ناصر كارماني *
بعيدا عن العوطف مهما كان محركها بداية من القضية الفلسطينية العادلة وأفكار القومية العربية الآفلة وتنامي الأفكار الإسلامية المتطرفة والحقد الطبقي البغيض تجاه دول الخليج الغنية بالنفط والغاز ونهاية بمحركات الإعلام الغوغائي لأغلب وسائل الإعلام العربية، فبقراءة سريعة للأحداث المتسارعة في هذه الحرب المجنونة لإسقاط النظام العراقي في بغداد يلاحظ المدقق بحذر ثلاثة عوامل مهمة ومتداخلة هي بالترتيب: أسباب الحرب، آثار الحرب ونتائج حرب “تحرير العراق” كما يسميها الأمريكان·
بالنسبة إلى الأسباب يمكن الجزم بأن تبني الأمريكان إسقاط النظام العراقي المزعج للمنطقة العربية والعالم برئاسة الرئيس صدام حسين بحجة امتلاك العراق أسلحة محظورة وتهديد الأمن العالمي وتشجيع الإرهاب هي من نتائج التغيير الجذري في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر المدمرة لأبراج مركز التجارة العالمي في نيويورك والهيبة الأمريكية، هذه الصفعة أثابت الأمريكان لنتائج أخطائهم وممارسات سياساتهم المنفعية في التعامل مع شعوب العالم، فبدؤوا بطرح السؤال “لماذا يكرهنا العالم؟!” فأجابوا عن هذا السؤال بشن حملة متخبطة إعلامية لتجميل وجه الكاوبوي الأمريكي بوسائلهم الإعلامية الجبارة من إذاعة وتلفزيون وسينما وصحافة وذلك من أجل تشجيع التبادل الحضاري السلمي ونزعات الديمقراطية وتأسيس أنظمة المجتمع المدني لدى الشعوب التي تفتقرها، ومن ناحية أخرى شنوا حملة عسكرية متخبطة أكثر لتجميل خارطة العالم بتغيير الأنظمة التي تؤوي أي تهديد محتمل أو أكيد للنظام العالمي الجديد، فأفغانستان ودحر بن لادن ومنظمته خير مثال على ذلك إلى أن جاء دور العراق والدور سوف يأتي على بقية دول محور الشر ومن يدور في فلكهم، فتغيير النظام الحاكم في العراق بالنسبة إلى آثار الحرب الجارية واضحة جدا، أولا تدمير العراق بغير رغبة الأمريكان بسبب تعثر “تحريرها” بسرعة حيث أتت رياح عدم اقتناع الشعب العراقي المقهور بالثورة على نظامه الذي يكتم أنفاسه بغير ما تشتهي السفن الأمريكية والأسباب معروفة وهو عدم الثقة بالأجنبي والخوف من تكرار تجربة ثورتهم عام 1991، ثانيا انكشاف ضعف وهزالة استراتيجيات وتوقعات المعارضة العراقية على اختلاف فصائلها وذلك بسبب تعددها وتشتتها· ثالثا تأجج الشارع العربي بعكس رغبة الحكومات العربية التي تعلن النظام العراقي ليل نهار سرا كلما طالت هذه الحرب، رابعا اتساع الشق بين حلفاء أمريكا سواء من الأنظمة العربية أو الأصدقاء والأعداء الأوروبيين وهو أثر يخص أمريكا بسبب أخطاء سياساتها الخارجية وهذه هي النتيجة، فتوتر العلاقات مع المملكة العربية السعودية وتركيا وفرنسا وألمانيا وأكثر من نصف دول العالم خير دليل، أما النتائج فهي في عالم الغيب بانتظار المفاجآت ولكن الاحتمال الخطير هو تقسيم العراق كنتيجة لتعثر “تحريرها” كما ترغب أمريكا·
ربما تطول الحرب وتزداد إصاباتها وضحاياها لتتوقف بشكل أو بآخر فيبقى جزء كبير من الجنوب والشمال العراقي في يد أمريكا وحلفائها أو من أتوا معها لهذه الحرب ويفرض واقع موقت جديد على العالم في ضعف الأمم المتحدة وحفظا لماء وجه أمريكا من التورط بالمستنقع العراقي فيبقى الرئىس صدام حسين ونظامه وحزبه سجناء في حدود جمهورية بغداد بانتظار مفاجآت محزنة أكثر للأمة العربية وهنا الطامة الكبرى، فهذا ما جناه صدام حسين على نفسه وشعبه وعلى شعوب المنطقة والعالم·
* كويتي مقيم في بريطانيا للدراسات العليا