رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 9 صفر 1424هـ -12 أبريل 2003
العدد 1572

قصة

 

ملح دموعنا

"هبة بو خمسين"

الأمسية هادئة، خالية من صافرات إنذار وقوع الخطر·· مليئة بأزيز الطائرات الذي تعودناه، أنسحب بعد انتصاف الليل من بين أفراد أسرتي· أتخمتني نشرات الأخبار، وأزعجني تناقضها·· واغتالت أعصابي الأكاذيب المزرية التي تبث في تلك الفضائيات، هجرني النوم الهنيء منذ اندلاع الحرب·· منذ ليلتها الأولى· تمر الأيام ثقيلة·· قلقة، حتى أكاد أجزم أن الكدر والسقم سيميتنا إن لم تقض علينا أسلحة معتوه الشمال للدمار الشامل·

“الموت”··، أنفض الفكرة من حيز تفكيري··

عشرة أيام مضت، تقاذفتني الحيرة خلالها بأسئلتها الملحة، فالسياسة معضلة يصعب علي فهمها··!! لكم هي قاسية·· مريعة الحرب، أهي الشر الذي لابد منه مع جيرة بائسة كالتي ابتُلينا بها؟!!

أقفل باب غرفتي، بتثاقل أتجه ناحية السرير·· أتوسد وسادة، وأحتضن الأخرى·· وفي جوفي غصة مرة··

أبدأ أعد الأمور التي أنوي إنجازها في الغد·· أقاوم سواد الأفكار في مخيلتي·· “وهل من غد يا ترى؟··”

أكره أن أعيش بتعاستها، إن تناسيت فلا أنسى·· يُفرض الواقع علي لمجرد النظر في عيني شخص آخر، الكل يسأل عن آخر الأخبار، وأحاديثنا باتت خليطا من التحاليل السياسية·· ونبذة من تقارير إخبارية مختلفة··

أسر في نفسي·· ينتظرني يوم عمل حافل··

أقرر “قرارا عربيا” أن أنام··

أطفئ النور، أتمدد، أطلق الآه خفيضة تُفكك الآلام التي يحس بها جسدي·· وكأنني أوسعت ضربا دون أن أدري، انحباس القلق بين أضلعي هدّ نفسي، وما من خطر على الجسد أكثر من النفس·

أغمض عيني، أحاول التنفس عميقا، أقرأ المعوذتين·· سورتي الحمد والإخلاص·· ثم أقرأ آية الكرسي ثلاثا· أحتضن نفسي، أبحث عن النقطة الأكثر دفئا·· الأعمق راحة·· وأتكور بها·

عقلي مثل الساعة يعمل· مجرد محاولة استرخاء، أخرى، فاشلة·

قرأت مرة·· أن النوم في مثل وضعي يعكس حاجة كبيرة للأمان·· للعودة لرحم الأم حيث الالتصاق والدفء·· واللاخطر!! لاعجب بأن يبدأ الإنسان مولده بصرخة·· رفض للخروج لعالم غامض مخيف·· كل ما به يبدو أكبر وأعقد مما ندعي أننا نعرف، عالم لا تحركه سوى الغرائز·· بجانبها السيء·

وإن كنا نخرج رافضين الحياة بصراخنا·· وخوفنا، فلم نتشبث بها الآن، ويغدو الخوف من الموت الذي نستقبله بصرخة أيضا··!

“الحياة والموت”·· أمر واحد· مراحل في عمر الإنسان الذي لا تُعرف له بداية ولا نهاية·· فمن يدري أين كانت أرواحنا قبل أن نخلق، ولكني أعتقد بما يشبه التنبؤ والتحدث عما ستؤول إليه حالنا بعد أن نلفظ للحياة رغما عنا·· لعلنا فقط لا نتذكر كما هي الحال في معرفة حياة ما بعد الموت والبعث التي تثير في نفوسنا الهلع أحيانا!! والتي نرسل لها أيضا·· رغما عنا، غير قادرين على تخيلها مهما تم وصفها إنها الأقدار فحسب·· بحقائقها الأصعب·

أتقلب في رقدتي دون طائلة للنوم· يصلني مراسل إحدى القنوات من غرفة المعيشة·· وآخر أخبار القصف على العراق· حقيقة أبشع من كابوس·· مريع·

أدير ضوء القراءة الجانبي عقارب الساعة تسخر من أرقي· أتفقد الوقت، مرت ساعة جثت ثقيلة على صدري·

تقول أمي·· إن الميت ظلما شهيد··

“ومن مات دون أرضه·· عرضه·· ماله··”، “ومن مات حرقا··”، أفكر في جنة سأكافأ بها نظير الظلم الذي يقع علي·· هل سأجد من أحب هناك؟

أفكاري متضاربة، مضطربة· تبدو لي أحيانا دون أي معنى·

أتساءل·· هل من الصعب أن يحب الناس بعضهم··، أتقلب وتهكمي··

“إذا كان الأخوة أعداء أحيانا كأسوأ ما يشذ عن طبيعة ما تفرضه صلة الرحم”·

أردد دعاء سمعته على لسان أمي··

“اللهم آمن روعتنا·· واستر عورتنا··”، ثم أصمت قليلا·· لأكمل·· “واغفر زلتنا··”

رافقت حروفي الأخيرة دمعة تدحرجت ثقيلة· أحسست شدة ملوحتها مارة قرب فمي، يُعرف عمق الألم وصدق الشعور بمقدار ملوحة الدموع·

أجر ضحكة من بين ركام الحسرة، تمر بذاكرتي مقولة ابن أختd ذو الخمسة أعوام، حين تساءل عن سبب ملوحة الدمع، مقترحا استخدامه للطعام عوضا عن الملح، كم هي نقية·· بريئة·· أفكار الطفولة!·

تهزني الذكريات معه، تعيد لي شوق أعجز عن تجاهله، دعج عينيه، وحسام أنفه، وشبق شفتيه· هل من قلب يعرف اختلاجات روحي أكثر منه؟! ما لمست الراحة إلا بقربه، ومنذ احتجازه والجمر بحرقني حرمانا·· وحاجة، ويقتلني الترقب·· والعجز عن التوقع·

أتراه يجر إلى الحرب ويشارك بها؟!

هل يعود؟!

تمر أمامي صور قتلى المعارك، قبالة شاشة التلفزيون كنت قد جلست وأختي نتأمل بجزع منظر الجثث متراكمة، نحاول أن نثبت إن كان أحدهم قد قتل مقاتلا·· أم أعدم أسيرا!!·· مع أي نظام نتعامل·

ترى كم أم وزوجة وأخت·· وابنة يتمت مبكرا أطلقن الصرخة حارقة·· ولا يبرأ الجرح، ذرفن الدموع غزيرة·· وما برد الغل لفقدان عزيز كان منذ أيام بملء رجولته بينهن··

لم يغضبنا الموت؟! لم نغضب على إرادة الله؟!

أمسك رأسي بكلتا يدي·· “ماذا يحصل في العراق؟··”!

قمت من رقدتي مرتعشة·· تغرقني دموعي· أجاهد لأن أكتم الشهقة إثر الأخرى·

جثوت على ركبتي رافعة يدي، معلقة عنقي في السماء التي أحرص أن تغطيني عند النوم، فلا أسدل الستار أبدا··

بصوت شجي خرجت كلماتي··

“إلهي·· يا رب العالمين·· ياسر الكون العظيم·· أيها الرحمن الرحيم··، يا قادر على كل شيء·· يا من إن أراد شيئا قال له كن فيكون·· أسألك بأسمائك الحسنى أن تحفظه·· ارحمه يا رب، أبعد الشر عنه ومن معه·· يا رب·· يا رب··”··

وبقيت أردد يا رب حتى انقطع مني النفس··

استندت إلى ظهر السرير، وعيني لم تزل معلقة في السماء··

“أعاهدك يا رب بأن أحسن التصرف، اجمعني به من جديد وما من لذة بعد ذلك في هذه الدنيا أسالها·· قربه فقط··”

أبتسم لطيفه، لذكرياتي معه، ولقاءاتنا القصيرة·· بلذة الخوف فيها·· تلصقنا ببعض، تتيهني بين ذراعيه، قمحية اللون، بسكرة تبقي النشوة في دمي لأيام·· تمطر السعادة علي من كل جانب·

أحس تلك الأيام قريبة، كالأمس وقبله·· كم تبدو الحياة قصيرة، كم أحس العمر مجرد لحظة، رغم امتلائها بالأحداث·

شعرت بأنني محظوظة لأن أحظى بأروع شعور·· وأسمى التقاء بين المرأة والرجل·

ليس الحب خطيئة·

ارتاحت نفسي أكثر·

أشرع في إطفاء النور· أنتبه بنظرة خاطفة للوقت·· مرت ساعة أخرى·

ظلام، سكون وإجهاد يدفعاني جميعا للنوم، أغوص في وسادتي مغمضة عيني· أدفع الخوف جانبا·· أنثر القلق بعيدا·· أستطعم الراحة·· أهمهم مستمتعة بالدفء·· أتثاءب قليلا·· نفس عميق· أزفره باسترخاء يبعينني على الابتعاد عن شيء ما·· أحس نفسي أخف وزنا·· أرتفع··

هل غفوت·····؟

***

دوي انفجار·· قوي، قريب·· جمعني وأسرتي في لحظات·· بوجوهنا الوجلة تغالب النوم·· نستطلع الأخبار·

صاروخ جديد من الشمال·· دمار في سوق شرق، وأجهزة إنذار لم تلتقط حدوث الخطر! الغضب في داخلي أترجمه دموعا·· مالحة··

وتستمر ليلة طويلة أخرى·· دون نوم·

2003/3/31

طباعة  

قـصـة قصيرة
 
المتفرجون عن بعد والراسمون بطولات وهمية
المثقفون العرب ووسائل الإعلام يحاصرون العراقيين في زاوية ضيقة!

 
وتــد
 
شعر
 
المرصد الثقافي
 
كتابة
 
المرصد الثقافي