رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 1 ربيع الأول 1424هـ - 3 مايو 2003
العدد 1575

خواطر حول محنة الأسير ومنحه التحرير!!

                                                    

                         

 

سليمــــــان الفهــــد

يمكننا القول الآن بعد مرور اثنتي عشرة سنة على وجود أسرى الكويت في سجون نظام صدام دون أن يحدث لمحنتهم أي انفراج، ودون أن تتقدم خطوة يتيمة صوب الحل، أقول يمكننا القول إن كل جهودنا الساعية الى إطلاق سراحهم فشلت تماما! وإن الإصرار على المضي في السير بالسبل نفسها والأساليب عبث، ومضيعة للوقت، وإهدار للمال العام، ورش الملح على جروح معاناة أهالي الأسرى والإمعان في تعذيبهم، وتحويل حياتهم اليومية الى شقاء لا يعرف شدة وطأته إلا من يكابده!

وها نحن نقترب من السنة الثالثة عشرة على غياب أسرى الكويت بينما محنة أسرهم تراوح في مكانها لا تريم!

أي نعم الكل “يتحرك” شرقا وغربا والجميع يدبج بيانات التنديد والتأييد بشأن قضية الأسرى، لكن القضية نفسها لم ينفعها التأييد أو التنديد! والبلية أن المحامين في هذه القضية كثيرون، ربما أكثر من الأسرى أنفسهم! وعلى الرغم من عدالة قضية أسرى الكويت، فإن المحامين فشلوا في أن يطلقوا سراح أسير واحد! وأخفقوا في معرفة مكان أسرهم وحالتهم الصحية، وغير ذلك من المعلومات الضرورية اللازمة لتطمين أهاليهم وتهدئة بالهم، لجان تسافر، ووفود تجوب العواصم، واجتماعات شكلية تعقد بين حين وآخر، وأناشيد وأوبريتات تغنى علينا - نحن معشر أهالي الأسرى - وبيانات طنانة تلعلع في نشرات الأخبار، وصور اجتماعات لا طائل منها سوى نشر الطلعات البهية لحضرات المجتمعين بين حين وآخر!

وحين قلنا وكتبنا - مرارا وتكرارا - بأن الطريق الذي تسير عليه اللجان ومن لف لفها “سكة سد” لن تؤدي الى طائل، ويومها ثارت حفيظة القوم وغضبوا، رغم أن فعلهم “طل” لا جدوى منه! من هنا اختار الكثير من الفعاليات الناشطة في قضية الأسرى الابتعاد عن المهاترات، والعمل بمنأى عن الأضواء والإعلام والكاميرات، بجهود ذاتية وموارد مالية شخصية، وكان يمكن للدبلوماسية الشعبية التي انتهجتها هذه الفعاليات أن تؤتي أكلها، وأن تضع قضية الأسرى في المسار المستقيم الذي قد يفضي الى نتائج إيجابية تختلف عن حالة المراوحة التي تكابدها قضية الأسرى قرابة ثلاث عشرة سنة! ولكن - وآه من لكن هذه - لسنا الآن بصدد الخوض فيما اكتنف محنة أسرى الكويت من عقبات ومعوقات وتخبط، وما خفي أنكى وأسوأ وألعن! فلم يحن الوقت بعد لوضع النقاط على الحروف، وكشف الخبايا والأسرار وما لف لفهما، فحين تنجلي القضية ويغلق ملف محنة أسرى الكويت بصفة نهائية أحسب أن من حق أهالي الأسرى والمفقودين وواجبهم معرفة الأسباب والمبررات والدوافع والمصالح والملابسات الخ·· التي أدت بالقضية الى أن تراوح في مكانها طيلة عقد ونيف!!!

وثمة كلمة أخيرة لا بد منها نوجهها الى ذلك النفر من “المواطنين” الذين اكتشفوا فجأة محنة الأسرى والمفقودين هذه الأيام بالذات فقط لا غير!

إن الجواب الجاهز - سلفا - يتجلى بأن ظروف العراق المحرر تستوجب فعل ومبادرة البحث عن الأسرى، وهذا كلام زين ولا يشوبه غبار المصالح السياسية و”طوز” الدعاية الإعلامية، ولا “شبهة” الرغبة في المنحة المالية المكرسة لمن يدلي بمعلومات مفيدة لقضية أسرى الكويت!!

لكن المؤسف أن توقيت “فزعة” هذا النفر من القول تعري سوءة مقاصدهم بصورة جلية!

وإذا كانت الأسباب التي تكمن وراء ما تعرضت له محنة أسرى الكويت مفهومة ومبررة من قبل طغاة نظام صدام، فلا أعرف حتى هذه الساعة الأسباب والمبررات الوطنية التي أفضت بمحنة أسرى الكويت الى أن تراوح في مكانها طوال هذه المدة الطويلة؟!

لقد دأبت الجهات المعنية بقضية أسرى الكويت - الحكومية والبرلمانية والشعبية على حد سواء - على وضع اللوم على كاهل نظام صدام المنحل، بدعوى أنه يماطل ويسوف لعدم إغلاق ملف القضية، لغرض يبيته سوف يعلنه في حينه، وقد اتكأت هذه الجهات الى هذه المقولات لتبرر مراوحة القضية في مكانها·

ومن جانب آخر حرصت هذه الجهات على إيهام أهالي الأسرى وأهل الكويت بأنها لا تكف عن الفعل والحركة من أجل قضية الأسرى، وراحت تغرق الصحف والمجلات ومحطات التلفزيون بصور أسفارهم، واجتماعاتهم البروتوكولية، وبياناتهم الإنشائية التي تجتر وتلوك المقولات نفسها وتلعلع طوال الاثني عشر عاما الماضية بمقولات ملها الناس من كثرة ترديدها في كل مناسبة وحين! حتى باتت من المحفوظات الممجوجة التي يستحيل أن تؤدي الى طائل بل الى “طل” كما يقول واقع الحال ليس إلا، إن ملف محنة أسرى الكويت طافح بالأخطاء والخطايا، ولذا لا يمكن أن يغلق الملف بالنتيجة التي ستكون عليها نهاية هذه المحنة، سلبا كانت أم إيجابا·

إن من حق الأسرى وذويهم المطالبة بتحقيق يكرس لمعرفة الأسباب والمعوقات والأخطاء والخطايا التي أدت الى استمرار محنة الأسرى كل هذه المدة الطويلة، وفشل الجهات المعنية في مهمتها المكرسة لتحرير الأسرى أو - على الأقل - معرفة مصيرهم·

ومن بداية نشوء محنة أسرى الكويت كان واضحا لكل ذي بصيرة أن الحكومة “الرشيدة” مصرة على الاستئثار بإدارة القضية لوحدها، وبمنأى عن مشاركة أي جهة كانت! ومن هنا حاربت بضراوة كل نشاط وطني شعبي تقوم به المؤسسات الأهلية غير الحكومية، ورفضت وجود جمعية لأهالي الأسرى والمفقودين، ولم تنسق أو تتعاون مع لجنة المرتهنين بمجلس الأمة ونظرت بعين الغضب للمبادرات الشعبية التي قام بها نفر وطني طيب لإيجاد مخرج يفضي الى وضع القضية على طريق الحل والفرج·

ومن هنا عمدت الحكومة بعد التحرير الى إنشاء اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى والمفقودين، بعد أن تظاهر الشعب مرات كثيرة مطالبا الحكومة بإيجاد السبل الكفيلة بإعادة أسرى الكويت الى ذويهم، وإزاء الضغط الشعبي قامت اللجنة الوطنية وكل أعضائها من الوزراء، لكن التشكيلة الأولى باللجنة وكلها من الوزراء كانت فضيحة، وكان وجودها لذر الرماد في العيون، فقد كانت تمر عليها الشهور من دون اجتماع واحد يعلن عن حضورها! وإزاء النقد الشديد الموجه إليها ألغتها الحكومة وأعادت تشكيلها بإضافة بعض أهالي الأسرى الى عضويتها لكن جوهرها ظل كما هو مجرد جهاز حكومي مترهل لا يهش ولا ينش·

إن أكثر ما يثير حفيظة الحكومة هو النشاط الوطني الشعبي المكرس لقضية أسرى الكويت، لظنها “آثمة بحق” أن الدبلوماسية الشعبية لا مجال لها في هذه القضية، على الرغم من أن السوابق التاريخية تدلل على نجاحها مع النظام العراقي ذاته، فكلنا يعرف أن كل المرتهنين الأجانب لدى النظام العراقي الصدامي قد أطلق سراحهم، إثر مبادرات فردية أو جماعية ذات طابع إنساني غير رسمي ولا حكومي، ولو استعدنا صور الشخصيات العامة الأجنبية التي توسطت من أجل إطلاق سراح الرهائن الأجانب لوجدنا أنها جميعها ذات ثقل سياسي وفكري وحتى رياضي ولكنها لا تحمل أي صفة رسمية·

من ناحية أخرى فقد كانت الدبلوماسية الشعبية لهؤلاء النشطاء تتكئ على الاتصال بأقطاب نظام صدام نفسه، ولا تضيع وقتها في استصدار بيانات التنديد والتأييد من الحكومات والأنظمة والأحزاب المؤيدة لحقنا العادل والمعادية لنظام صدام·

لقد كتب الأخ أحمد النفيسي بمجلة “الطليعة” بتاريخ 26/4/2003 الافتتاحية الموسومة بـ “الكويت في مواجهة الكارثة” وكانت - بحق - جامعة مانعة، كما يقول “المناطقة”، لكونها وضعت النقاط على الحروف التي أفضت الى تعرية سوءة الحكومة والبرلمان والسلطة - بعامة - وسوء سياستهم تجاه قضية أسرى الكويت·

لكننا - يا أبا بدر - في زمن رديء، وفي بلد كما المخطوف، لذا لم تعد الكلمة الصادقة الجريئة الطالعة من حنايا القلب تؤثر في القيمين، ولا تحرك فيهم ساكنا!

بل أخشى القول إن المناخ الذي يسود الديرة يشي بأنه لم يعد فيها “من يخاف ويخشى” ربما لغياب وتغييب المساءلة، ولعل هذا المناخ يفسر المراوحة الأزلية التي تراوح فيها محنة أسرى الكويت أزيد من اثني عشر عاما·

إن العبد لله كاتب ينتمي الى جيل عجوز “شايب” ألف أن يسمع من جده وأبيه مقولة “الشيوخ أبخص” وعلى حق ولا أظن أن هذه المقولة صاغها الوجدان الجمعي الشعبي في ساعة نفاق لا سمح الله، بل أحسب وأجزم بأنها نحتت وصيغت وشاعت دلالة على حكمة وفعل “الشيوخ” ورجاحة تفكيرهم و”سياستهم”، ومن هنا كنت أتمنى بصدق لو أن “الشيوخ أبخص” تجاه محنة أسرى الكويت كما هو شأنهم ودأبهم في غابر الأيام في القضايا الجسام التي مرت بالوطن وإذا شئت - يا أبا بدر - الزيادة في مساحة التمني - في السياق نفسه - فقد كنت أتمنى أن ذلك النفر الطيب من المواطنين “الفداوية” مخطئون “وليسوا أبخص من الشيوخ” حين اختاروا الدبلوماسية الشعبية سبيلا لمعالجة قضية أسرى الكويت! لكن - وآخ من لكن هذه - ها هي الأيام تثبت - للعامة والخاصة - أن ذلك النفر الطيب المشار إليه آنفا على حق، ولو قيض له السير في جادة الدبلوماسية الشعبية، لما وصلت القضية الى أن تسكن في “السكة السد” لا تريم!

وعلى الرغم من أنني أتفق معك في كل ما ذهبت إليه في مقالتك التي نحن الآن بصددها، فإنني أود أن أسألك، وأنت تتحدث عن مسؤولية السلطة تجاه أسرى الكويت: عن أي سلطة تتحدث؟ أهي السلطة الخضراء - أم السلطة اليونانية - أم سلطة سيزار وسلطة نيسنواز وسلطة التبولة وغيرها من السلطات الكثيرة؟!! بعبارة أخرى أقول: هل ثمة سلطة حقا، وهل هناك نظام؟!

أعرف - سلفا - أن مثل هذه التساؤلات حمقاء، ولكن عذري أني جاهل مكعب بالسياسة “شفهي وتحريري”، نظريا واحترافا! من هنا أطلب الفتوى لاسيما أن “سوق حراج” الفتاوى هذه الأيام مشرع لكل من هب ودب!

والعبد لله: يريد - مثل غيره من أهالي وذوي الأسرى - أن يعرف “سياسة” الحكومة والسلطة تجاه قضية أسرى الكويت إن كان هناك ثمة سياسة، وثمة حكومة؟!

بعد التحرير بسنة: حظيت مع ثلة من أهالي الأسرى بلقاء سمو الأمير الوالد حفظه الله، ولأن العبد لله رئيس السن وسط هذه المجموعة، اخترت لأتحدث باسم الأهالي، وكانت الكلمة تتمحور حول الجهود والسياسات والآليات التي يجب أن توضع وتصاغ لحل قضية الأسرى، وأحسبني لا أذيع سرا حين أقول إن سموه قد تبنى “كل” المطالب الواردة في كلمة وخطاب الأهالي، وقد تعمدت وضع مفردة “كل” بين قوسين للأمانة التاريخية، لأن سموه قال: سيروا على بركة الله وكل ما تبغوه حاضر وينفذ في التو والحين، ولكن يا أولادي أستحلفكم بالمولى الكريم بألا تجعلوا طريقكم الذي ستسيرون عليه ليوصلكم الى أسرى الكويت سببا في أن “يرغم” دولة الكويت على إعادة علاقتها مع نظام صدام حسين، وهذا كان تحفظ سموه الوحيد!

من هنا تعمدت وضع مفردة “كل” السالف ذكرها بين قوسين، إن مقولة سمو الأمير الوالد “لن يهدأ لنا بال إلا بعودة آخر أسير الى أهله وذويه” تسكن وجدان أهالي الأسرى والمفقودين بل كل أهالي الكويت وسكانها، وما دام الأمر كذلك فقد كان يفترض أن تتحول مقولة صاحب السمو الى فعل وممارسة، وسياسة عملية تدب على الأرض، ويتمخض عنها نتائج إيجابية كفيلة بإغلاق ملف أسرى الكويت الى الأبد·

وللأسف عاملت الحكومة “الرشيدة”، والبرلمان “الراشد” هو الآخر، المقولة سالفة الذكر كشعار يطرز القاعات والصالات، ويعلق على الجدران فقط لا غير! إن واقع الحال لدى الحكومة والمجلس على حد سواء ينسحب عليه هتاف السيدة فيروز “ما في حدا لا تندهي” نقول ذلك مع الاعتذار الشديد للست أم زياد بطبيعة الحال، وأرجو أن يسمح لي الأخ “أحمد النفيسي” في أن أختلف معه فيما ذهب إليه بشأن اهتمام “الحلفاء” بأسراهم ومفقوديهم ورفات موتاهم، فهم لا تثريب عليهم أو لوم، إذا كانوا لم يخولوا في البحث عن أسرى الكويت، ربما لأن هذه المهمة ليست داخلة في “مقاولة” تحرير الكويت! ومن ناحية أخرى فإذا ساعد الحلفاء في البحث عن أسرى الكويت فقد يتسببون في قطع رزق كل المنتفعين من محنة الأسرى، والمنتفعين من منحة “تحرير” العراق! والحلفاء يؤمنون بأن قطع الأرزاق - أشد إيلاما وضررا - من قطع الأعناق، كما يقال!

الشاهد: أن محنة أسرى الكويت في سبيلها الى الفصل الختامي منها “بالصدفة” التي ذكرها “أبو بدر” في مقالته ساخرا متندرا متهكما، وشر البلية “في هذه الصدفة ما يضحك”! لكنه ضحك كالبكاء بحق·

إن الماراثون الوطني الذي أقيم للحصول على سبق العثور على أسرى الكويت، حري بالإشادة والتنويه، لكن نتمنى على القيمين الغيورين على هذه المحنة الوطنية العربية الإنسانية ألا يبيعوها مشاعة بين أيدي الهواة، وطلاب الجوائز، ومن لف لفهما، فلا بد أن يتولى مهمة البحث حفنة من المحترفين الكويتيين والعراقيين والأجانب، لأن الأسرى ليسوا “كمة وفقع وترفاس”!!·

______________________________________________________________

طباعة  

محمد الصباح في 6/6 اليوم
 
تـأبين الصرعاوي·· الاثنين