الطليعة”: النجف - كربلاء - بغداد:
كان مشهدا مهيبا زحف تلك الجموع الشعبية المؤمنة من النجف ومناطق جنوب العراق وبغداد الى كربلاء وللمرة الأولى منذ عقود تنفس فيها أبناء الشيعة الصعداء وهم يمارسون شعائرهم الدينية بحرية· كانت المشاركة تعبيرا عن الإيمان العميق بقدر ما كانت تأكيدا على حق الإنسان الفطري الأصيل بممارسة معتقداته بحرية تلك التي حرمهم منها نظام طاغية العراق· ومع مرور الوقت بدأ العراق يتماسك والأمن يعود شيئا فشيئا· كان هذا واضحا في بغداد وواضحا في العتبات المقدسة وبدأ الناس يبحثون عن مفقوديهم ومعتقليهم وحال الشيوخ والعجائز يبحثون عن فلذات أكبادهم يتقصون على الأرض والسراديب العميقة ويسمعون أصواتا لا يصلون إليها أو أوهام أصوات· وبدأت بعض أوراق الاستخبارات وسجلاتهم التي لم يستطيعوا تدميرها تظهر·· وفي النجف نشرت الحوزة العلمية قائمة تضم 411 اسما أعدمتهم استخبارات الطـــاغية بعـــد أن التقــطتــهم من منازلهم ومن الشوارع واختفت آثارهم، أحد المواطنين وجد اسم عمه وأبنائه السبعة وزوجتيه ممن تم إعدامهم بعد أن وشى بالأب واشٍ لأنه رآه يصلي في مسجد العباس في أثناء الانتفاضة التي أعقبت تحرير الكويت·· وتتوالى القصص التي توعد بأن تمطرنا وتبهرنا لزمن آت طويل·
لكن أبرز ما ظهر في أربعينية الشهيد الحسين وفي أوج إحيائها هو التزاحم بين الأحزاب السياسية الدينية لاصطياد اهتمام وولاء الجمهور المتدين لتياراتهم والتنافس في إظهار العداء لأمريكا من جهة والتطرف في الطرح الديني بالدعوة لقيام دولة إسلامية من العراق وبينما اعتبر بعض المسؤولين الأمريكان هذه التظاهرات جزءا من التعبير عن الحرية التي جاءت بإسقاط نظام طاغية بغداد بدبابات أمريكية، بدأ يتشكل رأي عام في المجتمع العراقي يرفض التطرف ويرفض تسلط المتطرفين على المجتمع ويدعو الى قيام سلطة وطنية ديمقراطية يمارس الجميع فيها حرياتهم الدينية والفكرية والسياسية والشخصية·
في كربلاء كان هناك تنظيمان أساسيان يتزاحمان على الفوز بالتمثيل الأقوى هما مجلس الثورة الإسلامية بقيادة محمد باقر الحكيم وحزب الدعوة، بينما يحاول جماعة مقتدى الصدر أن يجدوا لهم موقعا بعد أن صب عليهم غضب العشائر والحوزة الشيعية إثر قتلهم السيد الخوئي الذي وصل حديثا من الخارج وأحد السادة ممن اعتبروهم من أتباع صدام، ثم أطلقوا التهديدات للمرجع الشيعي الأعلى في النجف “آية الله العظمى” السيد السيستاني·
وتجمع كل المصادر أن الجماعات التي تصطف وراء مقتدى الصدر (22 عاما) غير معروف أصولها· وما اقترفوه يعتبر “هتكا لقدسية الحرم العلوي” وأن ما قاموا به من تقطيع وتمثيل وسحل للجثث يخرج عن ممارسة من يرتدي عمائم السادة· لكن جماعة الصدر ظهرت في بغداد أيضا واحتلت مواقع ومستشفيات وتنفق أموالا طائلة في مساعدة الناس!! يقولون في النجف إن القوتين الأساسيتين مجلس الثورة والدعوة يتنافسان الآن على تأييد السيد السيستاني وأن من يحظى بهذا التأييد سيحظى بتأييد قطاعات مهمة من المدنيين والعشائر· ولكن السيد السيستاني لا يفصح عمن يؤيد ويتحفظ · ويقول بيان صدر عن مركز الارتباط التابع له في لندن “إن المرجعية العليا لا تريد لنفسها أي سلطة في العراق ولا هي تسعى لذلك مطلقا”· وخصوصا أن السيد السيستاني ليس من أصل عراقي ولا يريد أن يحسب متدخلا في ذلك، ولذلك فتصرفه شديد الحذر·
وبينما يعلن البيان الصادر عن مكتب الارتباط في أول بند في موقفه رفضه أي سلطة أجنبية تحكم العراق، يقول المقربون منه إن السيد السيستاني لا يقصد أن يغادر الأمريكان العراق الآن فإن في ذلك دمارا شاملا ودعوة للمجازر وربما الحروب الأهلية وأنه يعتقد مثلما أوضح البند السادس من البيان بتحميل قوات التحالف المسؤولية الكاملة عن الأمر وتشغيل البنى التحتية وحفظ المساجد والمتاحف والمكتبات الى أن يستتب الأمر وتنتقل السلطة الى حكومة عراقية وطنية وبأسرع وقت ممكن·
أما شكل السلطة الوطنية المقبل فلقد أوضح البيان أن السيد السيستاني لن يتدخل في شكل السلطة التي يرتضيها العراقيون لحكم بلدهم مؤكدا على أن العراق بلد مسلم يتخذ من مبادئ الإسلام وقوانينه وقيمه وأخلاقه منهجا قويما وسلوكا وطريق حياة·
لكن المصادر المقربة من المرجعية العليا التي تستشف فكرها ولا تدعي التعبير عنها تقول: إن السيستاني يرفض التعامل مع أحمد جلبي بما عليه من أحكام جنائية وما يمثله من مواقف سياسية متعاطفة مع إسرائيل·
______________________________________________________________