كتب محرر الشؤون العربية:
الأحداث تتوالى بسرعة فائقة فيما يتعلق بترتيبات الأمر في العراق بعد إسقاط نظام صدام دون القبض عليه والقضاء على عصابته واستخباراته وحزبه بمن تبقى منهم سواء في مواقع مؤثرة في الإدارات الحكومية أو في المساجد بعد إلباسهم البعث عمامة الدين أو في المظاهرات المفتعلة وعلى شاشات الفضائيات المدسوسة والتي تعمل في إطار حملة خاصة بكل منها والجهة التي تتبناها مالياً وسياسياً، بل وفي الأعمال التخريبية التي طالت كثيرا من المواقع المهمة في العراق بشكل يفضي إلى انعدام الثقة بالترتيبات الأمنية والإدارية التي يجري العمل عليها·
هذه الأحداث والتطورات التي كان أبرزها تعيين السفير بريمر مسؤولاً مدنياً في العراق يتولى الإشراف على كل المندوبين الآخرين بمن فيهم جاي غارنر وزلماي زاده وهو أمر اعتبره كثير من المراقبين انتصاراً جزئياً لوزارة الخارجية على الدفاع رغم اعتبار بعض المراقبين أن السفير بريمر أقرب إلى رامسفيلد منه إلى كولن باول· إلا أن الترتيبات الداخلي منها والخارجي تأتي في إطار حالة من القلق والترقب اللذين يعيشهما الشعب العراقي لأسباب عدة منها عدم القبض على رأس النظام الذي اختفى وأخفى معه مليار دولار، وزمرة من الذين لا طريق أمامهم إلا الانتصار لرئيسهم لعلمهم أن لا مكان لهم في العراق بعد الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب طيلة السنوات الخمس والثلاثين الماضية·
من جهة أخرى أجج هذه المخاوف ما تناقلته الصحف العالمية من أن الرئيس المخلوع يعلن انتقاله إلى ما أسماه بالنضال السري في إشارة إلى معركة طويلة قادمة معه ومع زمرته إذا لم يلق القبض عليهم·
قلق المواطنين العراقيين هذا نتاج طبيعي للارتباك الأمريكي الواضح في ترتيب أمور العراق وترك المجال أمام رموز معروفة من بقايا النظام المخلوع بل والاعتماد على مثل هذه الرموز في تسيير الأمور الإدارية للبلاد كتعيينهم لعلي سنان على رأس الجهاز الصحي في العراق لدرجة اضطر الأطباء العراقيون للخروج بمظاهرة حاشدة ضد الفساد وتعيين المفسدين وأعوان النظام المخلوع·
وتأتي هذه المظاهرة المهمة في وقت تناقلت وكالات الأنباء أخباراً مؤكدة عن انتشار وباء الكوليرا في المناطق الجنوبية للعراق حيث تنعدم الخدمات البلدية الأساسية بينما تعاني الخدمات الصحية من تدني مستواها وقلة إمكاناتها وهو أمر يمس الحياة اليومية للإنسان المغلوب على أمره في معظم مناطق العراق·
من جهة أخرى يزداد القلق لدى الإنسان العراقي الذي يشغله شأنه اليومي بسبب ما تثيره بعض الفضائيات العربية والأجنبية والذي يتركز في معظمه على الأجندات الخاصة لملاك تلك الفضائيات، ففي حين تصر بعض المؤسسات الإعلامية العالمية على إثارة النعرة الطائفية التي عبر الشعب العراقي أكثر من مرة عن عدم انسياقه وراءها إلا أنها تصر على طرح الجوانب الطائفية والعرقية في كل برنامج إعلامي على ضيوفها وبشكل أضحى مفضوحاً·
من جهتها استمرت القناة الفضائية "العربية" في سعيها لتجاوز "الجزيرة" في تقربها من النظام المخلوع لدرجة أصبحت أقرب إلى ناطق رسمي باسم "البعث" تحاور مندوب النظام السابق في الأمم المتحدة وتسعى لتعيين الصحاف إعلامياً فيها، وتنقل خطب الجمعة المنتقاة والمرتبة مسبقاً مع أئمة مساجد بعثيين بعمائم، أما الجزيرة فلها طريقها الذي تتقنه في إثارة الفتن والبحث عن توافه الأمور لتحويلها إلى قضايا ضخمة واستمرار النفخ معتمدة على خلط الأمر بين الدفاع عن النظام الصدامي والشعب العراقي، بل إنها لا تزال تستضيف بعثيين من بغداد كانوا أقطاباً معروفين ضمن النظام المخلوع يدافعون عنه بكل شراسة وكأنه لا يزال في السلطة· هذه المظاهر والتدخلات الخارجية لم تقف عند ذلك الحد فقد تبين أن كثيرا من المظاهرات تقاد بشكل منظم ترفع فيها شعارات مطبوعة بشكل متقن يدل على دعم لا يمكن أن يتوافر في العراق في مثل هذه الظروف اللهم من قبل أطراف لديها الكثير من المال والإمكانات فهي إما مدعومة من أطراف خارجية أو أنها لا تزال تتغذى من قدرات النظام المخلوع ذاته·
من جهة أخرى اتضح مدى التصعيد الذي أحدثه بعض العائدين من إيران والذي تمثل في الحدة في الطرح والقرب من الشعارات الإيرانية علاوة على إثارة موضوع مجاهدي خلق المناوئين لإيران ومطالبتهم بمغادرة العراق في وقت يفترض تركيز الجهود على الشأن العراقي الداخلي وتأجيل مثل هذا الأمر إلى وقت آخر، لكن وكما يرى بعض المراقبين أن مثل هذه التحركات تعكس مدى المحاولات التي تدفع بها بعض دول الجوار للتدخل في الشأن العراقي مبكراً كي تضمن لها موطئ قدم في الترتيبات المقبلة هناك، بينما تسعى دول أخرى مجاورة للعراق إلى استمرار حالة انعدام الاستقرار هذه وهو أمر يصب في مصلحتها الداخلية بشكل أو بآخر· فهل سينجح السفير فيما أخفق فيه الجنرال وهل ستنظر إلى استقرار العراق كأولوية على المصالح الاقتصادية المباشرة واقتسام الكعكة؟ أسئلة لن يطول الوقت على إجابتها·
______________________________________________________________