فوائد قوم··
نشمي مهنا
وسط ضجيج محترفي الكذب الإعلامي، ومقتاتي الشعارات الجوفاء، ونافخي الرغبات السرية للسلطات الحاكمة، أولئك الناشرون فضائحهم على شاشات يومياتنا، وعلى حبال الفضائيات، والصحف، والإذاعات، المتحدثون كمحللين للأزمات (·· والجثث)·
وسط هذا الركام كله، تقفز أحيانا أمنية شيطانية في البال، شرسة المظهر، حسنة النوايا “الله·· لو أن مصيبة أكبر تحل على أرضنا العربية الكريمة، كي تنسى هذه النخب الشأن العراقي”!
ففي مثل هذه الحال، النسيان نعمة ستظلل سماء العراق، أما الإصرار على التذكر الكثيف (والمتأخر لأكثر من ثلاثة عقود) فهو تدخل لعين، وتقطيع للشأن العراقي على مقاسات رغبات عربية، ترى في عملقة الحريات خطورة، وفي طول القامة “طنطلا” مخيفا قادما·
بالنسبة إلينا، كشعوب مغلوب على أمرها، آمنا أخيرا أن تلك “المصائب” التي أصبحنا نتمناها، لا تحمل من الضرر سوى مسماها، الذي لا بد من تغييره، ليتوافق مع حقيقتها المحرضة والدافعة على الإنجاز، فبغياب رحمة المصائب يظل يغلفنا السكون، والخنوع، بانتظار كشف الغمة·
لندع أوهام “الانتلجسيا” تحوم في فضاء مفرّغ من هواء الواقع، وفي مجرات بعيدة، فلن يغيّر ذلك من حلم بدأ يلتقط أنفاسه، وينهض، ليتجول من شمال العراق الى جنوبه·
دع أصحاب الثقافة “المعسكَرة”، ومسؤولي الإعلام المؤدلجين، وجماعة الموهومين، والفارغين، وأرباب المؤسسات الصحافية (ممن يشهرون سباباتهم يوميا في وجوه القراء في لقاءاتهم الصحافية مطالبين بتوسيع فضاء الحريات والكتابة) ويشطبون في اليوم ذاته بأقلامهم الحمراء قصيدة لشاعر عراقي مغترب، فرِح بسقوط صنم الطاغية، تحت دبابة أمريكية (محررة، غازية، محتلة، سمها ما شئت!)، لن يبدل الشطب معنى شعريا واحدا، أضاء مخيلة شاعر·
أو··
فلترتبك عواصم، وسلطات، وحكومات، ومؤسسات، وأحزاب دينية وليبرالية وقومية، ونخب ثقافية، وليقْسم د· عرسان أمين عام اتحاد الكتاب والأدباء العرب ما استطاع من أن البعث السوري سد منيع للحريات، يمنع عنها شططها الطفولي، وأن المعارضة هي “مثل كاسر مزراب العين” تريد لفت الانتباه فقط، ولترد المعارضة السورية (عليه) في أول اجتماعاتها العلنية بـ “رفض التدخل الأمريكي الإمبريالي في العراق” (!)· ليفتِ شيخ الأزهر بضرورة الجهاد ضد الأمريكان، فيتدفق آلاف البسطاء، ويتراجع - الشيخ - بعد يومين، فتعود جثث “المجاهدين”·
ليهذِ مصطفى بكري بعد انقطاع الدعم، وليلطف “الإخوان المسلمين” بياناتهم ويراوغوا في كلماتها حمالة الأوجه، وليمد جميع المأزومين أصابع فضولهم الى الشأن العراقي: ممن أغفلوا مأساتهم في غزة، أو مذابحهم اليومية في الجزائر، أو شؤونهم الداخلية في عمّان، أو ممن رفضوا فتاوى مشايخهم بتحريم دخول الأمريكان أيام الغزو·· في الكويت!
هل يحتاج أهل الزار الإعلامي العربي الى مصيبة أكبر كي ينشغلوا عن المشاركة في مهام لم توكل لهم وتقديم مشورة لم يطلبها أهل العراق؟!
كل هذه الجلجلات العربية لن تمنع فرحة ملأت صدر فلاح عراقي، فأضاءت عينيه، وهو يرى أرضه وقد عادت محملة بأمل خصب بعد 35 عاما من البوار!
nashmi@taleea.com
_____________________________________________________________