رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 23 صفر 1424هـ - 26 أبريل 2003
العدد 1574

ما تفعله الولايات المتحدة في العالم يشكل ازدراء للديمقراطية والقانون الدولي
الحرب على العراق “بروفة” لحروب “وقائية” مقبلة

                          

 

·    لم يعد بوسع أمريكا شـن حروب طويلة كما حدث في فيتنام لهذا تختار الضعفاء

·   الحرب الراهنة ترسي قواعد جديدة في العلاقات الدولية تقوم على الحرب الوقائية

·  الحوادث تكشف عن عنصرية عميقة “للآخر” في الثقافة الغربية

·  الحرب على العراق تشجع دول العالم على امتلاك أسلحة الردع النووية

·  من في إدارة بوش هم أنفسهم الذين كانوا يقولون إن الجيش النيكاراغوي سيغزو الولايات المتحدة أيام ريغان

·   نجح الإعلام الأمريكي في إقناع الناس بأن صدام له علاقة بأحداث 11 سبتمبر

·    بوش سيخترع عدوا خارجيا لفرض الأجندة الأمنية على انتخابات 2004

 

شن المفكر والناشط السياسي وعالم اللغويات الأمريكي البارز نعوم تشومسكي هجوما مريرا على سياسة إدارة بوش ووصف الحرب على العراق بأنها إجرامية وتمثل ازدراء للديمقراطية وانتهاكا للقانون الدولي، وقال إن العالم أصبح اليوم يخشى الولايات المتحدة ويعتبرها الخطر الأكبر على السلم والأمن الدوليين·

واعتبر في مقابلة أجراها معه على مدى ساعة في· كي· راماشاندران من “فرونتلاين” الهندية، اعتبر هذه الحرب بمثابة “بروفة” لحروب مقبلة ضد دول أخرى كإيران ومقدمة لإرساء قواعد جديدة في العلاقات الدولية تقوم على أساس عقيدة “الحرب الوقائية”·

ويرى تشومسكي البروفيسور في معهد ماساتيوشيتس للتنكولوجيا في ذلك أنه جزء من عنصرية عميقة في الثقافة الغربية تجاه “الآخر” تعود الى قرون من الامبريالية، وأنها بلغت حدا تجذرت فيه في اللاوعي الغربي، ويقول إن من اللافت في هذه الحرب على العراق أن الولايات المتحدة فشلت في إجبار معظم حكومات العالم على الرضوخ لمواقفها لأن هذه الحكومات اختارت أن تنسجم مع مواقف الرأي العام الرافض للحرب في بلدانها·

واتهم تشومسكي إدارة بوش بإطلاق حملة تضليل ودعاية إعلامية لكسب تأييد الشعب الأمريكي والرأي العام العالمي للحرب على العراق واستخدمت في ذلك أجهزة إعلام مقززة مثل “سي· إن· إن”·

ويعتقد تشومسكي أن أخطر ما في الأمر أن دول العالم ستقارن بين كوريا الشمالية والعراق، وهو ما ينطوي على رسالة خطيرة مفادها أن الدول الضعيفة تظل معرضة للعدوان الأمريكي، في حين أن الدول التي تمتلك الرادع النووي ستنجو من هذا العدوان·

وينبه هذا المفكر البارز الى أن إدارة بوش تعتمد السياسة ذاتها التي تعتمد على التخويف من خطر خارجي، والتي انتهجتها إدارة رونالد ريغان في الثمانينات حين أقنعت الأمريكيين بوجود خطر وشيك من نيكاراغوا وكوبا، وذلك لتبرير شن حروب خارجية، وتوقع تشومسكي أن “يخترع” بوش عدوا خارجيا كي يضع الهاجس الأمني على قمة أجندة الحملة الانتخابية عام 2004، لأنه سيمنى بهزيمة ساحقة إذا خاض الانتخابات على أساس أجندة محلية·

وحذر من أن إدارة بوش ستقوم بتنصيب حكومة موالية لها في بغداد وتطلق عليها أنها ديمقراطية، لا لشيء إلا لأنها تأتمر بأوامر واشنطن، ومن ثم ستتجاهل مشاكل العراق وتستكمل بحثها عن عدو آخر·

وعبر تشومسكي الذي يعتبر مؤسس علم اللغويات الحديث، عن اعتقاده بأن الحكومة الأمريكية سوف تبحث عن أعداء ضعفاء كي تحقق نصرا سريعا وحاسما، لأنها تدرك عدم قدرتها على الاستمرار في أي حرب لفترة طويلة كما حدث في فيتنام، لأن المعارضة للحرب سوف تتنامى يوما بعد يوم في أوساط الرأي العام الأمريكي وما يلي مقتطفات من تلك المقابلة:

 

· هل يمثل العدوان الراهن على العراق استمرارا لسياسة الولايات المتحدة الخارجية خلال السنوات الأخيرة أم أنها مرحلة نوعية جديدة في هذه السياسة؟

- إنها تشكل مرحلة جديدة تماما، وهذه السياسة ليست دون سوابق، لكنها - مع ذلك - ذات مغزى جديد وخطير، ويجب أن ينظر إليها باعتبارها “بروفة” (لتحركات أمريكية مقبلة)، فهم ينظرون الى العراق باعتباره هدفا سهلا وعاجزا تماما عن الدفاع عن نفسه، وأن المجتمع سوف ينهار وأن الجنود سوف يستسلمون وسوف تبسط الولايات المتحدة سيطرتها (على العراق) وسوف تقيم نظاما وفقا لمشيئتها وسوف تنشىء قواعد عسكرية فيه، ومن ثم سيتحرك الأمريكيون نحو الأهداف الأصعب، وقد تكون إيران الهدف التالي، أو ربما بلدان أخرى·

أما التجربة أو “البروفة” التي تحاول الولايات المتحدة القيام بها، فهي إرساء ما تسميه واشنطن “قواعد جديدة” في العلاقات الدولية، وتتلخص هذه القواعد بـ “الحرب الوقائية” (لاحظ أن الولايات المتحدة تنفرد بوضع هذه القواعد)، وهكذا، فحين غزت الهند باكستان الشرقية، على سبيل المثال، لإنهاء المجازر المروعة، لم تؤسس قواعد جديدة للتدخل الإنساني، لأن الهند ليست الدولة المناسبة للقيام بذلك فضلا عن أن الولايات المتحدة عارضت ذلك التحرك الهندي بشدة آنذاك·

هذه ليست حربا استباقية، فثمة فارق حاسم، فالحرب الاستباقية لها معنى محدد، فهي تعني - على سبيل المثال - أنه إذا كانت هناك طائرات تحلق عبر الأطلسي في طريقها لقصف أهداف داخل الولايات المتحدة، فإنه من حق الأمريكيين عندئذ، إسقاط هذه الطائرات حتى قبل أن تقصف، بل ويجوز لها مهاجمة القواعد التي انطلقت منها هذه الطائرات، فالحرب الاستباقية هي رد على هجوم قائم أو وشيك·

 

قواعد جديدة

ولكن عقيدة الحرب الوقائية مختلفة تماما، فهي تعني أن الولايات المتحدة - وحدها - لها الحق (لأن أحدا لا يمتلك مثل هذا الحق) لمهاجمة أي دولة تزعم (الولايات المتحدة) أنها قد تشكل تحديا لها، أي أنه إذا ما ادعت الولايات المتحدة - ولأي سبب كان - أن أحدا قد يشكل خطرا عليها في وقت ما، فإن من حقها مهاجمته·

لقد أعلن عن مبدأ الضربة الوقائية صراحة في “تقرير الاستراتيجية القومية” في شهر سبتمبر الماضي، مما أثار الذعر في العالم، بما في ذلك المؤسسة الأمريكية حيث المعارضة للحرب فيها عالية على غير العادة، وفي الواقع، فإن ما قاله “تقرير الاستراتيجية القومية” هو أن الولايات المتحدة سوف تحكم العالم بالقوة، وهذا هو البعد الوحيد الذي هي فيه عظمى، وبالإضافة الى ذلك، فإن الولايات المتحدة ستفعل ذلك لأجل غير مسمى، لأنه إذا برز أي تحد محتمل للهيمنة الأمريكية، فسوف تبادر الولايات المتحدة الى تدميره قبل أن يصبح تحديا·

والحرب في العراق تشكل التجربة الأولى لهذه العقيدة، وإذا نجحت وفق هذه الشروط - وهو الأمر المرجح - لأن الهدف (أي العراق) عاجز عن الدفاع عن نفسه، فسوف يبدأ المحامون والمثقفون الغربيون وغيرهم، بالحديث عن قواعد جديدة في العلاقات الدولية، ولعله من المهم أن تؤسس مثل هذه القواعد إذا كنت تتوقع أن تحكم العالم بالقوة في المستقبل المنظور·

وهناك سوابق لمثل هذه الحالة، ولكنها غير عادية على الإطلاق، ودعوني أستذكر سابقة واحدة، فقط لأوضح مدى ضيقها، ففي عام 1963، ألقى دين اشيسون السياسي المرموق ومستشار الرئيس كندي خطابا مهما أمام “الجمعية الأمريكية للقانون الدولي” برر فيه الهجمات الأمريكية على كوبا، لقد كان الهجوم على كوبا في عهد إدارة كندي إرهابا دوليا على نطاق واسع فضلا عن كونه حربا اقتصادية·

وكان التوقيت مثيرا للاهتمام، حيث جاء عقب “أزمة الصواريخ” الكوبية مباشرة وحين كان العالم يوشك أن يشهد حربا نووية، فقد قال اشيسون في خطابه “أن لا قضية قانونية تنشأ من جراء قيام الولايات المتحدة بالرد على أي تحديات لموقعها أو هيبتها أو سلطتها”··· أو أنه قال ما يشبه ذلك·

فهذه العبارة تصلح أيضا لعقيدة بوش، وعلى الرغم من أن اشيسون كان شخصية مهمة، إلا أن ما قاله لم يكن سياسة حكومية رسمية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أما الآن، فهي سياسة رسمية وهذا هو أول تطبيق لها، لقد قصدوا منها أن تكون سابقة للمرحلة المقبلة·

ويتم تأسيس مثل هذه “القواعد” حين تفعل قوة غربية شيئا، وليس حين يفعل الآخرون مثل هذا الشيء، وهذا جزء من العنصرية العميقة في الثقافة الغربية التي تعود الى قرون من الامبريالية، وتبلغ درجة من العمق أنها سكنت في اللاوعي الغربي·

ولذلك، فإنني أعتقد أن هذه الحرب تمثل خطوة أولى مهمة، وقصد لها أن تكون كذلك·

 

·         هل هي أيضا مرحلة جديدة لم تتمكن الولايات المتحدة من ضم آخرين معها؟

 

حالة دراماتيكية

- هذا ليس بالأمر الجديد، ففي حالة حرب فيتنام - مثلا - لم تحاول الولايات المتحدة حتى كسب تأييد دولي، ومع ذلك، فأنت محق في أن ذلك ليس بالأمر العادي، فهذه حالة اندفعت فيها الولايات المتحدة، لأسباب سياسية، لمحاولة إجبار العالم على القبول بموقفها لكنها لم تفلح، وهو الأمر غير العادي تماما، ففي العادة يرضخ العالم للإرادة الأمريكية·

 

·   إذن، هل يمثل ذلك “فشلا دبلوماسيا” أو إعادة تعريف للدبلوماسية نفسها·

- لا أسمي ذلك دبلوماسية على الإطلاق، إنه الفشل في إجبار الآخرين (على تبني الموقف الأمريكي)·

ولمقارنة ذلك بما حدث في حرب الخليج عام 1991، أجبرت الولايات المتحدة مجلس الأمن على القبول بموقفها على الرغم من أن معظم دول العالم كانت تعارض الحرب، والدولة الوحيدة في مجلس الأمن التي عارضت الولايات المتحدة هي اليمن وقد عوقبت بشدة لموقفها ذاك، وكذلك انضم الناتو الى الحملة·

ففي أي نظام قانوني تأخذه على مآخذ الجد، تعتبر المواقف التي يتم إملاؤها بالإكراه، لاغية، ولكن في ظل علاقات دولية يهيمن عليها الأقوياء، فإن المواقف المملاة، مقبولة ويطلق عليها وصف “دبلوماسية”·

إن ما يثير الاهتمام في هذه الحالة أن عملية الإجبار لم تنجح، فقد كانت هناك دول - وفي الواقع، معظم الدول - ظلت متمسكة بمواقفها المنسجمة مع موقف الغالبية العظمى من مواطنيها الرافض للحرب·

وربما كانت الحالة الأكثر دراماتيكية هي تركيا، هذه الدولة القابلة للتأثر بالعقوبات والإغراءات الأمريكية، ومع ذلك، فإن الحكومة التركية الجديدة - وبشكل أعتقد أنه فاجأ الجميع - تمسكت بالموقف المعلن لأكثر من 90 في المئة من الشعب التركي، وقد نددت الولايات المتحدة - بمرارة - بهذا الموقف التركي، تماما كما نددت بالموقفين الفرنسي والألماني المنسجم مع مواقف الغالبية العظمى من الشعبين، أما الدول التي تثني عليها واشنطن كإيطاليا وإسبانبا فهي التي وافق قادتها على تلقي الأوامر من جورج بوش على الرغم من معارضة 90 في المئة من شعوبها لهذه الحرب·

وهذه خطوة أخرى جديدة، فلا يمكنني التفكير في حالة أخرى حدث فيها مثل هذا الحجم من الكراهية والازدراء للديمقراطية بصورة علنية، ليس فقط من قبل الحكومة، بل من قبل معلقين ليبراليين وغيرهم، فهناك اليوم أدبيات كاملة تحاول أن تشرح لماذا تحاول فرنسا وألمانيا أو ما أطلق عليها “أوروبا القديمة” وتركيا وغيرها، إضعاف الولايات المتحدة، وليس من المتصور بالنسبة إلى المحللين أن هذه الدول تفعل ذلك لأنها تأخذ الديمقراطية على محمل الجد وأنها تعتقد أنه حين تتخذ الغالبية العظمى من شعب ما، موقفا معينا، فإنه يتعين على الحكومة أن تتبعه·

 

تهديد وشيك

إن ما فعلته الولايات المتحدة يمثل ازدراء للديمقراطية، تماما كما أن ما حدث في الأمم المتحدة مثّل ازدراء كاملا للنظام الدولي، وفي الواقع، هناك الآن دعوات - من صحيفة وول ستريت جورنال وشخصيات في الحكومة وآخرين - لحل الأمم المتحدة·

لقد أصبحت المخاوف من الولايات المتحدة غير عادية في شتى أنحاء العالم، وقد بلغت هذه المخاوف درجة أن تناقش في وسائل الإعلام الرئيسية، فالموضوع الرئيسي الذي تصدر العدد الجديد من مجلة “نيوزويك” هو لماذا أصبح العالم يخشى الولايات المتحدة، وتصدر الموضوع ذاته صحيفة “واشنطن بوست” قبل أسابيع عدة·

وبالطبع، فإن ذلك يعتبر خطأ العالم، أي أن هناك شيئا ما خطأ في هذا العالم وعلينا التعامل معه، والاعتراف به أيضا·

 

·  فكرة أن العراق يمثل أي شكل من أشكال التهديد الواضح والراهن، لا أساس لها من الصحة بالطبع·

- لا أحد يعير اهتماما لهذا الاتهام سوى الشعب في الولايات المتحدة، وهذا أمر جدير بالاهتمام·

ففي الأشهر القليلة الماضية، حققت الدعاية الإعلامية للحكومة الأمريكية إنجازا منقطع النظير، انعكس بشكل واضح في استطلاعات الرأي، أما استطلاعات الرأي العالمية فتظهر أن التأييد للحرب في الولايات المتحدة أعلى منه في أي دولة أخرى·

ولكن ذلك مضلل، لأنك إذا نظرت الى الأمور عن قرب لوجدت أيضا أن الولايات المتحدة مختلفة أيضا، في مجال آخر، عن بقية دول العالم، فمنذ شهر سبتمبر 2002، والولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي يعتقد 60 في المئة من شعبها أن العراق يمثل تهديدا وشيكا، وهو الأمر الذي لا يعتقده الشعب حتى في الكويت أو إيران·

وبالإضافة الى ذلك، يعتقد نحو 50 في المئة من الشعب الأمريكي أن العراق مسؤول عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، لقد حدث ذلك منذ سبتمبر 2002، في حين كانت النسبة لا تتجاوز 3 في المئة بعد هجمات 11 سبتمبر مباشرة، فقد تمكنت الدعاية الإعلامية من رفع النسبة الى 50 في المئة، والآن، إذا صدق الشعب الأمريكي حقا أن العراق نفذ هجمات إرهابية كبرى ضد الولايات المتحدة وأنه يخطط لعمل ذلك ثانية، فإنه سوف يؤيد الحرب·

 

سياسة التخويف

هذا ما حدث، فكما قلت بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2002، حين بدأت الحملة الإعلامية الحكومية وحين بدأت حملة الانتخابات النصفية للكونغرس، لقد كانت إدارة بوش ستسحق في تلك الانتخابات لو أن القضايا الاجتماعية والاقتصادية كانت في الواجهة، ولكن الإدارة نجحت في إبعاد هذه القضايا عن الحملة الانتخابية ووضعت القضايا الأمنية في المقدمة والشعوب عادة ما تنضوي تحت مظلة السلطة·

بهذه الطريقة تماما كانت الولايات المتحدة تحكم في الثمانينات، وتذّكر أن أركان إدارة بوش هم تقريبا أنفسهم الذين شكلوا فريق إدارة رونالد ريغن وجورج بوش (الأب)، وطوال الثمانينات، نفذوا سياسات محلية كانت ضارة للشعب الأمريكي، وتلقى المعارضة من الشعب كما تظهر استطلاعات الرأي المتتالية، ولكنهما حافظا على السلطة من خلال تخويف الشعب الأمريكي، من خلال الزعم أن الجيش النيكاراغوي لا يبعد سوى مسافة يومين عن تكساس وأنه يوشك على احتلال الولايات المتحدة، وأن الروس سوف يستخدمون القاعدة الجوية في غرينادا لقصف المدن الأمريكية، وكانت الإدارة تثير مخاوف الشعب الأمريكي من خطر خارجي في كل مرة وسنة تلو أخرى جميعها تثير الضحك من سخافتها، لقد أعلنت إدارة ريغن حالة الطوارئ عام 1985 بسبب الخطر الأمني الذي تمثله حكومة نيكاراغوا على الولايات المتحدة·

ولو كان المرء يراقب المشهد من على سطح المريخ لما عرف ما إذا كان عليه أن يضحك أو يبكي، إنهم يفعلون الشيء ذاته الآن، وربما يفعلون شيئا مشابها على أعتاب انتخابات الرئاسة عام 2004·

ويتعين عليهم إيجاد تنين آخر ينبغي ذبحه، لأن الإدارة إذا تركت للقضايا الداخلية أن تتسيد أجندة الحملات الانتخابية، فسوف تواجه متاعب عميقة·

 

درس بشع

·   لقد كتبت أن هذه الحرب العدوانية ستكون لها عواقب خطيرة على صعيد الإرهاب الدولي وخطر اندلاع حرب نووية؟

- لا يمكنني ادعاء السبق في إبداء وجهة النظر هذه، إنني - في ذلك - أنقل عن “سي· آي· إيه” وأجهزة استخبارات أخرى، وفي الواقع، كل المختصين في الشؤون الدولية والإرهاب، ومجلات مثل “فورني افيرز” و”فورين بوليسي”، إضافة الى دراسة أعدتها الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم ولجنة “هارت دودمان” ذات المستوى العالي حول التهديد الإرهابي الذي تتعرض له الولايات المتحدة، كلها تتفق أن من المحتمل أن تزيد هذه الحرب من خطر الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل·

السبب بسيط، وهو - في جزء منه - رغبة في الانتقام ولكن الجزء الآخر منه دفاع عن النفس·

إذ ليس هناك سبيل آخر لكي تحمي الدول نفسها من هجوم أمريكي، وفي الواقع، تعرض الولايات المتحدة قضيتها بوضوح، وتلقن العالم درسا غاية في البشاعة·

ولنقارن الوضع بين كوريا الشمالية والعراق، فالعراق دولة ضعيفة وعاجزة عن الدفاع عن نفسها، بل إنها في الواقع، أضعف الأنظمة في المنطقة، وبينما يحكم العراق دكتاتور رهيب، إلا أنها لا تشكل تهديدا لأحد، وفي المقابل، تشكل كوريا الشمالية خطرا حقيقيا·

ومع ذلك، لم تتعرض للهجوم لسبب بسيط هو أنها تمتلك الأسلحة الرادعة، فقد صوبت نيران مدفعيتها نحو سيؤول، وإذا ما أقدمت الولايات المتحدة على مهاجمتها، فسوف تكون قادرة على محو جزء كبير من كوريا الجنوبية عن الخريطة·

إذن، فالولايات المتحدة تقول لدول العالم: إذا كنتم عاجزون عن الدفاع عن أنفسكم فسوف نهاجمكم وقتما نشاء، ولكن إذا كنتم تمتلكون الردع فسوف نتراجع، لأننا لا نهاجم سوى الأهداف العاجزة، بكلمات أخرى، إنها تقول للدول إنه كان من الأفضل لها أن تطور شبكة إرهابية وأسلحة الدمار الشامل أو أي وسيلة ردع أخرى، وإلا فإنها ستكون معرضة لشن “حرب وقائية” عليها·

ولهذا السبب فقط، من المحتمل أن تقود هذه الحرب الى انتشار الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل·

 

حملة محمومة

·  كيف تعامل الإعلام مع هذه الحملة الدعائية؟

- إنها تحتفي بها وانظر الى شبكة “سي· إن· إن” مثلا، أنها مقززة، ويحدث الشيء نفسه في كل مكان، وهذا أمر متوقع في زمن الحرب، فالإعلام مفتون بالسلطة·

والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو ما حدث في أثناء الحشود التي سبقت الحرب، والحقيقة أن الدعاية الإعلامية للحكومة الأمريكية كانت قادرة على إقناع الناس أن العراق يمثل خطرا وشيكا وأنه المسؤول عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهذا إنجاز منقطع النظير تحقق لها خلال أربعة أشهر فقط، ولو سألت رجال الإعلام حول ذلك لقالوا لك “حسنا لم نقل ذلك أبدا”، وهذا صحيح، وهم لم يقولوا ذلك، ولم يصرح أحد إن العراق ينوي غزو الولايات المتحدة أو أنه وراء هجمات 11 سبتمبر، بل تم التلميح الى ذلك بطريقة غير مباشرة المرة تلو الأخرى، الى أن صدق المواطن الأمريكي ذلك·

 

·  هل كسبت الإ دارة الأمريكية التأكيد لسياساتها بالنظر إلى المعارضة للحرب والدعاية المحمومة رغم تهميشها للأمم المتحدة؟

- لا يمكن لأحد أن يعرف ما الذي سيحدث، فالأمم المتحدة في وضع خطير جدا، وقد تعمل الولايات المتحدة على تفكيك المنظمة الدولية، أنا شخصيا لا أتوقع ذلك، ولكنها على الأقل ستضعف دورها كثيرا لأنها إذا لم ترضخ الأمم المتحدة للأوامر فما الفائدة منها؟

 

عامل الخوف

·   نعوم، لقد شهدت حركات مقاومة للامبريالية على مدى فترة طويلة في فيتنام وأمريكا الوسطى وحرب الخليج الأولى، ما انطباعاتك إزاء طبيعة وقوة وعمق المقاومة الحالية للعدوان الأمريكي؟ فالمشاعر المناهضة لها تجتاح معظم أنحاء العالم·

- آه، هذا صحيح، وهذا الوضع ليس كأي وضع آخر، فالمعارضة “للحرب” ضخمة وغير مسبوقة في شتى أنحاء العالم، وينطبق الشيء ذاته على الساحة الأمريكية الداخلية، لقد شاركت قبل أيام في مظاهرة في وسط مدينة بوسطن، وهذه ليست للمرة الأولى التي أتظاهر هناك، لقد كانت المرة الأولى التي شاركت فيها في مظاهرة هناك في شهر أكتوبر 1965، أي بعد أربع سنوات من بدء القصف الأمريكي على فيتنام الجنوبية، لقد دمر نصف فيتنام الجنوبية وامتدت الحرب الى فيتنام الشمالية، ولم نستطع حينئذ أن نتظاهر لأننا تعرضنا للهجوم من قبل أناس معظمهم من الطلبة وبتأييد من الصحف ومحطات الإذاعة الليبرالية التي كانت تندد بالذين تجرؤوا للاحتجاج على حرب أمريكية·

وبهذه المناسبة، لا بد أن نذكر أن الساحة الأمريكية شهدت احتجاجات واسعة قبل بدء الحرب “على العراق” وفي يوم انطلاقتها، ودون أن تكون هناك احتجاجات مضادة، وهذا فارق جوهري (بين ما كان يحدث أيام فيتنام وما حدث الآن)، ولولا عامل الخوف الذي سبق أن ذكرته، لشهدنا معارضة أوسع بكثير للحرب، فالحكومة “الأمريكية” تدرك أنه ليس بوسعها الاستمرار لوقت طويل في العدوان والتدمير كما حدث في فيتنام، لأن الشعب الأمريكي لن يطيق صبرا إزاء ذلك·

والآن، هناك طريقة واحدة لخوض الحروب، قبل كل شيء، اختيار عدو ضعيف وعاجز عن الدفاع عن نفسه، ومن ثم تضخيمه في الدعاية الإعلامية وتصوير أنه على وشك أن يشن عدوانا أو أنه يمثل خطرا وشيكا، ومن ثم، فإن الولايات المتحدة بحاجة الى نصر باهر، لقد تسربت وثيقة مهمة من إدارة بوش “الأب” عام 1989 تصف كيف تخوض الولايات المتحدة الحرب، وجاء فيها أن على الولايات المتحدة أن تقاتل أعداء ضعفاء وأن النصر يجب أن يكون سريعا وحاسما، لأن التأييد الشعبي يخبو بسرعة، فالوضع لم يعد كما كان في الستينات، حين كان بوسع الإدارات الأمريكية خوض الحرب لسنوات من دون معارضة على الإطلاق·

ببساطة، لقد جعل نشطاء الستينات والأعوام التي تلتها الكثير من العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، أكثر تحضرا في نواح كثيرة·

طباعة