كتب المحرر الثقافي:
يواجه المثقفون العراقيون هذه الأيام تعتيما متعمدا، من قبل وسائل الإعلام العربية، سواء على شاشات فضائياتها، أو في صحفها ومجلاتها، فيغيب - أو يغيّب - الصوت العراقي في وقت هم في أشد حالات الضرورة فيه لتبيان الحقائق، وإبداء الرأي، والتصريح بمطالباتهم المشروعة في عراق جديد·
تقلب وسائل الإعلام العربية مقولة “أهل مكة أدرى···”، ليتصدر كثير من المثقفين العرب واجهة المشاركات والخوض في الشأن العراقي، موزعين أدوار البطولة والخيانة أو العمالة كما يشاؤون وكيفما أرادوا على العراق ومثقفيه وشعرائه وكتابه!
وكما درجت عادة الحكومات العربية على مصادرة الرأي الحر، تتبع النخبة المثقفة العربية، بمؤسساتها الإعلامية والصحافية الطريقة ذاتها في المصادرة، وادعاء امتلاك الحقيقة وحدها، وإلغاء الرأي الآخر حتى وإن كان من “أهل بغداد الأدرى·· بشؤونها”!
يعاني المثقفون العراقيون هذه الأيام من البحث عن نوافذ (فضائية - إعلامية) تتيح لهم التعبير عن الرأي العراقي وسط ضجيج عربي محتشد بكثير من الزيف و”التزوير”·
تزوير “الكفاح العربي” السوري
يقول الشاعر العراقي المغترب باسم المرعبي “قبل أكثر من عام أجرت معي الصحافية السورية تهامة الجندي حوارا لجريدة اسمها “الكفاح العربي” - لاحظ الاسم - وردا على سؤالها القائل: متى غادرت العراق ولماذا وأي المدن أقمت فيها·· إلخ كان ردي هو الآتي: تمكنت من مغادرة العراق في العام 1991 وبكل أسف أقول إن سؤالا من نوع لماذا غادرت العراق يبدو لا مكان له وخصوصا أن أخبار القمع والجرائم التي يقترفها النظام كل يوم هناك ما عادت تخفى على أحد، غادرت العراق طلبا للحرية، هذا الهاجس الذي أرقني وأرق أجيالا بكاملها وخصوصا في العقدين الأخيرين، والوضع هناك يزداد شراسة، إن التفاصيل التي تصلنا من هناك في شأن ممارسات السلطة ضد المواطنين بلغت درجة الكابوس، إن الخطورة تكمن في أن السلطة تسعى منذ زمن ليس بالقصير الى تفتيت النسيج العراقي في عمقه الإنساني والحضاري”·
ويضيف المرعبي “·· هنا تنتهي إجابتي عن الشق الأول من السؤال، فما كان من السيدة الجندي أو السيد المحرر في “الكفاح العربي”، هذا الذي يبدو أنه لا يكتمل إلا بتمجيد الطغاة، إلا أن يحذف كل الإجابة ولم يبق لي سوى الجملة الأولى: تمكنت من مغادرة العراق في العام 1991 ثم لحقت بها الكلمات المتبقية من إجابتي عن الشق الثاني التي أقول فيها: أقمت في دمشق وبيروت·· إلخ وهي كلمات لا تخرج عن الخط الأصيل لهذه “الكفاح” أو تجرح شهامتها في التستر على مستنقعات الدكتاتورية وروائحها··”·
مثل هذا الفعل الإلغائي الذي مارسته صحيفة سورية تدعي “الكفاح” لصوت عراقي حر، يمارسه مثقفون عرب بشكل أكثر لؤما وتجريحا، ومساسا بوطنية المثقف العراقي، وذلك حينما تضعه بين حدي تأييد نظام قمعي جر على العراق الكثير من الكوارث، وبين التخوين·
صور الطاغية على الأعناق العربية!
تقول الكاتبة العراقية فاطمة المحسن إن بعض العرب الموهمين أو المنتفعين يشاركون الآن في تجيير رفض الحرب لصالح النظام الحاكم “ها نحن نشهد صور قاتل العراقيين وسبب خرابهم ترفع فوق أعناق الجماهير·· مثل كل مرة، عليهم (العراقيين) الاختيار بين وصمة الخيانة أو الموت تحت راية الدفاع عن الوطن··”·
ويتابع كثير من العراقيين مواقف الدول العربية والمسيرات الجماهيرية بكثير من الألم، كما يصيب مثقفي العراق وكتابه وشعراءه المنفيين والمستبعدين حاليا عن الإعلام العربي إحباط شديد بسبب آراء أصدقائهم العرب الذين انتصروا لنظام عرف عنه سجله التاريخي غير المسبوق في الاستبداد والقمع بحجة مواجهة الولايات المتحدة أو استدراجها لـ “فيتنام” أخرى على أرض الرافدين، مضحين بأرواح الأبرياء من أهل العراق، مثلما تمنى ذلك رئيس تحرير صحيفة “اليوم” السعودية في أن تطول أيام الحرب قليلا حتى يرى ضحايا من الجانب الأمريكي، وكرر غيره من الصحافيين والكتاب العرب هذه التمنيات المريضة، وإن كانت على حساب أرواح تتساقط يوميا في العراق·
ويقول الشاعر العراقي شاكر لعيبي معترضا على ما يشهده من ممارسات “جماهيرية” و”إعلامية”: “إدامة استبعاد العراقيين الآن هي واحدة من أكبر مهازل العقل العربي المعاصر، وفي رفع صور الطاغية صدام حسين في تظاهرات صنعاء وغزة وبيروت مس بمشاعر النبلاء من العراقيين”·
ويقول بهذا الصدد كثير من متابعي الوسائل الإعلامية (الفضائية والصحافية) إن حرب الخليج الثالثة قد عرت العقل العربي بمثقفيه وكتابه وسياسييه وإعلامييه وجماهيره العريضة وأسقطت آخر ورقة كانت تستر ضحالة الوعي، لتكشف حقيقة ادعاءات الموضوعية والحريات واحترام الرأي الآخر!