
· واشنطن كانت سعيدة بالأصولية السعودية أيام الصراع مع الشيوعية والقومية العربية
· إذا كان العنف المناهض لأمريكا “وهابيا” يصبح من المتعذر إصلاح النظــام السعودي
· نجاح الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي السابق هو المسؤول عن ظاهرة بن لادن
· تفجيرات 12 مايو تمثل عودة “القاعدة” إلى أهدافها الأصلية في العالم العربي
· الأمير عبدالله سيفوز لو أجريت انتخابات ديمقراطية في المملكة
يعتقد غريغوري غاوس أستاذ العلوم السياسية بجامعة فيرمونت ومدير إدارة الدراسات الشرق أوسطية فيها والخبير البارز في شؤون المجتمع والسياسة في المملكة العربية السعودية أن الهجمات الإرهابية على المجمعات السكنية في الرياض ستجبر القيادة السعودية على اتخاذ قرارات حاسمة، فإذا أنكر السعوديون حقيقة أن الإرهاب المحلي يمثل مشكلة، كما فعلوا عقب الحادي عشر من سبتمبر 2001، يقول غاوس، إن ذلك “لن يؤدي إلا إلى مزيد من التنافر في العلاقات الأمريكية - السعودية، أما إذا شكلت جرس إنذار لكبار القادة السعوديين بشأن الحاجة لمواجهة مشكلة العنف الذي ترتكبه حركات التطرف الأصولي داخل المملكة، بشكل مباشر وصريح، فإنني أعتقد - حينئذ - أن من شأن ذلك المساعدة بالفعل في تحسين العلاقات الأمريكية - السعودية·
ويتحدث غوس بإسهاب حول الإرهاب الذي يستهدف المملكة وتأثيره على العلاقات مع الولايات المتحدة وآفاق الإصلاحات السياسية السعودية وتأثير ذلك على العلاقات بين الحكومة والمؤسسة الدينية والشعب في المملكة، وغير ذلك من الموضوعات، ضمن المقابلة التي أجراها معه برينارد غيرتسمان، استشاري التحرير في council on foreign relations ، وفيما يلي نص المقابلة:
· ما تأثير تفجيرات الرياض الأخيرة على العلاقات الأمريكية - السعودية التي تشهد بعض التوتر منذ بعض الوقت؟
- الكثير يعتمد على كيفية الرد السعودي، فإذا واصلوا إنكار وجود مشكلة كما فعلوا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فإني أعتقد أن ذلك سيؤدي الى تدهور العلاقات، ولكن إذا ثبت أن ما حدث سيوقظ كبار المسؤولين السعوديين ويدركون الحاجة للتصدي المباشر لمشكلة عنف الحركات الأصولية المتطرفة داخل المملكة، فإني أعتقد أن ذلك سوف يساعد في تمتين العلاقات بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة·
وهذا من شأنه إزالة الحجة التي كان يسوقها مسؤولون على أعلى المستويات في أجهزة الأمن السعودية، الذين كانوا يقولون إن “القاعدة لا تمثل مشكلة بالنسبة لنا، وربما كانت كذلك في أماكن أخرى، لكننا آمنون هنا والوضع تحت السيطرة”، فقد أظهرت تفجيرات الرياض أن هذا التقييم ليس صحيحا·
· لقد ألقى ولي العهد السعودي خطابا شديد اللهجة على التلفزيون السعودي وقال إنه يجب استئصال هؤلاء القتلة، فهل ستتم ترجمة هذه المشاعر الى سياسة عملية أم أن هذا الحديث الصارم سوف يتلاشى؟
- من المؤكد أن تصبح محاولات تعقب وتحطيم الخلايا المتورطة في هذا الهجوم، سياسة حكومية، ولكن السؤال هو: ماذا سيحدث على المدى البعيد؟ فهل سيكون ذلك بداية لجهد سعودي لاستخدام كل ما لديهم من وسائل في الحملة على الأفكار الـ “بن لادنية”، بما فيها ليس فقط الوسائل البوليسية والأمنية، بل أيضا المؤسسة الدينية ذاتها، ووسائل الإعلام ودوائر الجدل السياسي داخل المملكة؟
في البدء كان الجهاد الأفغاني
· ما الذي يمكن عمله لتغيير العلاقة بين المؤسسة الدينية والحكومة أو الشعب؟
- لا أعتقد أن هناك الكثير مما يمكن عمله من أجل تغيير ترتيبات مؤسساتية، ولكن ما سنشهده هو جهد من قبل المؤسسة الدينية الرسمية للتنديد المباشر ليس فقط بالعنف، بل أيضا بالأفكار التي تقود إليه، فمسألة الجهاد برمتها تحتل مكانا مركزيا في هذا الإطار· إن نجاح الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي “السابق” كان له أثر عميق على التيارات الأيديولوجية داخل أجزاء من العالم الإسلامي، ولاسيما في المملكة العربية السعودية تحديدا، لأن السعوديين كانوا شديدي الانخراط في الجهاد الأفغاني الذي شكل نقطة البداية لظاهرة أسامة بن لادن··· فلم تواجه الحكومة السعودية بشكل مباشر ذلك الافتتان بالجهاد·
وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 على واشنطن ونيويورك، بدأنا نشهد - بعد فترة من الإنكار والتملص - اعتبارا من منتصف عام 2002، جهدا مباشرا لمواجهة التفسير الذي يروّج له بن لادن “وآخرون” لفكرة الجهاد·
ولم يكن السعوديون يولون ما كان ينبغي من الاهتمام لحرب الأفكار، ضمن حملتهم على الإرهاب، وربما تقودهم هجمات الرياض الأخيرة الى استخدام مواردهم في العالم الإسلامي وفي الداخل لمواجهة مثل هذه الأفكار مباشرة، في نظام التعليم ووسائل الإعلام وفي المؤسسة الدينية·
· إذا أجريت انتخابات ديمقراطية، فهل سيتم انتخاب العائلة الملكية السعودية؟
- إذا جرت انتخابات ديمقراطية لمجلس تشريعي، فإن الكثيرين سينتخبون أناسا يتعاطفون مع بن لادن، وإذا أجريت انتخابات لاختيار حاكم للبلاد، فربما يحقق الأمير عبدالله نتيجة طيبة، ولكن السؤال الرئيسي ليس هو مدى شعبية هذا العضو أو ذاك من العائلة الحاكمة، فالشعبية ترتفع وتنخفض، وبعضهم أكثر شعبية من الآخرين، والمهم أنه ليس هناك بديل عملي عن العائلة الحاكمة، لدرجة أن أولئك الناس من غير المعجبين بهم أو المعارضين لسياساتهم يقولون “انظروا، فليس ثمة بديل عنهم للحفاظ على وحدة البلاد”·
منعطف مناهض لأمريكا
· يعرف معظم الأمريكيين - تاريخيا - أن الرئيس فرانكلين روزفلت زار الملك عبدالعزيز في نهاية الحرب العالمية الثانية، وأن شركات النفط الأمريكية عملت في المملكة، وأن كثيرا من السعوديين تلقوا علومهم وعملوا في الولايات المتحدة، فكيف تبدو العلاقات الأمريكية - السعودية اليوم؟
- العناصر التي دفعت بالرئيس روزفلت لزيارة الملك عبدالعزيز وتلك التي وطدت تلك العلاقة على مدى عقود طويلة لا تزال قائمة، فالنفط لا يزال موجودا، فالمملكة لديها 25 في المئة من احتياطي النفط العالمي وهي من كبرى الدول المصدرة للنفط في العالم ومن كبرى الدول المنتجة للنفط داخل منظمة “أوبك”، ولا يضاهيها في ذلك سوى روسيا وأمريكا، ولكنها على العكس من هاتين الدولتين، يمكنها رفع طاقتها الإنتاجية بسهولة، بينما بدأ إنتاج الولايات المتحدة النفطي يتراجع، إذن فمركزية الوضع السعودي في ما يتصل بالنفط العالمي، هي العنصر الرئيسي لهذه العلاقة، ولهذا السبب لا تزال هذه العلاقة مهمة،وهناك عناصر أخرى بالطبع، منها أن المملكة لها نفوذ هائل في العالم الإسلامي بحكم وجود مكة والمدينة فيها·
لقد حاول السعوديون استخدام ثروتهم النفطية لنشر رؤيتهم الخاصة للإسلام، وقد رأينا في ذلك عنصرا إيجابيا الى حد ما، حين كنا في صراع مع الشيوعية والقومية العربية في الخمسينات والستينات والسبعينات، ورأينا في ذلك شيئا إيجابيا حين كان السعوديون ينازعون الإيرانيين النفوذ في العالم الإسلامي، ومن الواضح أن ذلك التأثير قد بدأ منذ التسعينات يشهد منعطفا مناهضا للولايات المتحدة·
· لماذا استحكمت المشاعر المناوئة للولايات المتحدة بهذه السرعة في المملكة العربية السعودية؟
- هناك ثلاثة أسباب أساسية:
الأول: العلاقات الوثيقة بيننا وبين النظام السعودي عقب حرب الخليج الأولى، والتي كانت - بشكل أو بآخر - أوثق مما كانت عليه وأكثر وضوحا واتخذت طابعا عسكريا نتيجة لتمركز قوات أمريكية في المملكة، وأعتقد أن ذلك أغضب بعض الناس، وكان الأمر بالنسبة لأناس مجرد وجود لهذه القوات، ولكن آخرين رأوا فيها تجسيدا لعلاقات وثيقة·
أما السبب الثاني: ومع بداية التسعينات، فهو العراق، فمع حلول منتصف التسعينات، تمكن صدام من كسب الحرب الإعلامية، وكان يسود الاعتقاد بشكل عام، بأن العقوبات الاقتصادية ضد العراق قد استهدفت، في الواقع، إفقار دولة عربية - إسلامية ولا تهدف الى التخلص من صدام، وبعد ذلك، ومع انهيار عملية السلام في الشرق الأوسط، وتصاعد العنف الإسرائيلي - الفلسطيني، بدأت القنوات الفضائية العربية تنقل مشاهد الانتفاضة الفلسطينية الثانية الى كل بيت في العالم العربي يوميا·
· لماذا استهدف الإرهابيون المملكة العربية السعودية هذه المرة؟
- نفذ الإرهابيون الهجمات مرتين داخل المملكة في منتصف التسعينات، ثم شنت أجهزة الأمن السعودية حملة ضدهم، فأدخل أسامة بن لادن تغييرا استراتيجيا يقضي بمهاجمة أهداف خارج المملكة، وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ومطاردة شبكة القاعدة في مختلف أنحاء العالم ومهاجمة قواعدها في أفغانستان وانهيار نظام طالبان ربما تمثل هجمات الرياض في الثاني عشر من مايو الجاري عملية إعادة تقييم لاستراتيجية “القاعدة” وعودة من بن لادن الى أهدافه الأصلية التي كانت تتركز على العالم العربي، وتحديدا، مصر والسعودية والأردن والجزائر·
آثار عكسية
وعلينا الاعتراف أيضا أن المهاجمين باختيارهم هذه المجمعات السكنية، إنما كانوا يحاولون التمييز بين المسلمين السعوديين والأجانب، فقد نشر أحد المعارضين السعوديين قبل الهجمات، بيانا من “أشخاص يشتبه في كونهم إرهابيين” على موقع الكتروني، ويخاطب البيان - في جزء منه - المواطنين السعوديين قائلا “نحن لا نستهدفكم، بل نستهدف هؤلاء المسيحيين الصليبيين”·
ولكني أعتقد أن هجمات الرياض ستكون لها آثار عكسية عليهم بسبب سقوط سعوديين وعرب آخرين ضحايا للهجوم، فهذا النوع من الهجمات، وإن كان في وسط الرياض، سيكون له تأثير مختلف عن انفجار “الخبر” على سبيل المثال، والذي كان يستهدف الجنود الأمريكيين بشكل واضح·
· هل يهدف الإرهابيون لإسقاط نظام آل سعود؟
- بالتأكيد، ففي البيان الذي أصدروه عبر الإنترنت، يتحدثون بصورة سلبية عن العائلة الحاكمة، بل قالوا إن النظام السعودي ليس نظاما إسلاميا وأنه يتعاون مع غير المسلمين لمهاجمة المسلمين، ولذلك فإنه فقد شرعيته الإسلامية التي ربما كان يمتلكها في الماضي·
· هنا تكمن المفارقة، إذ يفترض أن النظام السعودي هو الأكثر تشددا بين الأنظمة الإسلامية، أليس كذلك؟
- نعم، فحين تضع سقفا عاليا لشرعيتك، يمكن أن تجد دائما من يعيب عليك عدم الوصول الى هذا السقف·
المواجهة حتمية
· هل ستقع مواجهة حقيقية بين النظام السعودي وشبكة القاعدة؟
- من المحتم أن تقع المواجهة بين أجهزة الأمن السعودية والناس الذين تتهمهم هذه الأجهزة بالتورط في هذه الأحداث، والسؤال الكبير هنا هو: هل سيكون ذلك بداية لإعادة تقييم في المملكة للعوامل في المجتمع السعودي، التي تفرّخ مثل هؤلاء الناس؟ وهناك تأييد كبير لإعادة التقييم تلك· إنني لا أتحدث عن نهاية العلاقة بين العائلة الحاكمة والمؤسسة الدينية، بل إعادة تقييم للصورة التي يعرضها الدين والمؤسسة الدينية للإسلام أمام المجتمع السعودي وفي العالم·
إننا نميل لوصف التحول الأيديولوجي المعقد الذي أشرت إليه بـ الـ “بن لادنية” (نسبة الى بن لادن)، ويميل البعض في الغرب الى وصفه بـ “الوهابية”·
والـ “بن لادنية” هي مزيج يشمل كل الأشياء التي أنجبتها “التجربة الأفغانية”، فضلا عن الانغلاق الفكري والتزمت ورفض الاختلافات (····) التي تصف التفسير الرسمي للإسلام في المملكة، ولكن أفكار منظمة “الجهاد” المصرية هي كذلك أيضا· وإذا استحضرنا المزيج السابق، يمكن القول إن الوهابية يمكن أن تقود الى سوء فهم حقيقي لأنه، إذا كانت الوهابية، بالفعل، أصل هذا الشكل من العنف “الذي وقع في الرياض”، فعندها يصبح من غير الممكن إصلاح النظام السعودي، أما إذا نظرنا الى هذا الشكل من التحول الأيديولوجي نحو العنف المناهض للولايات المتحدة والحكومة السعودية، باعتباره انشقاقا عن التيار السائد أو العام للوهابية، فحينئذ يمكن القول إن بوسع السعوديين أن يفعلوا شيئا حياله بطريقة تمكننا من التعاون معهم من أجل تحقيق ذلك، فهذا اختلاف مهم يجب علينا أن نتأكد من وجوده بين الحالتين·
“ عن Council on Foreign Relations “
_____________________________________________________________