السنوات الماضية، منها:

- تشكيل لجان لكشف الحقيقة والمصالحة في نحو 21 دولة كدول أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا وغواتيمالا ونيجيريا وسيراليون، وبنما والبوسنة، ويوغسلافيا، وتيمور الشرقية، وبيرو ودول أخرى·

- تشكيل محاكم جنايات دولية في يوغسلافيا السابقة عام 1993 ورواندا عام 1994 لمحاكمة مجرمي الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان·

- تشكيل محكمة الجنايات الدولية الدائمة وهي أول محكمة جنايات دولية دائمة بعد الحرب العالمية الثانية التي باشرت أعمالها اعتبارا من شهر تموز 2002·

- استحداث برامج كثيرة في مختلف دول العالم لغرض منح التعويضات لضحايا الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها الدولة بحق مواطنيها كما هي الحال في تشيلي والأرجنتين وجنوب إفريقيا، وأهم تقدم حصل في هذا المجال هو ما تسعى إليه الأمم المتحدة في تأسيس مبادئ دولية لتعويض مثل هذه الجرائم حاليا·

إن أهم ما يواجه أي نظام سياسي جديد في العراق هو الإرث الهائل من الجرائم بحق الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية، بالإضافة الى الكم الكبير من التشريعات المختلفة المخلة بأبسط مبادئ حقوق الإنسان، وأجهزة أمنية وعسكرية ومؤسسات تعليمية وإعلامية مصممة لتنفيذ ترويج تلك التشريعات والانتهاكات، فما العمل لمواجهة ذلك من خلال تطبيق مشروع العدالة الانتقالية؟

يمكن تقسيم البحث الى ثلاثة أقسام:

1 - المسؤولية الجنائية والمدنية:

يتمثل مبدأ المسؤولية الجنائية والمدنية، في السعي الى تحقيق المصالحة الشاملة بين أفراد وفئات المجتمع العراقي، ومفهوم المصالحة لا يعني التصالح “العفو” بمفهومه التقليدي وإنما يعني نبذ روح الانتقام والقبول بما يفرضه القانون، سواء كانت عقوبات جزائية أو غير جزائية “غرامات” أو تعويضات تخلق جوا من الشعور بالاطمئنان·

وبما أن الانتهاكات التي حصلت في العراق واسعة لدرجة فإن المتورطين فيها يشكلون عددا كبيرا جدا من الأفراد على مدى 34 عاما مضت من حكم النظام الحالي، مما يقتضي النظر الى هذه الحقيقة بجدية ووضع الحلول المناسبة لها بالشكل الذي يضمن تحقيق العدالة أولا، والانتقال الكامل الى المجتمع المدني الديمقراطي ثانيا، وتحقيق المصالحة ونبذ روح الانتقام في المجتمع ثالثا·

ومن أهم الآليات لتحقيق المصالحة في عراق المستقبل هي:

أ - لجان الحقيقة:

إن أهم التطورات التي حصلت على العدالة الانتقالية خلال العقدين المنصرمين هو ظهور لجان الحقيقة، حيث شكلت نحو 21 لجنة في مختلف أنحاء العالم، كنيجيريا وتشيلي والسلفادور وجنوب أفريقيا وغواتيمالا وأوغندا وبوليفيا والأرغواي وزمبابوي والنيبال وجاوا وألمانيا وسريلانكا وهاييتي والاكوادور وسيراليون··· وغيرها·

ويمكن إجمال الحالات التي تتعامل معها لجان الحقيقة في حالتين رئيسيتين:

الحالة الأولى/ وهي تلك التي تشمل نظام انتهاكات حقوق الإنسان في الدول التي تمارسها بشكل سري للغاية عن طريق إخفاء الحقائق عن أي منظمة داخلية أو خارجية أو أي جهة دولية·

والحالة الثانية/ وهي تلك التي تشمل الدول التي تمارس الانتهاكات بشكل مكشوف وواضح للعيان، كما هي الحال في البوسنيا·

ونلاحظ أن نمط الانتهاكات في العراق يشمل الحالتين معا بالإضافة الى ما تقدم فإن النظام الدكتاتوري في العراق قائم منذ 34 عاما مما يجعل دور لجان الحقيقة صعبا للغاية لاحتمال اندثار المعلومات نتيجة لموت أطراف القضية الواحدة من جهة أو إتلاف المعلومات المتعلقة بالحقيقة وإخفائها من جهة أخرى، وهذا ما حصل في راوندا بعد عام 1994 بخصوص جرائم الإبادة الجماعية نتيجة لتحطيم جميع مؤسسات المجتمع الخاصة والعامة·

ولا بد للجان الحقيقة من أن تحقق أهدافها المتمثلة بالنقاط التالية:

أولا: اكتشاف وتوضيح الحقيقة عن الانتهاكات بشكل رسمي وعلني·

ثانيا: إحالة المستحقين أما للمحاكمة الجنائية المختصة أو فرض العقوبات غير الجزائية أو التعويضات أو شمول البعض بالعفو·

ثالثا: الاعتراف بالمسؤولية والذنب المرتكب·

رابعا: تحقيق ما يصبو إليه الضحايا وتحقيق المصالحة والتوصل الى نبذ روح الانتقام·

من هنا تبرز الأهمية القصوى للربط بين قرار العفو وطبيعة أعمال لجان الحقيقة، بحيث لا يشمل العفو من لا يعترف بمسؤوليته عن انتهاكاته وتقديم اعتذاره العلني عن أفعاله وهذا ما لجأت إليه إفريقيا الجنوبية في تجربتها بهذا المجال·

ب - العفو “الخاص والعام”:

هناك نوعان من العفو:

أولا: العفو العام:

ويكون شاملا عن جميع الأشخاص ممن ارتكبوا جرائم بغض النظر عن جسامتها، يستثنى من ذلك كبار المسؤولين من أركان النظام·

يرى أصحاب هذا التوجه، أن مثل هذا العفو العام هو الوسيلة الوحيدة للانتقال الى نظام جديد وهو ثمن التخلص من نظام جائر متسلط بعد تجنب التعامل مع ما حدث في الماضي وطي صفحته·

لكن مثل هذا العفو الاعتباطي سيخلق تناقضا ومصاعب على مستوى قواعد القانون الدولي من جهة وعلى الصعيد الداخلي من جهة أخرى· قواعد القانون الدولي الجنائي لا تجيز العفو عن الجرائم الخطيرة المرتكبة بحق الإنسانية وجرائم الحرب والعدوان والإبادة الجماعية·

وتعطي تجربة سيراليون Sieraleone عام 1999 صورة حقيقية لفشل مثل هذا العفو حيث فشل بعد مرور أشهر قليلة، ولجأت منظمة (RUF) الى الهجوم على الأحزاب المعارضة، وكذلك قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، والتجربة نفسها في الأرجنتين عام 1983 التي تم احتواؤها بعد مرور سنة على صدور قانون العفو العام بعد الانتخابات·

ثانيا: العفو الخاص “المقيد”:

يختلف هذا العفو عن سابقه من حيث المضمون والتطبيق فهو لا يشمل جميع الجرائم وكيفما كانت جسامتها، وإنما جرائم محددة لا ترقى الى تلك التي حرمت بموجب قواعد القانون الجنائي الدولي “جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية”، مع شروط مثل أن يتعاون المشمول بهذا العفو مع لجان الحقيقة لكشف الحقيقة عن الجرائم المرتكبة، وقد طبقت إفريقيا الجنوبية مثل هذا العفو·

ج - التعويضات:

إن الضحايا الذين يعانون من الأضرار كفقدان بعض ذويهم في السجون والمعتقلات العراقية ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة والإصابات البدنية والحياة الاقتصادية الصعبة التي رافقت حياتهم نتيجة لتلك الممارسات أو فقدان وظائفهم وموارد رزقهم بأي شكل من الأشكال، وهم يحتاجون الى التعويض المادي والمعنوي استنادا لأحكام القانون الدولي، ويقتضي أن تكون التعويضات مجزية بالشكل الذي يحقق للمتضرر ما يكفيه لضمان مستقبله من ناحية ويخفف مما لاقاه من ضرر من ناحية أخرى·

وأن تتحقق على صعيدين: الأول: التعويضات المادية التي تشمل إعادة الممتلكات المنقولة وغير المنقولة الثاني: التعويضات المعنوية التي يمكن أن تشمل الاعتذار الرسمي عن ما وقع من انتهاكات، وإعداد نصب تذكاري للضحايا وتشييد متحف وطني لكل ممارسات النظام والثالث: إعداد سجل بأسماء الضحايا لتذكير الأجيال المقبلة بما اقترفه هذا النظام من جرائم·

د - العقوبات غير الجزائية:

من البديهي، أن الأرث الهائل من الانتهاكات التي خلفها النظام الحالي على مدى 34 عاما، لا يمكن التعامل معها سياسيا واقتصاديا بأسلوب واحد من خلال المحاكم الجزائية فقط، فلا بد من تصنيفها الى انتهاكات خطيرة تدخل ضمن الجرائم التي يقتضي إحالتها الى محاكم الجنايات المختصة، ومنها انتهاكات تقبل العفو والصفح عن مرتكبيها وأخرى تستوجب تعويض الضحايا، وبعضها تلزم فرض عقوبات مالية “غرامات” أو عقوبات اجتماعية وتلك تدعي بمجملها “العقوبات غير الجزائية” لذا فإن طبيعة بعض الممارسات لبعض الأشخاص، كحجب بعض الحقوق عن بعض الأشخاص لأسباب طائفية أو عنصرية أو عنصرية أو حزبية وغيرها قد تستوجب فرض عقوبات مالية “غرامات” على مرتكبيها أو عقوبات اجتماعية كالحرمان من بعض المواقع الوظيفية أو الانتخاب في المجالس المحلية والإحالة على التقاعد·

هـ - الإفادة من المبادئ الإنسانية التي جاءت بها الأديان والعادات والتقاليد الاجتماعية لنبذ روح الانتقام وتحقيق المصالحة، والعراق بلد الأديان السماوية كالإسلام والمسيحية، التي جاءت بمبادئ إنسانية عالية كالغفران والتسامح والعفو عند المقدرة، مما يقتضي استخدام هذه المبادئ لإنجاح عملية المصالحة داخل المجتمع·

و - المحاكمات الجزائية وتشكيل المحاكم وهيئات التحقيق:

إن تشكيل محكمة جنايات دولية خاصة لمحاكمة أركان النظام العراقي لا يمنع من تشكيل محاكم جنايات وطنية خاصة الى جانب المحكمة الدولية، لاسيما وأن إمكانية حسم القضايا أمام محكمة الجنايات الدولية سيكون محدودا جدا وقاصرا على بعض أركان النظام·

ولا بد من التوضيح أن نظام إنشاء محكمة الجنايات الوطنية الخاصة واختصاصات هذه المحكمة تشمل جميع الجرائم التي تنظرها محكمة الجنايات الدولية بالإضافة لما جاء بالقوانين العقابية العراقية، فقد شكلت في رواندا عام 1994 بموجب تشريع خاص محكمة جنايات خاصة لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية من أفراد الهوتو ممن ارتكبوا جرائم في غاية الوحشية بحق التوتسي، وكانت هذه المحاكم مكملة لإجراءات المحكمة الجنائية الدولية في تترانيا، إلا أنها تمارس واجباتها بموجب القانون الوطني الرواندي·

واتفق مع رأي الأغلبية من القانونيين العراقيين بتجنب المحاكم الجنائية المختلطة لما قد تخلقه من حساسية داخل المجتمع العراقي، كما يجب الإشارة الى الحاجة الى قضاة ومدعين عامين ومحامين لهم خبرة عملية في ممارسة مهنتهم أولا ولديهم الكفاءة في تلقي التدريب في معاهد دولية خاصة للقيام بهذه المهمة ثانيا·

2 - إصلاح النظام القانوني

خلال فترة الحكم الدكتاتوري السابق تعرض النظام القانوني العراقي الى هزات عنيفة ومسخ متواصل باتجاه الخرق الفاضح لحقوق الإنسان ومصادرة الحريات والحقوق بوضع تشريعات لا تمثل إلا إرادة صدام حسين وأن مجلس قيادة الثورة ما هو إلا مجلس شكلي تصدر تحت عنوانه القوانين والقرارات، حيث يجري تعيين أعضائه بعد أن يتم اختيارهم كأعضاء في القيادة القطرية للحزب الحاكم من قبل صدام حسين·

وقد دعت جمعية الحقوقيين العراقيين في عام 2002، مناقشة، القانون الجنائي وقانون الجنسية والقانون الإداري وهي القوانين التي تشكل أهم أركان تحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان في المجتمع·

أ - القانون الجنائي

بعد تغيير النظام الحالي، لا بد من إعادة النظر في القانون الجنائي العراقي بشكل كامل وعلى ضوء سياسة جنائية مواكبة للتطور الحاصل في العالم وعلى أسس سليمة، ولا بد من التعامل مع ما طرأ على القانون الجنائي العراقي من تعديلات خلال فترة حكم نظام بغداد بما يخدم فترة العدالة الانتقالية·

ولقد خرق نظام بغداد جميع المبادئ الإنسانية التي جاءت بها قواعد القانون الدولي التي يمكن تلخيصها كما يلي:

أولا: تشديد الكثير من العقوبات الى الإعدام·

ثانيا: انتهاك مبدأ الشرعية/ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص من خلال إطلاق العنان لأجهزته الأمنية بإلقاء القبض والتعذيب بمجرد الاشتباه·

ثالثا: مبدأ عدم رجعية القانون الجنائي على الماضي·

رابعا: مبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته فقد تعرض المتهمون الى أبشع وسائل التعذيب والاحتقار والحجز الاعتباطي الذي غالبا ما يودي بحياتهم رغم براءتهم·

خامسا: انتهاك مبدأ تحريم تعرض أي إنسان للتعذيب أو العقاب أو إساءة معاملته·

سادسا انتهاك مبدأ عدم جواز حبس الإنسان أو نفيه دون وجه حق في وقت أصدر النظام قرارات مجحفة بحق المواطنين الأبرياء بحجزهم وإسقاط جنسيتهم وإبعادهم خارج الحدود·

سابعا: انتهاك مبدأ حماية ممتلكات الفرد وحرمة مسكنة ومراسلاته واتصالاته·

ثامنا: إضاعة حق المتهم في المطالبة بالتعويض في حالة القبض عليه أو توقيفه بصورة غير مشروعة، وغيرها من الحقوق والضمانات القانونية التي تحمي المواطن·

الحلول المقترحة لإصلاح القانون الجنائي

إن إزالة جميع هذه التعديلات التي أجريت على القوانين الأصلية ليست أمرا صعبا، حيث يمكن جرد كل ما هو مخالف لأحكام القانون الدولي المتعلق بحقوق الإنسان، ويجري العمل على إلغائها جميعا بموجب تشريع خاص وفور تغيير النظام، ويمكن وضع آلية لتطبيق الدستور والقوانين بشكل دقيق بحيث يمنع أي تجاوز على حقوق الإنسان مثل إقرار مبدأ الرقابة على دستورية القوانين من قبل محكمة دستورية عليا أو المحاكم العادية، ومنح السلطة القضائية وبموجب الدستور الرقابة المطلقة على تطبيق أحكام جميع القوانين ومن دون أي استثناء وتفعيل دور الادعاء العام في العراق ومنحهم صلاحيات واسعة لتفتيش السجون ومراكز الأمن والشرطة·

ب - قانون الجنسية

لقد نظم شؤون الجنسية العراقية قانونان رئيسيان:

الأول: قانون الجنسية رقم 42 لسنة 1963 وتعديلاته·

الثاني: قانون الجنسية رقم 43 لسنة 1963 وتعديلاته الذي ألغى القانون الأول وحل محله·

وباختصار فإن أهم محاور انتهاكات حقوق الإنسان التي جاء بها القانون الأخير هي:

أولا: أنه حتى الولادة المضاعفة في العراق لا تشفع للشخص باكتساب الجنسية الأصلية إلا بموافقة وزير الداخلية دون أية رقابة قضائية، وفق المادة السادسة من قانون الجنسية لسنة 1963·

ثانيا: اكتساب الجنسية العراقية بالتجنس حالة موقتة تجيز لوزير الداخلية سحبها أو إسقاطها متى شاء وتحت ذرائع يمكن اختلاقها دون أي رقابة قضائية·

ثالثا: وبموجب المادة 20 من قانون الجنسية لعام 1963 وقرار مجلس قيادة الثورة رقم 666 لعام 1980 يمكن سحب أو إسقاط الجنسية العراقية الأصلية في الحالات التالية:

·         إذا تبين عدم ولاء العراقي للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة·· وإبعاد المشمول بهذا القرار الى خارج العراق، أي يصبح من دون جنسية!؟

·         كل عراقي عمل مع إحدى الهيئات أو حكومة أجنبية تعتبرها الحكومة العراقية بحكم المعادية·

·         كل عراقي أقام في الخارج بصورة معتادة·

رابعا: وبموجب القرار رقم 8284 في 10/4/1980 ابتدع نظام بغداد مفهوم “وحدة العائلة خارج الحدود” وهو على النقيض من مفهوم “لم شمل العائلة” المعمول به في الدول الأوروبية، واستنادا الى هذا القرار أسقطت الجنسية العراقية عن عوائل عراقية وسفرت خارج العراق لأن أحد أفرادها قد أسقطت عنه الجنسية العراقية لسبب ما··؟

خامسا: القرار رقم 180 لعام 1980 اعتبر عددا من العشائر العراقية التي تقطن العراق منذ مئات السنين عشائر أجنبية لغرض إخضاعها لأحكام التجسس في القانون وبالتالي الضغط عليها وابتزازها، كعشائر السوره مري والكركش والفيلية والزركوش والاركوازية وملك شاه والكوبان وغيرها·

الحلول المقترحة لإصلاح قانون الجنسية العراقية

أولا: إلغاء جميع النصوص الجائرة في قانون الجنسية العراقية المتعلقة بسحب وإسقاط الجنسية لأسباب سياسية·

ثانيا: منح الحق للمهجرين والمهاجرين للعودة الى الوطن والمطالبة بحقوقهم في الجنسية وأموالهم·

ثالثا: معالجة اكتساب العراقيين من المهاجرين والمهجرين الجنسيات الأجنبية بحكم ابتعادهم القسري عن الوطن·

رابعا: منح الحق المطلق للرقابة القضائية في كل ما يتعلق بتطبيق قانون الجنسية العراقية·

ج - القانون الإداري:

تعاني الأجهزة الإدارية في الدولة وبشكل واضح من فساد متناه، ويمكن أن يعزى ذلك الى تسييس العمل الإداري من خلال جعله يلبي متطلبات الحزب الحاكم “حزب البعث”، وتحولت أي مؤسسة إدارية الى موسسة حزبية إضافة الى العامل الاقتصادي، فنتيجة لمغامرات النظام ودخوله الحروب الخارجية والداخلية، تدهورت الأوضاع المعاشية للعاملين في الأجهزة الإدارية بشكل ملفت للغاية حيث وصل تعاطي الرشوة الى الأجهزة القضائية التي تتحكم بالعدالة، وأخيرا ضعف الرقابة على أعمال الإدارة سواء الرقابة الشعبية أو البرلمانية أو الإدارية أو القضائية، وبخصوص الرقابة القضائية في العراق، فإنها شكلية ولا توجد لها أي فاعلية، ورغم أن الأجهزة القضائية كغيرها تخضع بشكل كامل لسياسة الحزب الحاكم “حزب البعث”، فإنها مقيدة بما جاء بالمادة السابعة من قانون مجلس شورى الدولة رقم 106 لسنة 1989 المعدل التي منعت القضاء الإداري من النظر في جميع الطعون المتعلقة بأعمال السيادة التي تمثلها قرارات مجلس قيادة الثورة والمراسيم الجمهورية والقرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية·

الإصلاحات المقترحة على القانون الإداري

أولا: إلغاء جميع القوانين والقرارات التي جعلت من أيديولوجية الحزب منهاج عمل لجميع الأجهزة الإدارية·

ثانيا: تفعيل دور الرقابة الشعبية من خلال الإعلام الحر وإنشاء الجمعيات والنقابات الحرة المستقلة·

3 - إصلاح المؤسسات:

أ - القضاء:

لقد كرس نظام بغداد مفهوم عدم وجود سلطات مستقلة في الدولة، وإنما هناك سلطة سياسية واحدة تساعدها أجهزة إدارية وتنفيذية وقضائية للنهوض بمسؤوليتها، وعلى الصعيد العملي في إنهاء دور السلطة القضائية قام نظام بغداد بحل مجلس القضاء الذي كان يرأسه رئيس محكمة تمييز العراق وإعادة تشكيله برئاسة وزير العدل وتغير مسماه الى “مجلس العدل” وبذلك أصبح الجهاز القضائي برمته خاضعا لمشيئة السلطة التنفيذية من جميع الوجوه·

وعليه فإن العدالة الانتقالية تقتضي إعادة هيبة القضاء العراقي بضمان استقلاليته وإعادة النظر بجميع القوانين التي تحقق ذلك، وتدريب بعض النخب القانونية على كيفية ممارسة القضاء في عراق المستقبل في دول متطورة أخرى·

ب - الأجهزة الأمنية وقوى الأمن الداخلي:

قوى الأمن الداخلي التي تتكون من أجهزة الشرطة والحدود والمرور والجنسية هي عبارة عن أجهزة تقليدية موجودة منذ تأسيس الدولة العراقية لكنها تعرضت للعسكرة منذ الأيام الأولى لمجيء نظام صدام للحكم في العراق·

ولغرض تهذيب العلاقة بين هذه الأجهزة والمواطنين وجعلها في خدمتها من الناحية الفعلية، لا بد من الاهتمام بهذه الأجهزة وإعادة النظر بهيكليتها وطبيعة واجباتها وقوانين الخدمة، وتخليصها من القوانين العقابية العسكرية وتحويلها الى قوة مدنية تحسن التعامل مع المواطنين المدنيين·

أما الأجهزة الأمنية التي أولى نظام بغداد اهتماما متميزا بها فهي، جهاز المخابرات، مديرية الاستخبارات العسكرية العامة، جهاز الأمن العسكري، مديرية الأمن العامة، الحرس الجمهوري الخاص، الحزب الجمهوري، فدائيو صدام وأي جهاز أمن آخر يتم تشكيله بأوامر من صدام حسين، هذه الأجهزة الأمنية مسؤوليتها مباشرة لحماية شخص صدام حسين ونظامه ولا علاقة لها بأي واجبات أخرى في الدولة·

لذا فإن الحاجة ستكون ملحة بعد أن سقط نظام الحكم في بغداد الى إلغاء أغلب هذه الأجهزة لانتفاء سبب وجودها “حماية النظام”، أما الأجهزة الأخرى كمديرية الأمن العامة ومديرية الاستخبارات العسكرية العامة فيوجد سبب جدي لاستمرارها، لأنها كانت موجودة في العراق قبل مجيء النظام الى السلطة لتخصصها أصلا بواجبات محددة لا علاقة لها بحماية النظام·

ج - الجيش “القوانين العقابية العسكرية والقضاء العسكري والحصانة العسكرية”·

تتميز القوانين العقابية العسكرية بصفتين رئيسيتين:

الأولى: الحصانة العسكرية: حيث وردت في قانون التبليغات القانونية العسكرية لعام 1960 الذي جعل من العسكريين ومنتسبي الأجهزة الأمنية طبقة متميزة عن بقية أفراد الشعب ومنحهم الحصانة الكاملة من التعقيبات القانونية أمام المحاكم المدنية عندما يتعلق الأمر بجريمة تتعلق بحقوق الأفراد الآخرين وتكاد هذه الحصانة أن تحجب المسؤولية الجنائية عنهم·

الثانية: قساوة وشدة القوانين العقابية العسكرية: تتميز القوانين العقابية العسكرية بقساوتها المتناهية في كل ما يتعلق بالمساس بأمن النظام أو مؤسساته العسكرية أو الأمنية·

وعلى سبيل المثال لا الحصر:

- منح قانون العقوبات العسكرية سلطة مطلقة للمحاكم ولا يوجد حد أدنى للعقوبات بحيث يمكن للمحكمة أن تعاقب العسكري بعد إصدارها القرار بإدانته عن بعض الجرائم، إما بعقوبة الإعدام أو بالحبس لمدة يوم واحد، إذا ما علمنا بأن أغلب الحكام في المحاكم العسكرية هم غير مؤهلين لأبسط الأعمال القانونية لأن أغلبهم من الضباط الإداريين ممن حصلوا على شهادة الدراسة المتوسطة وبعض الدورات العسكرية·

وهو ما يعني تطبيقا واقعيا لسياسة الجزرة والعصا التي يطبقها النظام على متنسبي الجيش والأجهزة الأمنية، فهم يتمتعون بامتيازات كبيرة وبالحصانة من التعقيبات القانونية بينما يخضعون الى عقوبات في غاية القسوة عندما تعلق جرائمهم بتهديد أمن المؤسسات العسكرية أو الأمنية·

وحيث إن الجيش كمؤسسة وجدت لحماية الوطن مما يقتضي إعادة النظر في القوانين العقابية العسكرية وصلاحيات القضاء العسكري والحصانة العسكرية بالشكل التالي:

·         إعادة النظر في جميع التشريعات العقابية العسكرية وإلغاء الحصانة التي يتمتع بها العسكري عن الجرائم التي ترتكب خارج حدود الوظيفة أو الثكنات العسكرية·

·         تقليص اختصاصات المحاكم العسكرية واقتصارها على الجرائم العسكرية فقط التي يقتضي تعريفها تعريفا دقيقا·

د - نظام السجون

دأب نظام بغداد على جعل الهدف من العقوبة هو الانتقام بدل الإصلاح لذا شدد العقوبات في القوانين العقابية وأبدل الكثير منها بعقوبة الإعدام واستحدث عقوبات جديدة تعود أصولها الى ما قبل التاريخ أو الى القرون البدائية عندما كانت العقوبة في أبشع صورها ولا يرجى منها غير الانتقام·

ونرى بأن العقوبة تقتضي أن تكريس هدفين في آن واحد:

الأول: العقوبة كجزاء  من أجل تحقيق الردع العام والخاص·

الثاني: العقوبة كإصلاح، وفق برامج إصلاحية داخل السجون·

هـ - الإعلام والتعليم

خضع نظام الإعلام والتعليم الى قوانين وأنظمة وبرامج مكثفة لخدمة أغرض النظام القائم وعبادة الشخصية “صدام حسين”، كما تعرض الى العسكرة والتبعيث القسري وأصبحت هذه المؤسسات شبيهة بمثيلاتها في الأنظمة النازية والستالينية مما يقتضي إعادة النظر بتلك القوانين والأنظمة والبرامج المعمول بها وصياغتها بالشكل الذي ينسجم مع التحولات الديمقراطية بعد زوال النظام الحالي·

و - حزب البعث “الحزب الحاكم”·

يتألف الشعب العراقي من قوميات كثيرة أهمها العربية والكردية والتركمانية والآشورية، مما لا يمكن فرض أيديولوجية “البعث العربي” التي لا تؤمن بوجود القوميات الأخرى في العراق بل مارس نظام البعث أبشع الطرق في صهر القوميات الأخرى في بوتقة القومية العربية ومارس الاضطهاد والتعذيب والقتل خارج القضاء والإبادة الجماعية لتنفيذ أيديولوجية التسلط الشمولي وشن الحروب على الدول المجاورة وتحطيم البنى التحتية للمجتمع العراقي، لذا فإن ممارساته لا تختلف عن ممارسات الحزب النازي في ألمانيا وإيطاليا، مما يقتضي تحريم نشاطات هذا الحزب في المستقبل·

______________________________________________________

*مشرف عام مجلة الحقوقي العراقية - لندن

- البحث المنشور مختصر، وهو صادر عن مركز البحوث والدراسات في جمعية الحقوقيين العراقيين - 2002

طباعة  

العراقيون والقوى السياسية يعترفون بسيادة واستقلال وحدود دولة الكويت بموجب القرار 833
قرار تخطيط الحدود قاعدة لعلاقات المستقبل بين العراق الجديد ودولة الكويت