|
بقـلم: أحمـــد النفيـــسي
“إن مخطط قوات التحالف والحكومة للبحث عن أسرانا هو أن يعثروا عليهم بالصدفة”
عصر الأربعاء الماضي، وأمام فندق شيراتون فجر أهالي الأسرى في تظاهرة صغيرة غضبا كبيرا وآلاما ظلت تحتقن في الوجدان الكويتي على مدى 12 عاما· فبعد أسبوعين من سقوط الدكتاتور وتحرير بغداد ظل الصمت المطبق المشوب بالريبة يلف مصير مئات من أبناء الكويت الذين أمسك الطاغية بقضيتهم بنفسه وأخفاهم في أقبيته الشيطانية، وبدأت تلوح في سماء الكويت كارثة مأساوية كبرى يكتنفها تقصير كبير·
لقد تبدد الوهم بأن قوات التحالف ستبحث عن أسرانا في سجون الطاغية وأنها ستطلق سراحهم ليعودوا إلينا سالمين، واكتشفنا أن القضية ليست على جدول أعمال أحد، أو أن حكومتنا قد أعدت أي خطة جادة على مستوى أهمية القضية لتكون مطلبنا الأساسي الوحيد الذي يدمج في مخطط القوات المتحالفة، بعد أن فتحنا لهم أرضنا وسماءنا وإمكاناتنا وتحملنا ما تحملنا من ثمن سياسي باهظ مساهمة في تحرير الشعب العراقي وإسقاط الطاغية·
اكتشفنا أن على جدول مهام قوات التحالف كان البحث عن الأسرى الأمريكان فقط وهم سبعة فحرروهم، والبحث عن القتلى الأمريكان فوجودهم وعن رفات الطيارين الذين أسقطت طائراتهم فعثروا حتى على دليل على وجود طيار أسقطت طائرته عام 1991· وعلى الجدول كان البحث عن 55 شخصا من قادة النظام الصدامي البائد رتبوهم على ورق “الجنجفة” فأخذوا يقبضون عليهم واحدا تلو الآخر·· أما أسرانا فلهم الله، لا أحد يبحث عنهم أو يصرف حدا أدنى من الجهد يرتقي الى مسؤولية هذه القضية الموجعة والتي يغور جرحها عميقا في الجسد الكويتي، وكأن المخطط لدى قوات التحالف ولدى حكومتنا سامحها الله، أن نعثر عليهم بالمصادفة!! فهل من المعقول أن يلقى عبء البحث عن أسرانا على حفنة من رجال الأمن (إن وجدوا!!) يلحقون بذيل قوات التحالف في آخر لحظة ويعاملون كمتطفلين؟! هل يتصور أحد يمتلك حدا أدنى من الحرص والمسؤولية أن يتمكن فريق واحد ومن دون أي إمكانات حقيقية، يعتمد على تسقط الأخبار من الإذاعات والإشاعات، أن يتمكن من مسح سجون وأقبية العراق من زاخو الى أم قصر، وفي هذه الظروف؟! ألم يكن الأمر يستحق تجهيز عشرين فريقا مدعوما بالمجسات والخبرات الفنية الأجنبية ومئة مليون دولار من المليارات المهدرة ودمجهم أو بعضهم بالقوات البريطانية والأمريكية التي كانت تتجحفل في وطننا على مدى شهور مثلما دمجوا الصحافة الأجنبية في جيوشهم؟!
ألم يكن من أبسط المنطق أن تكون قضية البحث عن أسرانا قد رُتبت وبشكل عملي وبدعم مادي مع القوى الوطنية العراقية، مع الأكراد في الشمال ومع المرجعيات الشيعية في الجنوب ومع الشخصيات والأحزاب السياسية بجميع أطيافها في المؤتمر الوطني العراقي لتوضع هذه القضية على جدول أعمال تحرير العراق؟!
لقد اكتشف الناس فجأة أن قضية أسرانا في العراق بلا راع أو مسؤول، وعندما اشتد قلق أهالي الأسرى اكتشفوا أن اللجنة الوطنية للأسرى التي قضت سنوات تجتر القضية وتسوح الأرض على حسابهم بطائرات خاصة تصل حتى كاتمندوا عاصمة النيبال وتتسوق بالمواسم، اكتشفوا أنها تنشغل الآن في تحويل ملفات الأسرى الى ملفات متوفين· لم تبحث عن أحد ولم تبعث أحدا يبحث عنهم· أما اللجنة المختصة بالأسرى في مجلس الأمة والتي طاشت تصريحات بعض أعضائها الى درجة الإضرار بالأسرى فإنها تنشغل الآن ويا للأسف بتحضير مراسم الاحتفالات باستقبالهم الذي يتصادف، (ولحسن الحظ)، مع موسم الحملات الانتخابية·
إننا لا نحمّل هذا التقصير الكارثي هذه اللجان التي نرثي لها ونرثي لحالنا معها، كما لا نحمّله مجلس الوزراء فهذه التركيبة لا يجب أن نرتقي بها الى درجة تحميلها هذه المسؤولية الضخمة، لكننا نحمل السلطة كامل المسؤولية· هم من حجّم الدور الشعبي في التعامل مع قضية الأسرى بحملة ضارية عليه من قبل أقطاب نافذين وإجراءات قسرية، هم من جير قضية الأسرى للتلميع والاستغلال السياسي، وهم من أدخلها ضمن صراعاتهم الطاحنة على السلطة يفشل الواحد منهم عمل الآخر، وهم الذين خلقوا حكومات عقيمة متعاقبة ليس بمقدورها أن تضع رؤية وتفصل لها برنامجا وتفرض أولويات·
وهكذا أصبح مصير قضية الأسرى مصير كل الأشياء الأخرى في العمل الحكومي في الكويت، فشلا يعقب فشلا وخيبات تتلو خيبات·
اللهم احم أسرانا وارحمهم وأنقذهم وأرجعهم إلينا سالمين·
______________________________________________________________ |