
رحلة الحج (5)
ليلى العثمان
حالات أخرى
تحدثت في المقال السابق عن محنة الموبايلات والأحذية وقلة النظافة، وأتحدث اليوم عن حالات أخرى تحرك وجعك وتثير أسئلتك وأنت تتذكر قوله تعالى “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً”· ما أجملها من رحمة يخص الله بها عباده غير القادرين؟ فمن هو غير قادر؟ ومن الذي يجب عليه الحج؟؟ المعسرون من الفقراء، لكنهم رغم ذلك استطاعوا أن يتدبروا من المال ما فك عسرهم، لكن المؤلم فعلا أن ترى العجائز والشياب ممن لا يسترهم غير عظامهم، تلك الظهور المنحنية حتى ليكاد الوجه يلامس الأرض، وتلك السيقان الملتوية وأمشاط الأقدام التالفة المليئة بالأورام أو مسامير اللحم البارزة، وسترى من ابتلاهم الله بعاهات صعبة يشق معها القيام بأداء المناسك التي لا تخلو من مشقة كبيرة، ستجدهم زاحفين بين الجموع معرضين أنفسهم إلى الأخطار، وإن كنت تؤمن بقول الله “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” فأنت أيضا ستتذكر قول الله تعالى “ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة”! ليس هذا حسب، سترى بعض أصحاب الأمراض المؤلمة، من هم مصابون بداء الفيل “السمنة المفرطة” من رجال ونساء ممن لا تتسع لهم حتى كراسي “الويل شير” المستخدمة للطواف والسعي، تجد نفسك رغم تقديرك لإيمانهم ومحبتهم لله، تشفق عليهم، وتتمنى لو أنهم التزموا “من استطاع اليه سبيلا”، لقد وسعت رحمة الله كل شيء، ويستطيع الإنسان العاجز أو المسن أن يوكل أحدا يحج عنه، كما أن التوكيل لرمي الجمرات رحمة، لكنهم يصرون على أداء المنسك، ولهذا نسمع عن حالات الإغماء والوفاة، إن المشهد وإن أثار ألمك وتساؤلك فهو سيدفعك بالتأكيد إلى أن تحمد الله ملايين المرات أنك بصحتك وعافيتك وقوتك ومع ذلك تحس قدر المشقة التي تعانيها· وهذا يضاعف إحساسك بالشفقة عليهم·
ذوو الحاجات والأطفال
ظاهرة أخرى تثير الحزن: بعض الحجاج حملوا أبناءهم من ذوي الحاجات الخاصة، ما ذنب هذا المعاق الذي تكفيه آلام الإعاقة حتى يعرضه أهله لهذه المشقة؟ ويطرح السؤال: هل تحسب لهم حجة؟ لا أدري، لكن حالاتهم تدمي القلب، وتتمنى لو يقوم بعض الدعاة بنصح الأهل بعدم اصطحابهم وإن كان لابد فلا بأس من - عمرة - لأنها أقل مشقة، أما الأطفال فحدث ولا حرج، أطفال رضع، وآخرون بدؤوا الحبو، وآخرون يخطون خطواتهم الأولى، وهؤلاء يعانون معاناة شديدة فلماذا إصرار النساء على الحج مع أطفالهن؟ فيعرضنهم للمتاعب، وعدوى الأمراض التي تنتشر خلال موسم الحج عدا عن تلك الأمراض المخبوءة الأخرى، ما يؤلم هو مشاهد النساء مفترشات أرض الحرم والأرصفة، هذه ترضع طفلها، وتلك تغير له “البمبرز” وطبعا تلقيه على الأرض، وهذه تلاحق الصغير الذي أفلت منها، وهذه طفلة ابتعدت عن أمها وعلا صراخها، وتلك تراها مهدودة الحيل تحمل طفلا وآخر في بطنها· فلماذا اصطحاب الأطفال؟ وكم أتمنى لو تذكر النساء أن جهادهن الحقيقي هو في بقائهن في ديارهن ورعاية أطفالهن حتى يكبروا وتحج بهم، فتحسب لهم الحجة، هل من فتوى تصدر عن رجال الدين الموقرين تمنع حج الأطفال الصغار وتسمح فقط لمن تجاوز التاسعة أو العاشرة، إن في ذلك رحمة للأطفال وللوالدين، فمن لا يجد أحدا يمسك بصغاره، فليمسك هو بهم ويؤجل الفريضة حتى يكبروا·
لحوم الأضاحي
كنا زمان نسمع الحجيج يعودون وهم يشتكون من مخلفات ذبح الأضاحي، روائح الدماء واللحوم التي تفسد، لكن المملكة العربية السعودية ومنذ سنوات أراحت الناس من تلك المشاهد والروائح، وأصبحت الأضاحي تذبح في أماكن بعيدة، وتغلف اللحوم وترسل إلى بلدان الفقراء الشاسعة، وهذا لعمري خير ما قامت به المملكة·
رغم هذا ستصادف عيناك مشاهد اللحوم المفروشة فوق أسقف الباصات الصغيرة أو سيارات الجيب - أيام التشريق - ليجففوها فوق الجبال، لا بأس· لكن لحين وصولهم يمكن أن تغطى هذه الذبائح حتى لا تكون مجلبا للذباب، وكي لا تتلوث بأدخنة السيارات التي كانت تنغص على الحجاج وتملأ الصدور بآفاتها المتعددة خاصة والزحام شديد·
ماء زمزم
لا أدري ما الذي حدث في المكان المخصص للرجال حيث الأماكن المخصصة لشرب ماء زمزم في الحرم لكن الذي يحدث في قسم النساء شيء غريب، يتدافعن وكأن الماء سينقطع، يحتكرن المكان لفترة زمنية لا ليشربن ويرتوين - وهذا المفروض - بل تجد بعضهن يسقطن رؤوسهن تحت الصنبور ليغسلن وجوههن، وبعضهن “يتمضمضن ويتفلن في المغاسل” وأخريات يملأن القناني أو - المطارات - وكل هذا يعطل على الأخريات ويضاعف الزحام، و “يا ويلك وسواد ليلك” لو اعترضت أو حاولت إزاحة إحداهن، وقد لاحظت أن النساء من دولة “··” ودولة “···” أكثر شراسة من غيرهن، ولا يتوانين عن الصراخ والسباب، حتى في السعي والطواف· فبينما نجد الرجال يوسعن للنساء ويمدون أذرعهم كحاجز لنمر بسلام، نجد النساء على العكس يتعاملن وكأن من حولهن أعداء لهن، وقد يحدث أن تلامس إحداهن مجرد ملامسة غير مقصودة فتقف مشهرة نظرتها أو لسانها وتعطل المرور، تراودك نفسك أن ترد الظلم، لكن سرعان ما تجد كفا تلكزك وعينا ترجوك أن “لا رفث ولا فسوق ولا جدال”، اكتشفت في رحلة الحج هذه كم يكون الرجل رحيما، وإيثاريا أكثر من النساء، ونحن من نتهمهم دائما بالظلم وغلاظة القلب، وقد كان رجال الحملة المسؤولين والإداريين وحتى الحجاج أول هؤلاء الرجال الرائعين، هناك مواقف كثيرة أثبتوا فيها أنهم أفضل الرجال، فشكرا لهم، وتحية لجهودهم وغيرتهم على النساء·
طرائف
صحيح أنك في بيت الله الحرام، لكنك مرغما تسمع وترى بعض المواقف الطريفة التي لا تتمالك نفسك معها فتضحك، تلك التي تكلم رفيقتها وتقول لها: “عملت له ورق دوالي وما عجبه قام ضربني - الله يهده - جيت أحج حتى أدعي عليه” أما المطوفين بالكراسي فهم ما إن تنته مهمتهم حتى يركضون ركضا، والأرض الرخامية تزحلق الكرسي فترى وأنت تجلس بانتظار “المحرم” مشاهد وقوع الجالسين وتسمع احتجاجاتهم·
ورغم الشفقة عليهم فإن المشهد يجعلك - مرغما - تخفي وجهك لأن الضحك سيفاجئك، وكذلك في السوق حين تستمع لجدال المساومات وخاصة ممن لا يتكلمون العربية فتصبح إشاراتهم طريفة وغريبة تثير الضحك، ولا تجد بدا من أن تمشي في طريقك وأنت تستغفر ربك·
ماذا عن الحملة، والمحاضرات التي كانت ضمن برنامجها؟؟
laila_alothman@hotmail.com