
· أمريكا ضحّت بأبنائها وتريد تفعيل دور شركاتها
· العراقيون خبراء في النفط وسيكون لهم مركز تفاوضي جيد
· نظام الأوبك سيسمح للعراق بالخروج موقتا عن الحصص
· التعاطف الدولي مع العراق سيزول بسرعة ويجب استغلاله
· لا يملك العراق اليوم سياسة اقتصادية ولا بنكاً مركزياً والمساعدة الدولية مطلوبة
· يجب أن يكون للكويت رؤية واضحة لمسألة الديون والتعويضات
كتب مظفر عبدالله:
قال رئيس معهد التنمية الدولي والمستشار الاقتصادي للجنة المالية والاقتصادية بمجلس الأمة د· وليد السيف إن الولايات المتحدة الأمريكية لعبت دوراً كبيراً في تحرير العراق وبالتالي فهي تريد تفعيل دور الشركات الأمريكية لاستثمار الثروات النفطية في العراق وبشروط يجب أن تقبلها الحكومة العراقية، وأن على العراقيين وهم يملكون من الخبرات والكوادر الفنية العريقة أن يستفيدوا من الجو الدولي الذي يبدي اهتماماً بالملف العراقي كما حدث ذلك التعاطف مع البوسنة والهرسك، وهي فترة محدودة يجب إبراز المرونة الكافية للاستفادة منها وإلا فإن الدول ستنسى العراق وتلتفت لقضايا أخرى·
وحول مسألة الديون المترتبة على العراق والمناداة بإسقاط جزء منها قال “سيكون هناك تخفيض من بعض الدول لمديونيتها تجاه العراق، وفي المقابل ستعطي هذه الدول دور في إعادة الأعمار، كما أن ديون أخرى ستطالها عملية جدولة مع فوائدها· وحول مسألة تنازل دول الخليج عن ديونها قال “أعتقد أن هذا الموضوع سيكون ضمن القضايا التي تربط الدول ببعضها البعض، بمعنى أنه سيكون ضمن اتفاقات ثنائية بين حكومات تلك الدول والحكومة العراقية، كما سيتزامن ضخ مزيد من الأموال في السوق العراقي مع الحديث حول إغفال الديون السابقة، وما يهم في كل ذلك هو أن يكون هناك توجه لمعالجة الديون بما يساعد على إخراج العراق من الانهيار شبه الكلي، وذلك من دون ضغوط تفرض من دول على دول أخرى”·
وحول مستقبل سعر النفط بعد دخول العراق بحصته التي ستكون دون الـ 3 ملايين برميل يوميا بقليل قال “أعتقد أن الأسعار لن تصل الى الانخفاض المخيف خاصة إذا استمرت الحملة على الإرهاب التي تقودها واشنطن، كما أن افتقار المنطقة الى الاستقرار والحروب المتتالية بدءا من أفغانستان ثم العراق لن يجعل من النفط سلعة متدنية”·
وفيما يلي نص اللقاء:
· ما الوضع الذي تقف عليه الصناعة النفطية في العراق؟
- العراق زاخر بالثروة النفطية كما نعلم فهناك حقول الجنوب وأشهرها حقل الرميلة، وحقول الشمال وأشهرها كركوك، ومعظم الإنتاج يأتي من هاتين المنطقتين، ورأينا أن بعض آبار منطقة الرميلة تعرضت للحرائق في الحرب لكن تم إطفائها، أما الشمال فلم تتعرض لهذه المشاكل·
والآبار العراقية بوجه عام عانت من عدم قدرة الدولة على تحسين الإنتاج وعدم توافر قطع الغيار في أثناء فترة الحصار التي تلت تحرير الكويت، وقد حدث وأن تم الضغط على آبار النفط لإنتاج الطاقة القصوى وبالتالي أضر الاحتياطيات على الأمد البعيد، والإنتاج العراقي كما نعلم بعد تحرير الكويت انخفض بشكل كبير الى أن وصل الى 900 ألف برميل، ولكن مع قبول الحكومة العراقية السابقة للنفط مقابل الغذاء في عام 1996 بدأ الإنتاج يتطور ووصل الحال الى معدل مليونين و600 ألف، والحقيقة أن العراق قبل غزوه للكويت في عام 1990 كان ينتج 3 ملايين ونصف المليون برميل يوميا، وذلك بالتساوي مع حصة إيران في ذلك الوقت، لكن بعد الغزو والحصار الاقتصادي تلاشت هذه الكميات بشكل جذري·
والقطاع النفطي كمنظومة متكاملة مرتبط بمصافي التكرير ومعدات الإنتاج كلها تضررت وحتى الموانئ البحرية أصيبت بأعطاب كبيرة نتيجة الحرب العراقية الإيرانية، ولم تتمكن الحكومة العراقية بسبب الحظر الاقتصادي العودة الى إنتاج ما قبل حرب تحرير الكويت·
والدراسات العلمية تقول إن الطاقة الإنتاجية في العراق تصل الى مليونين و800 ألف برميل وهذه الكمية هي بطبيعة الحال تقديرية لأن بعض الآبار تضررت جراء الحرائق، ولكن العراق لديه احتياطي بحدود 112 مليار برميل وهي نسبة تمثل %11 من الاحتياطي العالمي وبدرجة ثانية بعد المملكة العربية السعودية، فعملية التعويض تخضع الآن لحركة الشركات العالمية المستثمرة والتي يمكن أن تحقق أرباحاً كبيرة للعراق وللشركات المستثمرة، فالتناحر الذي نشهده حاليا نحو مستقبل النفط العراقي يسير في هذا الاتجاه، فالشركات الروسية مهتمة في العراق وبعثوا وفوداً وحاولوا الدخول في عقود مع الحكومة العراقية لإنتاج 100 ألف برميل نفط في صحراء العراق الغربية ضمن شركة “رافدين فيلد”، وهناك عقد آخر لمنطقة الجنوب، كما دخلت شركات فرنسية مثل “توتال”، لكن لم يتم توقيع أي عقد بسبب قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالحظر الاقتصادي، لكن من ناحية التوقيع بالأحرف الأولى فقد تم ذلك، وهذا أساس مطالبة الروس والفرنسيين بأن تكون لهما حصة في مشاريع الإعمار·
· ما موقع هذه الشركات أمام الرغبة الأمريكية في السيطرة على مقاليد الأمور في العراق، وهي رغبة فرضتها إرادة المنتصر؟
- الولايات المتحدة لعبت دوراً كبيراً في تحرير العراق وبالتالي فهي تريد تفعيل دور الشركات التابعة لها لاستثمار النفط وبشروط يجب أن تقبلها الحكومة العراقية، لذا فمن الطبيعي أن تجد الأمريكان يتمسكون بحقهم في هضم الجزء الأكبر من الكعكة، لأنهم ببساطة خاطروا بأرواح مواطنيهم·
· وما دور العراقيين في مواجهة هذه الرغبة الأمريكية وحتى الأوروبية فيما يتعلق بموضوع شروط الاستثمار والإعمار؟
- أعتقد أن لدى العراقيين الخبرة والمركز التفاوضي الجيد والذي بنوه خلال عقود من الزمن مع الفرنسيين والبريطانيين وغيرهم في شأن الاستثمار النفطي والتنمية، ولدى العراق من الخبرات والكفاءات في هذه المجالات ما يجعلهم قادرين على فهم الموقف من هذا الملف·
وأعتقد أن العراق ليس ضعيفا أمام هذه الدول وبالتحديد فيما يخص موضوع النفط، وستحاول الحكومة الجديدة مضاعفة إنتاجها للوصول الى معدل إنتاج ما قبل غزو النظام السابق للكويت وهو 3,5 مليون برميل، وإن كان ذلك سيستغرق مدة زمنية تتراوح ما بين سنتين أو ثلاث وبمساعدة الشركات العالمية·
· كيف يمكننا التوفيق بين إعمار العراق بالسرعة الممكنة وبين ضرورة أن يلتزم بحصصه في الأوبك، وهل هذا الالتزام سيؤثر في قرارات المستثمرين الأجانب بحيث تكون أكثر حذرا وربما بطئاً مما يجب؟
- منظمة الأوبك منظمة تهدف الى مد الأسواق العالمية بسلعة النفط وبسعر مرض للجميع، فهي اهتمت بعملية الاستقرار بالنسبة للأسعار، والظرف الذي مر فيه الخليج منذ الحرب العراقية الإيرانية الى اليوم، بالنسبة إلى العراق وهو عضو مؤسس وليس عضواً عادياً في الأوبك - ونشأة الأوبك في بغداد عام 1960 كما نعلم - مر بظروف غير عادية، ومنظمة الأوبك تسمح للدول التي تواجه ظروفاً كالتي واجهها العراق أن تكون خارج نظام الحصص، فالكويت بعد التحرير ترك لها حرية الإنتاج خارج منظومة الحصص بسبب ظروف إعادة الإعمار، والعراق اليوم يمر بالظروف نفسها·
· ما تأثير هذا الاستثناء على أسعار سوق النفط؟
- هناك فترة من الزمن سيستغرقها إعادة تأهيل الآبار التي جرى إحراقها والأخرى التي لم تنل اهتماما على مر الزمن، ومجمل الآبار القادرة على الإنتاج اليوم في العراق يصل إنتاجها الى أكثر من 3,5 مليون برميل يوميا، ولا أعتقد أن هناك تأثيراً مباشراً لدخول العراق بحصة جديدة في هذه الحدود، وهناك دول سمح لها بضخ كميات من النفط فوق حصتها في أثناء حرب تحرير العراق مثل المملكة العربية السعودية والكويت وذلك لتحقيق الاستقرار في السعر·
لكن بالنسبة إلى الأمد الطويل فإن للعراق القدرة على أن يصل إنتاجه الى 3,5 مليون برميل يوميا، وسيحاول أن يرجع الى حصص ما قبل دخوله الحرب، وستكون هناك مفاوضات للوصول الى ذلك وستكون مفاوضات شاقة لأن أوضاع السوق ليست كما هي قبل 12 سنة أي منذ حرب تحرير الكويت، كما أن أوضاع الشركات تغيرت وكذلك ظروف الدول·
· ما الحل لمواجهة ذلك بالنسبة إلى العراقيين؟
- سيكون هناك تطورات كبيرة في العراق، فشركات الإعمار ستعمل على زيادة الاستهلاك المحلي للسلع وهذه الزيادة ستأخذ جزءاً من الإنتاج العراقي بالإضافة الى أن هناك نمواً اقتصادياً سيشهده العراق من خلال المصانع التي ستنشأ، وهذا الوضع سيؤدي الى استهلاك للطاقة داخليا، بمعنى أنه سيمتص من الداخل وأعتقد أن الأسعار لن تصل الى الانخفاض المخيف خاصة إذا استمرت الحملة على الإرهاب التي تقودها واشنطن، أضف الى ذلك افتقار المنطقة الى الاستقرار، فالحروب المتتالية من أفغانستان ثم العراق لن يجعل من سلعة النفط سلعة متدنية كقيمة سعرية·
والعراق اليوم لديه من المشاكل الكبيرة ومن أهمها افتقاده الى بنك مركزي فعال وبالتالي سياسة اقتصادية، ودخول صندوق النقد الدولي للمساعدة يحتاج إلى وقت·
عملية وضع سياسة اقتصادية جديدة بعيدة عن الطابع العسكري وقريبة من التنمية يحتاج إلى بناء من جديد يأخذ في الاعتبار السياسة المالية والمصرفية والنقدية·
لذلك فإن الإسراع في تأهيل القطاع النفطي هو الذي سيساعد في وضع السياسة الاقتصادية الجديدة لعراق تنموي مدني·
· وكيف يمكن التصرف مع الديون المتراكمة التي تصل الى 400 مليار دولار أو ربما أقل بقليل؟
- العراق ملتزم بالديون، وسقوط الحكومة لا يسقط ديونها فجزء منها تؤكده قرارات دولية، واتفاقيات بينية·
· هناك من ينادي بإسقاط هذه الديون من أجل تسهيل عملية الإعمار أو الدخول من بوابة أخرى لتحصيلها عبر عقود استثمار جديدة، ما رأيك؟
- الديون نوعان، نقدية، وأخرى على شكل خبرات وعقود وتبادل نوعي، وسيكون هناك تخفيض من بعض الدول لمديونيتها تجاه العراق، وفي المقابل ستعطى دوراً في إعادة الإعمار من خلال استبدال جزء من الديون بمشاريع داخل العراق·
وهناك ديون سيتم إعادة جدولتها، فالفوائد المستحقة كثير منها لم يدفع من قبل العراق حتى منذ قبل غزوه للكويت وسيتحمل العراق هذه الفوائد وأصول القروض ضمن الجدولة·
· هل من المفيد سياسيا للكويت وبعض دول الخليج كالسعودية والإمارات أن تبادر الى إسقاط ديونها عن العراق؟
- أعتقد أن هذا الموضوع سيكون ضمن القضايا التي تربط الدول ببعضها البعض، بمعنى أنه سيكون ضمن قرارات الحكومات الخاصة بها وفي تعاملها مع العراق وأعتقد أيضا، أن المشكلة ليست في إسقاط الديون بل في ضخ المزيد من الأموال في السوق العراقي للمساعدة في جهود الإعمار·
هناك نحو 60 مليار دولار ديون رسمية على العراق، لكن هناك ديون ناتجة عن حرب الخليج وتصل الى حدود 170 ملياراً وهي تشكل العبء الأكبر على العراق، وهي لها قرارات صادرة من الأمم المتحدة بضرورة الدفع على شكل تعويضات، وأعتقد أن دخول الأمم المتحدة كطرف أساسي في إعادة إعمار العراق سيكون له دور في التفاوض لإيجاد آلية تخفف أعباء الديون العراقية، لأن الاقتصاد العراقي لن ينمو في ظل المديونية الحالية عليه·
· ماذا سيكون التوجه مستقبلا حول ذلك؟
- التوجه هو معالجة الديون بما يساعد على إخراج العراق من الانهيار شبه الكلي الذي عانى منه طوال سنين مضت·
وأعتقد أن من المفيد أن يكون هذا التفهم دولياً وليس على دول بعينها، لكن الذي لا نقبله أن تأتينا ضغوط لإسقاط ديون وتعويضات الكويت، فنحن نحترم قرارات الشرعية الدولية، لكن الاستفراد والضغط مبدأ مرفوض·
وأعتقد بالنسبة إلينا ككويتيين أنه يجب أن نبدأ بتكوين رؤية حول هذه الديون، تدرس من قبل الحكومة والشعب لأننا سندعى قريبا الى موائد مستديرة واجتماعات دولية ورسمية تتطلب وضوحاً في الطرح وبالأرقام·
· ما انعكاسات استرجاع حصة العراق السابقة وهي 3,5 مليون برميل نفط يوميا بالنسبة إلى الدول المجاورة وخاصة الكويت؟
- ذكرت في حديثي أن جل المخصصات المالية الناتجة عن بيع النفط العراقي سابقا كانت تذهب للآلة العسكرية أما اليوم فسينعكس هذا الاتجاه الى الخط الإنتاجي بمعنى تشغيل قطاعات منتجة·
وبالنسبة إلى الكويت فسيكون هذا التوجه جيداً، فأولا العراق كان تاريخيا سوقاً كبيراً للكويت، أغلقت لظروف معروفة والآن تستعيد فتحها، لذلك فإن أي نمو اقتصادي في العراق سينعكس على الكويت، كما أن البنية الاقتصادية الكويتية ستسفيد من وتفيده·
وإذا نظرنا الى وضعنا الحالي، فإن الكويت تعيش انتعاشاً اقتصادياً، فمثلا مؤشر البورصة وللمرة الأولى يصل الى أعلى من 3000 نقطة وسبب ذلك الحديث عن الاستثمارات المرتقبة في العراق·
فكل الحروب التي جرت في المنطقة تضررنا منها مباشرة بسبب القرب الجغرافي، كما أن التنمية ستؤثر في وضعنا الاقتصادي وبالدرجة نفسها·
ودعني أقول أو أنصح العراقيين بشيء أعتقد أنه مهم وهو أن العالم اليوم لديه حالة شعورية واهتمام بالعراق، كما كانت عليه الحال بالاهتمام العالمي بالبوسنة والهرسك بعد انتهاء الحرب، وعلى العراقيين أن يستفيدوا من حالة الحماس الدولي للاستثمار لأن هذا الشعور سينجلي بعد فترة بسيطة وعليه فإن أصول التفاوض والتواصل مع الدول الأخرى يجب أن يتم في بيئة تتميز بالمرونة والقبول بالحد الأدنى للخلافات، وأعتقد أن العالم لن ينتظر العراق سنين طويلة من أجل بلورة رؤيته حول الإعمار وبناء الدولة التي لن تكون عملية سهلة·