رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 23 صفر 1424هـ - 26 أبريل 2003
العدد 1574

كتابة

                                                      

 

رحـلــة الـحــــج (7)

ليلى العثمان

حتى وأنت تؤدي مناسك الحج وتتساوى مع كل البشر، تظل تختلف عنهم بعاداتك، وحين تكون عادات جميلة فأنت أبدا لا تتخلى عنها، لذلك حملت معي عادة التأمل التي أمارسها باستمرار في حياتي اليومية وفي الأسفار، فأنت في أسفارك تبحث عن كل جديد، ويجذبك كل ما هو غريب، كما أن الطبيعة تهديك روائعها فتظل تتأمل إبداع الله في هذا الكون·

إن التأمل يجعلك تحلّق بعيدا متحررا من بشاعات وتعاسات الحياة، يغمرك سلام داخلي عجيب، ثم إنه - إن كنت قاصا، أو شاعرا أو روائيا - سيضيف لإلهامك، يوحي لك بأفكار جديدة، إنه يجدد نشاط العقل ويفرز بعض ما تخبأ فيه ونام عليه من غبار الأيام والسنوات المقلقة·

لهذا مارست عادتي في التأمل هناك، في الفترات التي أقضيها قبل أو بعد أداء المناسك وأنا في سريري اللصيق بالشباك المطل على الشارع، وبمواجهتي جبال مكة التي رغم لونها الداكن وقفرها من أي نبات أو شجر، فإنها في تشكيلاتها ونتوءات صخورها وبرؤوسها المسننة لا تخلو من جمال خاص، وحين تلونها ظلال الغيوم العابرة، أو حين تصبغها شمس الغروب بلونها الأرجواني، تبعث في نفسك رهبة ويسري إليك ما يشبه الحزن الشفاف يصل ربما حد البكاء·

 

تأملات أخرى

ليست الطبيعة وحدها، فتأمل البشر وأحوالهم جزء من التأمل، وقد جاؤوا من كل فج عميق، اختلاف القامات، الألوان وتعابير الوجوه، وجوه أضناها الزمن وأثقلها بنوائبه فحفرت التجاعيد قنواتها المتعرجة عليها، وجوه نساء حملن تاريخا من الآلام والانكفاءات لمقاديرهن، حزينة، منشدهة أو منشرحة إيمانا أو رضاء بقدر الله عليهن، حتى الوجوه القبيحة أو الغريبة ذات التشوهات، كلها تثير لديك فضولا لتأملها واستدراج زمنها وتخيل حكاياتها·

وقد اصطدت مئات الوجوه التي تصلح لأن تكون أبطالا لقصص أو روايات، وقد يتصور البعض - من ذوي النوايا السىئة - أنني التهيت عن حجتي أو أفسدتها بهذا التأمل أو - الفرجة - لكنني كنت أجد الوقت، بعد الطواف أو السعي، أجلس على الأرض الرخامية، أتأمل الكعبة التي تضيف على أنوارها المشعة نورها الخاص، وتأمل البشر مصلين أو طائفين أو جالسين مثلي للراحة أو ربما للتأمل·

كان أجمل منظر حين أطل من الدور الثالث وأتابع أمواج البشر في طوافهم، أمواج ليست كأمواج البحر ذات اللون الواحد، إنه مهرجان ألوان يدهشك ويؤكد أن كل شعوب العالم رغم فروقاتها حاضرة في المكان·

 

حجاج شرق آسيا

أكثر ما يلفت النظر ويثير الإعجاب هم حجاج دول شرق آسيا: ماليزيا، تايلاند، الصين والفلبين· كل اختار لونا خاصا، ووضع إشارة معينة تحمل اسم بلاده - ما شاء الله عليهم - غاية في الأناقة والترتيب والنظافة، يطوفون بهدوء وسلام ويرددون الأذكار والأدعية بخشوع وأصوات ناعمة، ويا ليت حملاتنا تسن هذا القانون ويصبح لكل حملة لونها الخاص، وقد رأيت إحدى حملات مملكة البحرين في زيهم الموحد - الأصفر - وعلى رؤوسهم “طاقيات” صفراء تحمل اسم بلدهم واسم الحملة·

 

رأس ليلى

أصبح “لرأسي” حكاية طريفة، ففي البوفيه الذي تقدمه الحملة لابد من وجود رأس الخروف فوق صينية - المكبوس -، من اليوم الأول وقفت أتأمل الرأس وأشتهي أن “أفصفصه” وآكل لحمه، والأهم آكل - المخ - لكنني لا أستطيع فهو يحتاج إلى تكسير، في اليوم الثالث قلت “لأبي عبدالرحمن” أنتم تصنعون لنا الرأس فرجة ولا نستفيد منه، قال: “النساء قلن لزوجتي لا نريد الرأس”، فشهقت: بل نريده، قال: هل أنت جادة، قلت: طبعا، قال: أبشري يا بنت عبدالله غدا يأتيك الرأس مكسورا وعليك بالعافية·

في اليوم التالي لم يأت على الغذاء، وفي الساعة الرابعة نودي اسمي فأرسلت ابنتي إلى الاستقبال لترى ما الحكاية، فجاءت وهي تحمل صينية - الرأس - هل هذا وقته؟ وأنا لا آكل بين الوجبات، أعدناه، في الليل تعشينا، وبعد ساعتين كان هناك من يطرق باب غرفتنا وإذا بصينية عليها - رأسان - وطبعا أعدناهما، في الغذاء اللاحق وقبل أن نبدأ كان صوت إحدى الإداريات تسأل عبر الهاتف: وين راس ليلى العثمان؟ لكن الرأس تأخر، كثر الله خيره، وطبعا أعدنا الصينية دون لمسها، استمرت الحال هكذا، وين رأس ليلى، رجع الرأس، وعدت من رحلة الحج دون أن آكل نتفة من أي رأس·

 

الوداع

تنتهي حجتك بانتهاء مناسكها وآخرها طواف الوداع، البعض يودع بالدموع والبعض بالوعد أن يعود مرة أخرى، ورغم مشقة الرحلة إلا أنها تريحك من ترف الحياة اليومية، تغسل روحك، تنقي وجدانك وتقربك من الله، تغادر وقد تركت دعواتك المخلصة أمانة عند خالقك متمنيا أن يقبلها ويغفر لك ذنوبك كبيرها وصغيرها·

ولابد في النهاية أن أقدم شكري ورضاي لابني د· عماد منصور الذي تحمل نفقات الحج لي ولكل إخوته مصرا على ذلك، ولم أكن أطلب من ربي هناك في كل المناسك غير أن يبارك بأولادي، يؤلف قلوبهم ويثبت إيمانهم، ويثبتهم على البر بالأم التي كرمها الله وجعل الجنة تحت أقدامها·

كما لابد أن أشكر حملة “····” رئيسها وإدارييها الذين هيؤوا لنا وسائل الراحة وأكرمونا “بالبوفيهات”، التي أتمنى أن يتفق كل أصحاب الحملات على إلغائها واستبدالها بالوجبات السريعة·

ظل سؤالان يلاحقاني من نساء الحملة: هل ستحجين مرة ثانية؟ فأقول: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، هو فرض لمرة واحدة، أما العمرة فأظنني سأكررها، فقد اعتمرت مرتين قبل ذلك·

أما السؤال الثاني الذي طاردني: هل ستواصلين ارتداء الحجاب؟ الزميلة في جريدة الهدف - أم الخير - التي كان وجودها معنا خيرا وبركة، حين سألتها ابنتي هذا السؤال ردت عليها: إذا تحجبت أمك سأتحجب، ويبدو أن أم الخير ستنتظر طويلا·

laila_alothman@hotmail.com

طباعة  

رسالة
 
محاضرة
 
تذكرة ذهاب
 
وتــد
 
المرصد الثقافي