آيـة الله السيســتاني فتاوى السيســتاني
· بعض الأنظمة تخشى من الاستقرار حتى لا تتفرغ لها أمريكا!!
كتب محرر الشؤون السياسية:
كل المؤشرات في العراق تدل على أن النهج ونوع السلطة التي تريد أن تفرضهما الإدارة العسكرية الأمريكية على العراق قد سقطت· فمؤتمر الناصرية فشل ومؤتمر بغداد أيضا، فقد قاطعته الكثير من الشخصيات والقوى السياسية بحيث لم يحضر من مدعويه الأربعمئة سوى ما يزيد عن المئتين بقليل، وفشل من عول الأمريكان عليهم من شخصيات في تقديم أي نموذج قيادي مقبول، فهذا محمد حسن الزبيدي ممثل أحمد الجلبي أثار غضب الناس عندما نصب نفسه محافظا لبغداد ثم قام بالاستيلاء على 240 مليون دولار من البنوك فاعتقله الجيش الأمريكي كما شاع قبل يومين نبأ اعتقال أحمد الجلبي نفسه من قبل التلميع بعد أن فشل الجلبي في جذب تأييد أحد وهو الشخص الذي وضع عليه “بول ولفويتز” مهندس احتلال العراق آماله في تنفيذ حلم الصقور في الإدارة الأمريكية بأمركة العراق وتجيير مؤسساته ومرافقه الاقتصادية لهم وعقد حلف مع إسرائيل· وبرز في الساحة د· عدنان الباجه جي وزير خارجية العراق الأسبق وهو وجه وطني نظيف يرفض تنصيبه من قبل الإدارة العسكرية الأمريكية ويصر على أن يتبوأ أي دور يأتي من خلال الانتخاب·
وتبين للحاكم العسكري الأمريكي “غارنر” بأن الخريطة السياسية التي تريد أن تفرضها مجموعة صناع سياسة البنتاغون وهي خريطة معتمدة على لبننة العراق وتقسيمه الى طوائف وعرقيات وقبائل هي مجرد وهم، فمع وجود هذه التفاوتات والتنوع في المجتمع العراقي إلا أنه لم يقم في العراق من قبل صراع بين الأكراد والعرب على مستوى الشعب بل كان كل ما تعرض له الأكراد حروبا وإبادة كانت من قبل السلطات المستبدة في العراق·
ولم يقم بين السنة والشيعة صراعات أو اقتتال مذهبي، بل كان ذلك أيضا من قبل صدام وذمرته عندما هجر العراقيين من أصول إيرانية قبل غزوه إيران، كما لم يقم صراع بين القبائل والحاضرة أو غير ذلك من صراعات دامية بين العراقيين، على العكس اندمج العراقيون عبر تاريخهم الحديث في تنظيمات سياسية ومدنية تجمع أبناء الطوائف والعرقيات والتنوع السكاني، فالعراق مهد الحضارة قدم إبداعاته ومساهماته للإنسانية عبر تفاعل كل هذه التنوعات في بنيانه·
الملفت للنظر بالنسبة إلى جميع المراقبين وأولهم الأمريكان بل والمدهش حقا أنه رغم أن سقوط نظام الطاغية صدام حسين الذي كان يمسك العراق بقبضة حديدية قد تسبب بالفوضى وانتشار أعمال النهب في بعض المدن إلا أن صراعات عرقية أو طائفية أو أي نوع من الصراعات الاجتماعية والسياسية لم تتفجر وإن حدث بعضها كان بشكل محدود فحين قتلت جماعة مقتدى الصدر في النجف السيد عبدالمجيد الخوئي حدث استنكار كبير من الغالبية العظمى من الأطراف الدينية والسياسية والاجتماعية مما اضطر الصدر للاعتذار·
سقط أعتى نظام ولم تحدث حروب ثأرية ومجازر وحمامات دم مثلما كان متوقعا وفاجأ العراقيون الجميع بقدر كبير من ضبط النفس وتماسك في وحدتهم الوطنية·
لكن لا زال الوضع في العراق رغم مرور نحو الشهر على سقوط الطاغية متوترا قلقا وغير مستقر وغير آمن فما الأسباب؟
لعل من أهم الأسباب لعدم الاستقرار الى هذا الوقت هو تعامل الجيش الأمريكي مع قضية الأمن، فبالإضافة الى رؤية سياسية مشوهة تريد فرض لبننة العراق الى فرض تقسيمات سياسية جغرافية متصادمة مع الانسجام السياسي الاجتماعي القائم، بالإضافة الى ذلك تعاملت القوات الأمريكية مع الأمن العراقي الداخلي وكأنه لا يعنيها وليس من أولوياتها كقوة محتلة، بل إن وزير دفاعها قد رد على أسئلة الصحافة حول أعمال النهب بأنها نوع من التعبير عن الحرية، كما إنها رفضت أن تحمي متحف بغداد وهو يضم أغنى كنوز تاريخ الحضارة الإنسانية ليس لأنها تجهل أهميته وقيمته بل لأنها مع ذلك لا تضع لها أي اعتبار، وهو أمر كشفت عنه صحيفة نيويورك تايمز حين قالت إن متحف بغداد كان رقم (2) في قائمة ضمت 30 مبنى في العاصمة سلمت للجيش الأمريكي من قبل الإدارة لتأمين حمايتها حال احتلال بغداد·
إن هذا التعاطي مع الأمن هو الذي يشيع عدم الثقة بالاستقرار ويكشف أيضا الارتباك الذي يصيب الجنود الأمريكيين حين يواجهون جمهورا لا يفهمونه ولا يعرفون التعامل معه فيلجأون الى إطلاق النار عليه وقتل المدنيين عشوائيا في أحيان كثيرة·
لكن هناك عوامل أخرى لعدم الاستقرار والتوتر:
الأول هو تدخل بعض دول الجوار فهذه الدول قلقة من أحداث العراق: سقوط الطاغية وما يمكن أن ينتج عن ذلك من آثار· فلقد قدمت أمريكا النموذج الحي بأنها تعني ما تقول حين تعلن أنها تريد تغييرا في بعض الأنظمة· قالت هذا عن النظام العراقي وعندما لم يستجب جاءت بقواتها وأسقطته· وهي الآن في المنطقة موجودة بقواتها هذه بين ست دول هي الدول المجاورة للعراق وتطرح مطالب· ومن المعروف أن استقرار الوضع في العراق سيحرر القوات الأمريكية من مهامها ويجعلها متفرغة لبعض من هددته من دول وهذا أمر يقلق هذه الدول ويجعلها تعمل من أجل أن لا تهدأ الأوضاع في العراق، بل يحاول بعضها أن لا يشغل أمريكا في العراق فقط بل ويتمنى أن تغرق فيه· وفي العراق تنويعات سياسية واجتماعية يمكن استغلال بعضها، منها بعض الجماعات الطائفية المرتبطة ببعض دول الجوار ومنها بعض القبائل وامتداداتها ومنها قوى حزب البعث وامتداداته·
لكن ما يشغل بعض دول الجوار تلك ليس إمكانات التدخل الأمريكي فقط ولكن ما يمكن أن ينشأ في العراق من دولة تتبنى نمطا من الديمقراطية يسمح بالتعددية وبالحرية والتمثيل الشعبي الحقيقي· هذه الدولة النموذج على الأمد البعيد هي أهم المخاطر المحدقة ببعض الأنظمة الشمولية والأيديولوجية التي تتحكم بمصير المنطقة الآن· وعندما تقوم ديمقراطية في العراق فإن تأثيراتها ستكون كاسحة وتخشاها أنظمة الحكم تلك أكثر بكثير مما تخشى جنازير الدبابات·
ولعل المتابع للأحداث عبر وسائل الإعلام يلحظ انعكاس التدخل الخارجي بارزا في المسيرات والمظاهرات وخطب المساجد، فإيران صدرت عبر مؤيديها الذين جاء معظمهم منها شعارات الثورة الإيرانية “الموت لأمريكا” والدعوة لقيام “جمهورية إسلامية”· وجماعة مقتدى الصدر يملأون الساحات باليافطات التي تطالب بالمرجعية “للحوزة العلمية”· والشيخ الكبيسي الذي كان من دعاة صدام طيلة الوقت صنع يافطة جمعية العلماء العراقيين ليخاطب الناس من خلال تلفزيون “العربية”!! الذي احتكر بث الخطبة ويتضافر مع جماعات الإخوان المسلمين التي ليس لها جذور أصلا في العراق لتكرس “الطائفية” السنية التي تتعيش عليها هذه التنظيمات إمعانا في تقسيم الشعب العراقي·
وتلعب بعض وسائل الإعلام العربية دورا تخريبيا موازيا للدور الحكومي لأنها جزء منه فهي تركز على التطرف والشذوذ وتنقله على أساس أنه السمة الغالبة للوضع مما يثير التوتر والقلق ويشحن الناس بمواقف وعواطف مغلوطة، وهو بالضبط الدور الذي لعبته هذه الوسائل الإعلامية في الترويج لمواقف النظام البائد وجرفت الشارع العربي لمساندة نظام الطاغية صدام حسين مما تسبب لهذا الشارع بانهيار نفسي حين سقوطه وانكشاف الأكاذيب ومدى معاناة الشعب العراقي، وهي نفسها التي ضللت حتى صدام حسين حيث دفعت به للتمادي في الطغيان والعنت الذي أودى به الى الهاوية·
ذلك أن الحقيقة على أرض الواقع غير ما تروج له الفضائيات، فالمواقف الأساسية في العراق لجميع الطوائف والقوميات والشرائح الاجتماعية يغلب عليها طابع التماسك والوضوح والانسجام وليس التشرذم·
فالأكراد موقفهم واضح دون داع للتفاصيل، أما الشيعة فإنهم عرب ليس لهم علاقة بإيران سوى تشابه المذهب وينطلقون من مصالح العراق الوطنية والقومية أما فيما يتعلق بالمرجعية فإن التيار الأساسي والغالب لدى الشيعة هو الثقة التي يولونها للسيد علي السيستاني ومن معه من مراجع وهم كل من محمد سعيد الحكيم والشيخ اسحاق الفياض والشيخ بشير، هؤلاء الأربعة هم المرجعية الشيعية الغالبة في العراق يدين لهم التيار الشيعي الأساسي من دون منازع، وتتبارى التنظيمات والأحزاب السياسية بأخذ بركاتهم·
أما مقتدى الصدر فهو شاب صغير متطرف يحاول أن يرث مقام أبيه العلمي بالنسب وليس بالتحصيل العلمي مع أن عمره لا يتجاوز 22 عاما فيما يقضي المراجع الكبار ما لا يقل عن 40 عاما في الدراسة والغوص في العلوم· والفكر الذي يمثله السيستاني ومن معه فكر معتدل· فلقد أفتى قبل ثلاثة أيام من أربعينية الشهيد الحسين بأنه لا يصح أن يزج برجال الدين في الجوانب الإدارية والتنفيذية في اللجان التي تشكل لإدارة أمور المدنيين وتوفير الأمن والخدمات العامة لهم· وأفتى بأنه لا يجوز لغير الجهات المسؤولة عن الأمن حمل الأسلحة وإطلاق النار· وبضرورة جمع وإرجاع الأسلحة المنهوبة الى “الجهات ذات الصلاحية” لاحقا مثلها مثل جميع الممتلكات الأخرى· كما رفض تعرض البعض لمساجد أهل السنة وإعادة كل إمام الى مسجده “معززا مكرما”· وبعقاب المعتدي·
لكن من أبرز ما قاله في تلك الفتوى أيضا هو موقفه من البيانات التي تصدر باسم (الحوزة الشريفة) فقال إن تلك البيانات “لا يعتمد عليها”· وهو تهميش كبير لجماعة مقتدى الصدر المتطرفة· ولعل من يتمعن في هذه الفتوى يدرك أن التيار الذي يختطه السيد السيستاني هو تيار عقلاني، فحين يقول بجمع الممتلكات والأسلحة وردها الى “الجهات ذات الصلاحية”، فإن هذه الجهات هي جهات يرجح أن تكون أمريكية· فهذا التيار رغم رفضه للاحتلال الأمريكي إلا أنه يعرف أن من الخطر وجود فراغ أمني وأنه لا بد أن تكون هناك مرحلة انتقالية أمام العراق يجب أن يقطعها للانتقال من نظام الى نظام·
تيار السيد السيستاني ومن معه من مرجعيات ينأى عن السياسة ويطرح وحدة الشعوب العراقي بجميع طوائفه وقومياته ويدعو لأن ينتخب الناس من يعتقدون أنه الأقدر على تحقيق مصالحهم· وهذا التيار هو الأساس والأكبر بما لا يقارن بين شيعة العراق وهو الذي يتقاطع مع التيارات الأقوى بين السنة ومن مختلف القوميات، ولكن أجهزة الإعلام التي تبحث عما هو مختلف تركز على التطرف والغلو قبل أن تركز على الموضوعية في تقييم الأوضاع·
ولكن هذا التشويه الذي تسببه الفضائيات العربية ليس كله بحثا عن التميز بل إن الكثير منه تشويه مقصود·
جهاز صدام مازال باقيا
لكن حالة عدم الاستقرار في العراق يغذيها هاجس يشغل بال الكثير من الناس ويقلقهم وهو عدم المساس بهيكل النظام السابق وبنيته الأساسية من تنظيمات لحزب البعث واستخبارات وحتى تنظيمات عسكرية· مما يفسر قلق قطاعات واسعة من الناس بعد سنوات من الرعب من أن النظام لم ينته بعد وأنه ربما يعود·
لقد انهار وتبخر الجيش العراقي بسرعة تدعو للدهشة والريبة لدى الكثيرين· وبعض الضباط الذين ظهروا على شاشات التلفزيون قالوا: لقد جاءت لنا الأوامر بأن نترك أسلحتنا ونستبدل ملابسنا بالملابس المدنية ونذهب لبيوتنا· واختفت أجهزت الاستخبارات بكاملها العسكرية والمدنية، وكذلك رجع البعثيون الى منازلهم من دون أن يحدث شيء لهم· وجاء كل ذلك في مواكبة اختفاء صدام وولديه وكبار أعوانه·
وإذا لم يثبت بالقطع أن صدام قد قتل فإن الصورة لدى الكثير من المواطنين العراقيين تصبح شديدة التشويش فهل ذهب الجميع تحت الأرض؟ وهل هذا هو مخطط صدام بانتظار اللحظات المناسبة؟!
يقول أحد المواطنين الكويتيين إنه خلال احتلال العراق للكويت ذهب الى بغداد للاتصال بالتلفون والتقى بأحد المسؤولين العراقيين الذين تعرف عليهم في أثناء خدمتهم في الكويت قبل الاحتلال وهو من المعروفين لدى المواطن الكويتي بعدائهم المكتوم لنظام صدام· وحين أخذه المسؤول العراقي بسيارته أغلق النوافذ وفتح الراديو يصدح بموسيقى عالية ثم تحدث إليه حول الأوضاع ومما قاله إن صدام قد أخذ بعين الاعتبار أن يحتل الأمريكان العراق وأنه لذلك أعد العدة ليختفي وجماعته ويخفي من الأسلحة والأموال ما يكفي لبناء جيش جديد وإنه قد بنى تحت تكريت مدينة أخرى وأن الأمريكان إن احتلوا العراق سيرحلون ويأتي الوقت الذي يظهر هو فيه· هذا التفكير الذي كان سائدا لدى مؤسسة صدام قبل 13 عاما· كيف تطور؟ وكم تكريت بناها تحت الأرض خلال ذلك؟ وهل هذه الأحلام مازالت تراوده؟ لقد اكتشف حتى الآن بعض مخابئ الأموال وبعض مخابئ الأسلحة ولكن هذا ليس كل شيء بل إنه حتى الأثاث الذي فرغت منه القصور لم يكتشف!!
الناس في العراق قلقون لأن صدام لم يقبض عليه وجهازه الحزبي والاستخباراتي لم يمسهما شيء، وربما كانت هذه الحوادث التي تحدث في الفلوجة بإطلاق النار على الأمريكان من خلف مدنيين علامة على ذلك· ولن يعود الاستقرار للعراق ما لم تصف هذه القضية·
______________________________________________________________