الحيرة واليقين في مخيلة مواطن عراقي
مرة أخرى نقف أمام حمى البيانات التي أصابت المثقفين العرب في الآونة الأخيرة، وبالطبع فقد أصبحت (قضية فلسطين) قضية قديمة حقاً بالنسبة إلى هؤلاء المثقفين فأداروا أفواههم وأقلامهم للقضية الأحدث، وهي قضية العراق!
حرب بيانات قادها المثقفون العرب، وبجدارة يحسدون عليها، كان العراقيون يملكون فقط أن يتفرجوا عليها، فهم من وجهة نظر أصحاب تلك البيانات يقفون في خندقين لا ثالث لهما: عملاء للأجنبي أو خدم في حاشية النظام·· أما إذا تجرأ أصحاب القضية ذاتها وأصدروا بيانا يدعو سبب الخراب الأول الى واقعية الخيار بترك العراق وشأنه اتهموا من جديد بعمالتهم للأجنبي، لا بل للأمريكي تحديدا···
مناسبة هذا الحديث هو ما نشرته جريدة “السفير” البيروتية في الآونة الأخيرة تحت عنوان: بيان من مثقفين عرب وغير عرب ضد الحرب على العراق·· ولعمري إنها يافطة ملائمة كثيرا لكي يعبّر الكثير من المحسوبين على الثقافة العربية عن موقفهم السابق المعلن أيضا من نظام صدام حسين·· فلقد وقع على هذا البيان، والذي دعت إليه كما يبدو مجلة الآداب البيروتية، أسماء لا رابط بينها حقا، فهنالك مثلا المعارض الأردني المعروف جدا ليث شبيلات جنبا الى جنب مع الروائي الشهير عبدالرحمن منيف·· وهناك أيضا حياة الحويك عطية وموسى حوامدة وجمال الغيطاني موقعين على البيان ذاته الذي وقعه فيصل دراج ونزيه أبو عفش وحيدر حيدر···· وقائمة المتناقضات هنا تطول بالنسبة إلى الأسماء الموقعة على هذا البيان التاريخي، الوثيقة، ولكن ينقصها حقا أسماء مهمة مثل عضو مجلس الشعب المصري السيد عماد السعيد الجلدة والممثلة المعروفة رغدة والسيد معن بشور والكاتبة حميدة نعنع والسيد محمد المسفر فهم أولى بالبيان من بعض الموقعين عليه لأسباب ليست خافية على اللبيب··
سأعترف أولاً بأنني صغير بالسن والتجربة الى الحد الذي يمنعني من فهم ما يفهمه الموقعون على هذا البيان ورؤية ما رأوه، حصيلتي سنوات طويلة من ثقافة حزب البعث العربي الاشتراكي التي فرضت عليّ حيث وُلدت وقد كان الحزب قد استلم نظام الحكم في العراق، وعشت سنواتي تلك دون أن أسمع رأياً غير رأي الحزب ولم أرَ صورة غير صورة القائد، وكنت في بغداد أرى دائما الكثير من الذين وقعوا على هذا البيان ضيوفاً في فنادق العراق الراقية ضيوفاً على الحكومة العراقية يصرّحون لصحفها وتلفزيونها بجد واجتهاد وهم يكيلون المديح الثر لقيادتها التي أعرفها جيدا، فلقد تربيت عليها، وقد قلت ذلك! وما إن تنفست الهواء النقي، سمّه هواء الحرية إذا شئت، خارج وطني حتى استطعت أن أفهم وأتفهم الكثير من أسباب تلك الزيارات المستمرة بإصرار كبير·· ثم تبصّرت في حشود المثقفين العراقيين الضخمة التي تعيش في المنائي والمنافي، بعضهم امتدت به سنوات النفي والنأي حتى شارفت ثلث قرن مضى (ياه··· ثلث قرن بلا وطن! يا لهم من مجانين!) وأقول تبصرت في أحوال هذه النخبة العراقية المحرومة من فخامة الاستقبال في فندق المنصور ميليا والرشيد والشيراتون·· محرومون من حظوة اللقاء بالسيد الرئيس ومكارمه السخية، والتي وصلت كما هو معلوم إلى كوبونات النفط العراقية، محرومون من الكتابة في الجريدة التي كنت أعمل فيها، جريدة القادسية، وغلاظة رئيس تحريرها الذي صار رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين (لعلكم تتذكرون أنه كرسي الجواهري أيضاً)·· محرومون من الكثير من النعم التي عاشها ويعيشها المثقفون العرب···
وأعود إلى بيان “السفير” حيث يقرر الموقعون عليه بقطعية ثابتة ونهائية أن غايات الولايات المتحدة الأمريكية من حربها الحالية هي: (وضع اليد الأمريكية على النفط العراقي، العبث بمستقبل العراق ووحدته الوطنية والجغرافية، ودعم تصورات إسرائيلية تجدد المأساة الفلسطينية التي لا تنتهي) وبصراحة فأنا، على قلة حيلتي، وجدت في هذه الأسباب أضعف من أن تضحي أمريكا وبريطانيا وأستراليا بأبنائها من أجل تحقيقها خاصة إذا ما علمنا: إن النفط العراقي هو أرخص نفط العالم بالنسبة إلى أمريكا، بل إن القيادة العراقية كررت في مناسبات كثيرة استعدادها للتفاوض مع الأمريكان بشأنه واللبيب يفهم أن القيادة العراقية كانت مستعدة إلى ما قبل الحرب بدقائق أن تمنح هذا النفط بلا مقابل سوى تجنب الحرب التي تتقصد إزاحتها من على كرسي الحكم···· ناهيك عن أن العراقيين طيلة العقود الماضية كانوا يكفرون بالنفط الذي أوصلهم إلى أن يكونوا أفقر شعوب الأرض قاطبة·· أما مستقبل العراق ووحدته الوطنية فلعل المثقفين العرب نسوا، أو بالأحرى تناسوا حقيقة أن الوطن العراقي قد تعرّض لأعنف تهديد من قبل النظام بدليل: الحياة في كردستان العراقية الخارجة عن سلطة بغداد منذ أكثر من عقد كامل من السنوات، ثم التغيير الجغرافي والديموغرافي الذي لحق بمناطق واسعة من العراق استناداً إلى حكمة القيادة العراقية الشهيرة في مناطق الأهوار على سبيل المثال، ثم هجرة الملايين من العراقيين غير المسبوقة ناهيك عن روح العداء التي استحكمت في عقول العراقيين تجاه كل ما يمت بصلة لحزب البعث ومبادئ القومية العربية التي استخدمها النظام لتبرير غزواته العدوانية وحملات قمعه المنظم··· وأخيراً فالمضحك المبكي هو ما ساقه المثقفون العرب حول دعم التصورات الإسرائيلية، وكأن الأمريكان وحلفاءهم لا ينقصهم غير تغيير نظام الحكم العراقي لدعم التصورات الإسرائيلية، يا للعجب···· فقد أصبح النظام العراقي اليوم يهدد التصورات الإسرائيلية في الوقت الذي يجد العراقيون في هذا النظام داعماً لتلك التصورات بشكل فعال··· ولا عجب في ذلك ما دام الأشقاء الفلسطينيون يصرون جهاراً على الهتاف لصدام في الأراضي المحتلة: (بالروح بالدم نفديك يا صدام) بل إن قيادات فلسطينية كثيرة طالبت العراقيين بتنفيذ عمليات انتحارية دفاعاً عن النظام·
هذه هي غايات الحرب على نظام صدام التي دارت رحاها في أرض العراق من وجهة نظر المثقفين العرب·· والتي وجدت نفسي أمامها حائراً: الحيرة من هذا الشقيق الذي لا يعنيه من محنتي غير شعار غدا قديماً وبدا كاذباً لجهة الموت الذي أعيشه ويعيشه أبناء جلدتي يومياً في العراق وعلى مدى عقود طويلة·· والحيرة من كون المثقف العربي يريد أن يبدو أكثر تفهماً مني، أنا ابن هذه الأرض، بتاريخها وجغرافيتها، بهمومها وآلامها·· والحيرة من كون هذا المثقف يريد أن ينسيني عنوة مظاهر احتفائه بحارس البوابة الشرقية·· والحيرة من كون هذا المثقف لا يريد فقط أن ينسيني مواقفه الثابتة في الدفاع عن الجلاد الذي أذاقني ويلات لا يمكن عدها أو حصرها، بل يناورني بالقول إنه ضد تدميري المقبل من قبل الأمريكان وحلفائهم·· إنه يحيرني عندما ينعتني بالعمالة وأنا الذي يبكي كلما ذكر اسم العراق أمامي، يحيرني أيضاً موقفه الواضح من رفاق الكلمة، الأشقاء كما يسميهم، ليس الذين قضوا في معتقلات التعذيب الرهيبة، بل أولئك المحرومون من وطنهم فلا يسمعون من المثقف العربي غير تهم التخوين والعمالة·· يحيرني أمر المثقف العربي، أنا العراقي الذي ما عرفت في حياتي غير قيادة واحدة في العراق هي قيادة صدام حسين وما شاهدت صورة غير صورته وما ذقت عذاباً إلا عذابه وما سمعت بقسوة إلا قسوته وما نلت أذى إلا أذاه وما بكيت بحرقة إلا بسببه··
أخيراً، طال الزمن أو قصر، فالعراقيون سينالون حريتهم المفتقدة·· عند ذاك فقط ستذهب حيرتي ويحل محلها اليقين الصافي·· اليقين الذي لن يصله أبداً منظرو الدم والطغيان··
عبدالخالق كيطان
(عن السفير)
______________________________________________________________