رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 9 صفر 1424هـ -12 أبريل 2003
العدد 1572

قـصـة قصيرة

                             

 

انـطـــــلاق

سليمــان الشـــطي

إنني قادمة فانتظروني· أعتقد أنني قلت هكذا!! تجري الأمور أحياناً كما نحب··

نطق القاضي بالحكم فأصبحت حرة، تناثرت الكلمات الطيبة من فم القاضي: تدفعين له حصته من البيت؟ قلت: نعم فحكم كما أحب، أحسست أن يدي استطالت لتحتضن البيت كله، دفء عجيب· قطع من عمري نقشت على الأرض·

رحمك الله يا أبي فهذه الأرض المنسية التي تركتها جاء ثمنها في وقته· أودعت شيكاً مصدقاً ثمناً لنصيبه من البيت، فتحررنا معاً - أنا والبيت - الذي سأعيد ترتيب كل جزء منه، سأفتحه من كل الجهات، سأغير ملامحه، سأعكس الأبواب، سيكون باب الفيللا مدخلاً للسيارة· وسيكون مفتوحاً طوال النهار، سيدخل الزجاج منزلنا، سألغي الطوب، ستكون الواجهات زجاجية، تعكس الشمس تدخل النور· ننفتح على الخارج، يرانا الآخرون ونراهم·

خرجنا معاً لآخر مرة من قاعة المحكمة السادسة عشرة، لقد انفك أخيراً عقد الزواج المذل، وقفت في الممر، انتظرت حتى اختار الجهة التي سيسير فيها، اخترت الأخرى، تأملت ظهرة القصير وعجيزته المنتفحة وهي تهتز، تفحصت رجليه اللتين ظل يباعد بينهما ليطرد الشياطين حتى تكاثرت في تلافيف مخه· لن أرى لحيته التي تجمعت فيها عشوائية الطبيعة وفوضى السلوك، تحررت من وخزات الشعر المجفف· أدركت أن زمناً جديداً بدأ، وهأنذا أشهد لحظة الميلاد الحاسمة·

في داخلي زاوية تنبض بشوق قديم· إن هذا الذي تغيب صورته عني في المنحنى الأخير وللمرة الأخيرة كانت خطواته القديمة وهي قادمة تشع فيّ شوقاً لذياً، الحروف تخرج من فمه تحمل مساحة واسعة من عواطف أسعدتني زمناً، كانت قادرة على أن أن تسقط كل الأخطاء، تلك اللحظات التي تمسح ذلك السخط الذي يتولد في لحظة انحراف المزاج  أو السلوك· صوته يأتي أولاً ثم تتحرك أصابعه، وفجأة تصبح ذراعاه كوناً كله حياة تشع جمالاً· ما الذي حدث في دنيانا، لماذا لم نستطع أن نصنع شيئاً لها، ولماذا أشهد هذه اللحظة الأخيرة الكئيبة وأنا أكاد أقفز فرحاً·

حالة الانبساط التي أنا فيها وتثب حركاتي لا تتناسب مع هذا الوقار من حولي· أطير من الفرح، هناك شيء يولد في مكان ما من جسدي، يد أناملها تدغدغ كل ذرة منه فترتعش ضحكاً، تتفتح، تعثر أخيراً على ملمس ناعم يزيل الخشونة التي عشتها··· أحياناً لا نكتشف كم نحن تعساء، تحيط بنا منطقة حالكة مظلمة إلا إذا انتقلنا إلى منطقة الضوء··

عند البوابة الخارجية للمحكمة أزلت النقاب الذي أثبت به، أمام القاضي، سلامة عقيدتي، وكان راية استسلامي عندما أجبرني قبل سنوات على الدخول إلى هذه المرحلة الأخيرة، وفي ذلك اليوم من تلك السنة المقيتة تأمنلي ونحن على أهبة الخروج، يلاحظ· كعادته، كل ذرة في جسد الآخرين، وكان جسدي هو الضحية القريبة ومجال التطبيق الأول· أشار قائلاً:

- هناك حمرة في خدك واضحة، وتحت العين  لمعة لا تجوز·· البسي النقاب أستر··

كنت في الثانية والأربعين·· بعد ثلاثة أيام أصبح النقاب حكماً لامرد له فاستسلمت، ولكن للمرة الأولى ولد في داخلي تساؤل شك، أحسست أنني أقف معه على قمة، بدأ خوف يتسلل إلى نفسي·

عندما أحسست أن شعرة التدين أخذت تغزوه تحرك في نفسه فرح خفي، حضرت صورة جدي الذي لم يتخلَّ عن عادته القديمة منذ أن ترك مدرسة تحفيظ القرآن، ورفض أن يواصل التدريس في المدارس الحديثة، فتفرغ لي، راح يقرئني القرآن، أجلس أمامه مباشرة، ركبتي في محاذاة ركبتيه، يهتز فأهتز معه، تيار يسري بيننا فأحس أن الكلمات تدخل من مسام جلدي، صوته شجي، أحس أن قراءته طرب يتنقل بين مقامات النغم· جدتي تجلس معنا تستمع إليه، تهز رأسها، فتدب فيه حماسة القراءة فيرتفع صوته، له عادة لم ألحظها عند أحد غيره، إذا جاء ورآها جالسة انحنى عليها وقبل يدها، تحاول أن تنزع يدها بخجل ودلال وهو يردد امرأة مبروكة، من أهل الله، حضرت أطياف ذلك اليوم القديم الذي أمسك بيدي وسار بي إلى المدرسة المجاورة التي كنت أسمع صوت البنات يحلق منها وهن يرددن الدروس بصوت مسموع· سلمني للناظرة يداً بيد:

- علموها لزمانها··

والتفت إليّ مكملاً:

- وأنا سأعلمها دينها··

حلمت بأن أكون مثل جدتي، ستتلاشى سنوات العذاب الأولى من الزواج، سيعود في أول كمل مساء، نجلس، أسعد بطريقة حديثة التي كانت تجذبني إليه دائماً، نتنفس الليل، نعيش أجمل تأوهاته، نستنشق الفجر، سنحيي معاً حركة الصباح عندما يستعد حسام وسناء للذهاب إلى دراستهما·· حلمت تأملت سعدت، ولكننا نفكر في شيء والحياة من حولنا تجري كما يريدها آخرون لنا، التاريخ لا يتكرر ما دامت الأفكار تسير بطريقة دائرية·

ü ü

غادرت المبنى المهيب وأنا أهتز طرباً، توقف عند الكشك المجاور لباب المحكمة، طلبت كيس نفيش وكوكا كولا، هذان عندي متلازمان، كنت أحبهما، آكل بتلذذ عندما كان، في الزمن القديم، يأخذني إلى السينما· لا إرادياً مددت يدي لأرفع النقاب مرة أخرى فتذكرت أن يدي قد سبقتني وأسقطته بين الأقدام، تحررت منه· في صدري كلمات لا تريد الانتظار، ضد الاختيار أو الانتقاء، لاتريد أن يفكر فيها، تخرج كما هي، كما يحلو لها، لا ترتب وتنمق كما يريد لها سامعوها أن تكون· جميلة تلك الكلمات التي تعاكس التفكير· التفكير المسبق خدر مريب وخوف كامن، وأنا الآن في مرحلة تحرر من كل هذا، إنه يوم جديد جميل·

في موقف السيارات لاحظت امرأة واقفة تشير من دون تركيز، تبحث عن وسيلة مواصلات، هذه واحدة ساقها قدري لتكون أول من يسمع خبر انتصاري· جلست بجانبي ودعواتها تسبق ركوبها السيارة، كنت أحس بالانتفاخ والانشراح التام، كل ما أراه أمامي صديق·· هذه المرأةالغربية، الجالسة بجانبي، أصبحت صديقة خرجنا معاً من مكان واحد، كل منا معلق بعنقه قضية، سألتها بأريحية:

- إلى أن متجهة يا حاجة؟

- إلى أي مكان يقربني من بيتي··

عقلي يفكر كيف يبادر في الحديث، أبحث عن الكلمات لأنطلق· بدأت هي فسألتني:

- تعملين في المحكمة؟

أجبت بمرح:

- بل متهمة، صاحبة قضية·

قالت بصوت ممدود متأفف:

- لا حول ولا قوة إلا بالله··

الحديث بيننا تشابك بطريقة الخيوط المتعانقة· سقت لها بشارتي، المحكمة حكمت كما أحب، أحسست بيأسها وهي تعلق قائلة إن الحمد لله أن تأتي أحكام كما نحب، بعد لحظات سرى إلى استبشارها بالخير فروت حكايتها مع ولدها· اعتقدت أنها مثلي، قصتها مع زوجها، كلنا نخرج من هذه البوابة حاملين معنا صرة كبيرة من نضح الأسرار، تفور البيوت بها من الداخل، فيتفجر الأسوار، ولكنها فاجأتني أن ولدها هو القضية، هو أيضاً رجل يريد أن يلقي بامرأة وراءه ليلحق بأخرى، يريد أن يستولي على البيت ويتركها للرياح·

سرحت وراء حسام، ابني، أين أنت، لقد استولت عليه البقرة الهولندية، انطلق وراءها ولم يستحمل الإقامة معناخمسة شهور، عاد من بعثته فقلت هذا ابني أصبح رجلاً، خرج من قمقم الطفولة وتحرر من الرهبة، وطار بعيداً عن الوصاية· لماذا الأبناء لا يلاحظون ما يحدث لنا، نحن نفحص كل ذرة منهم، نحس الحركات الخفية في أجسادهم، نغوص في ثنايا أرواحهم· أما نحن فعالم كلي، صورة عامة لا ملامح لها· لم يعلق عندما رآني وقد أصبحت قطعة ساكنة من البيت· في الزمن الأول كنت أرافقه· في سفرته الأولى حملته في سيارتي إلى المطار، كنت يومها تلك التي تشارك بل تعمل كل شيء، لم أتركه حتى أنجزت كل الإجراءات الجمركية·

في السنوات الخمس جاء مرتين فقط، ولكنه كان فاقداً للتعجب، في المرة الأولى لم أستقبله في المطار، لم يلفت نظره تغيرنا، في الزيارة الثانية لم يتعجب من قناعي، في الأخيرة لم يسأل لماذا أنا جالسة لا أغادر المنزل·

في آخر لقاء بيننا قال ببساطة:

- سأسافر مرة أخرى·

تركنا دون أن يمن علينا بكلمة تشعرني أن ثمة إنساناً ينتمي إلى هذا الصدر الخرب أرسل خطاباً قال فيه إنه تزوج الهولندية·

أصبحت أتذكره كلما شربت حليباً أو شاهدت صور البقر الهولندي·

ولا شيء غير هذا··

ü ü

أعادني صوت المرأة، وهي لاتزال تشرح قضيتها، إلى سطح الواقع، أردت أن أقول شيئاً، لساني طري يفيض بكلمات الفرح، بالحروف والأصوات التي تنطلق بدهشة مرتعشة بالفرح، أشارت إلى شارعهم ثم بيتهم، أنزلتها حيث أرادت، لاتزال في أول الطريق· مسكينة، أما أنا فقد اجتزت الباب الضيق، هذه اللحظة عندي لن يعكرها شيء، ستكون الحرية فيها انطلاقا·

نزعت الحذاء وجعلت رجلي تلامس دواسة البنزين مباشرة، القفازات السوداء مرمية خلفاً، ماذا لو أنزلت الجزء الأسفل من فستاني، هل سيراني أحد؟ إنني لم أبرأ بعد، لاأزال أفكر فيهم· مددت يدي فارتفعت إلى جزء من حجابي وأخرجت خصلة من الشعر، حركها الهواء، فاكتشفت أن النسيم لايزال كما كان جميلاً بعد كل هذه السنوات، لقد تعرفت عليه دون وساطة، دبيب الحياة يدغدغني مع كل خصلة ترتفع وتنحرف، ما ألذ أغنية تتحدث عن الشعر الحرير المتطاير ، نظرت إلى رموشي، أين الرمش الطويل الذي تغنى به محمد عبده·

بدأنا بحب الأغاني وانتهينا بكراهيتها، أهداني أغنية “يا سدرة العشاق” فأرسلت إليه “يا دارا دوري فينا لننسى أسامينا”· لقد نسيت بعد ذلك كل شيء يخصني، طوال خمسة وعشرين عاماً· وخيط الحرير يتضخم حتى أصبح حبلاً قاسياً· كابوساً· خوفاً رعباً· يموت فيك بعد ذلك كل شيء فلا تحس به· قدم لي شريط عذاب القبر بعد سنوات من الجحيم الذي أنا فيه، لم يضف إليّ شيئاً، فأنا أعيش حياة القبر مبكرة·

ü ü

كيف يبتسم الناس في الشوارع، إني لم أفعلها منذ زمن طويل، لقد نسيتها منذ المفاجأة الأولى التي لم تتأخر أكثر من شهر بعد بدء زواجنا· جاءت المفاجأة الأولى عندما انقذف قيئه على ملابس، فزعت، أخذت يومها، تخلخلت رجلاي·

خرج ليزور أصدقاء له، غاب أربع ساعات، عادوا به بعدها لا تحمله رجلاه، عقاله منفلت كالطوق المستطيل في عنقه، وجهه محمر أو مغبر لا أدري، أزرته معقوده بتخالف فأصبحت فتحه العنق مائلة، قال أحد حامليه:

- تعبان شوية·

علمت ليلتئذ أنه يشرب الخمر، لكنه لم يكن من أهلها، دخلني الرعب، ولكن صديقتي المجرية قالت لي لا تخافي إن الخمرة تنعش الروح، وتعدل المزاج وتفتح أبواب الكلام الجميل، تسقط الهموم، تجعل الساعة التي أنت فيهاهي مركز البهجة في هذه الدنيا، قالت لي، بثقةالمجربة، أن زوجها عندما يشرب كأساً أو كأسين ينفلت لسانه بحكايات عذبة لا تنتهي، إنها ساعة حظ· أكملت، وهي تغمز لي، يكشف لي كل الأسرار· هنا، وأشارت إلي رأسها، مخزن يحتفظ بحكايات كل الرجل الذين من حولي، كل امرأة أعرف أسرارها من زورجها، فبفضلها يتلاشى الخرس من طباع الرجال فينفلت اللسان بحكايات لا تنتهي· إنها ساعة حظ، وضحكت، لولا الحرام لسرقت رشفة· ولكزتني خاتمة كلامها، ولكنني الآن أسعد، فائدتها لي وإثمها عليه·

الموضوع عندي مختلف، يتحول إلى كومة من خرق بالية، بدأها بالقيء ثم تطورت إلى الشتم والصراخ ثم الانكفاء على الكنبة، ولعل أحسنها تلك التي يأتي محمولاً على أيدي أصحابه ليلقى في السرير لا يستيقظ إلا بعد ساعات·

قبل أسبوع وقفت سناء فوق رأسي، رفعت قناعها وقالت:

- والدي على حق، عليك أن تتقي الله في نفسك وفي بيتك لماذا هذا الإصرار على الانفصال، فقط لأنه قال لك لا تخرجي إلا معه، ما الجديد في الأمر، وهو الأن مشغول والخروج من دونه يضايقه، أنت لم تكوني كذلك من قبل، لقد تغيرت!

لم أرد عليها، تقول لا جديد في الأمر، ثلاثة شهور لم أر لون الرصيف، أعطتني ظهرها مغادرة، السواد  يغطيها· تذكرت أمنيتي في أن أزفها في الثوب الأبيض الذي حرمت قبلها منه· ولكن·· البنت أصبحت دماغ والدها·

قبل سبعة عشر عاماً انقلبت، تقيأت كوالدها علي وغابت عن الوعي، كانت في الثالثة من عمرها، حرارتها تلسع صدري، لا أدري كيف انطلقت بالسيارة في الساعة الثانية صباحاً، ترتفع الحرارة بشكل مخيف مع صوت مختنق، والدها مرمي في الصالة يشخر بعد سكرة مقيتة· قضيت عشرين ساعة في المستشفى، واتصلت لأطمئنه فجاء صوته مرتفعاً بغضب تافه:

- وينك··

أقفلت التليفون، وعدت بعد ساعتين أحملها على كتفي وبيدي كيس من الأدوية وفي الأخرى كومة من الملابس المتسخة·

لم يقل الكثير، خرج إلى الجمعية ليأتي بكيس فيه خمسة أنواع من الكاكاو فراحت تضحك وتبتسم له وهي تلحس بتلذذ·

ü ü

أريد رجلاً!

تلك التي التقطتها من بوابة المحكمة وأوصلتها إلى بيتها وفضفضت إليها وسمعت منها كانت امرأة··

أريد رجلاً، أريد أن أتحدث إلى رجل أي رجل·· سبع سنوات من الحصار الحديدي، أصبحت فيها حناجر الرجال الغليظة تقطر جنساً، تتربص لزنا مكبوت، خيانة مفترضة، أما حناجرنا، نحن النساء فهي العورة التي يطل منها الإغراء، تشف عما بين ضلوع المرأة، بل حتى ما بين فخذيها، واجبنا أن نحرسه من هذه النوافذ، نعطل هذا الجهاز الذي أودعه الخالق فينا، حددوا لنا طبقة الصوت ومجاله·

أغرب في الحديث إلى رجل أي رجل، لا أريد جنساً فقد أصبح شيئاً ممجوجاً أريد دفء الكلمة·

غادرت البنك الجديد الذي سأبدأ منذ اليوم بالتعامل معه  تعمدت الوقوف عند شباك فيه شاب، تقدمت، كان متأنقاً، حليقاً، يقطر حيوية وعملية، وضعت عيني في عينيه بثقة، فتحت الحساب الجديد، قدمت الأوراق، وقعت، تحررت أخيراً من ذلك البنك المكفهر الذي أجبرني على التعامل معه، لن أدخل بعد ا ليوم متسللة من خلف الأبواب كما كنت أفعل من قبل، نحشر نحن في مكان والرجال في مكان آخر، الشرق والغرب اللذان لايجب أن يلتقيا إلا في ظلام الفراش!

سأكلم رجلاً آخر، أذهب إلى السالمية أم سوق شرق؟؟

طلبت شراباً، كان المقهى يعج بالبشر، رجالاً ونساءً وأطفالاً الحركة خفقان قلب يعود إلى زمنه القديم الذي كانت آماله تنبسط شمساً على خضرة الربيع المقبل، نشوة الشراء والتفرج باب الجنة الأرضية، البحر ممتد أمامي، قوارب صيد المتعة للرجال متلاصقة تتأرجح، ألوانها وشعاراتها وزخارفها خطوط متموجة· أنا في حالة انتباه تام، كنت من قبل امرأة داخلية النوازع أرحل في غابة أتوه فيها، أفكار تتجاذب، لا أذكر شيئاً سوى أنني محنية مطرقة، أطباق الأكل أمامي أفحص سطحها أتأمل الذرات المتبقية· الأصوات تأتي من بعيد، صمت من حولي، فنحن نجلس معه على طاولة منفصلة بعيدة، منعزلة، دفء الناس شواظ من نار ملعونة، كان هذا في أيام المجد الأول قبل أن تنقطع، فلم يلبث إلا قليلاً لتتدحرج الكلمات منه، قال: إن الخروج إلى المطاعم والمقاهي، دون ضرورة قاهرة، سفاهة حتى لو كانت محتشمة·

لم أرد عليه ولم أندم عليها·

الآن أجلس بين الناس، لم يعودوا مرعبين، طلبت الجرسون ثلاث مرات، في كل مرة أطرح أسئلة، لم أكتف بالسؤال عن الطعام، ولكن عن بلده، وأهله، امتدحت بشاشته، اشتركت معه في اختيار ما أريد أن أشربه وآكله، صوته في رعشة مدهشة، نحن في أول النهار لذا كان نشطاً لبقاً· وخلال الساعة التي قضيتها كنت أنتهز لحظات التوقف فأدعوه لأفتح معه حوار الأسئلة، وعندما غادرت المكان اتسعت مساحة تحياتي لكل العاملين في المكان من الرجال·

ü ü

لأنه لم يعد يهمني أحد، وانتهى دور المحاسبة التي بدأت رقيقة تشي بمحبة وخوف ثم تحولت، كهجوم الفصول السخيفة، إلى ما يشبه محاسبة المحققين المتجهمين· دخلت الجمعية التعاونية دون تخطيط، أتجول بين أرفف البضائع بحرية، ابتدرت العمال بالأسئلة، سألت عن كل ما يخطر في بالي، يقف بين الأرفف رجل يبحث عن شيء بدأت بالتعليق، تجاوب مع حديثي أخذت أطري وأعيب وأقترح، بعد دقائق كنت أنحني وأختار ما رشحت له من مشتريات· وأنا أستعد للخروج وعند المحاسبين لمحت مدير الجمعية واقفاً أمام باب (مكتبه) فتركت العربة واندفعت إليه· جلست بثقة· قدمت شكوى مفتعلة غير محددة، دخلت معه في نقاش حول بعض البضائع، أرفع صوتي باعتباري مساهمة وزبونة وناخبة، من حقي أن أتكلم، أختزن عشرات الملاحظات كلها طفحت على السطح دون ترتيب· كان الرجل يدافع، ينخفض صوته بين التوضيح والاعتذار والتوسل، استيقظ مني جانب المنطق والحجة واللسان الذي كان في زمانه القديم ملتهباً ثم حاصرته البرودة فالتف كحية في بياتها الشتوي ولكنه ها هو يتثاءب، يستقيظ، يتمطى، يلتفت، يخرج أطرافه ينفجر في وجه العالم الراكد·

خرجت منتشية بانتصاري، فاقتراحاتي البناءة ستنقل إلى مجلس الإدارة وستنفذ إن شاء الله، رجل أفرض سلطتي عليه، هكذا تكون الأمور السليمة·

ü ü

المفاجأة ستكون في البيت، هناك تنتظرني المهام الجسام·

في عطفة شارعنا تكسر قديم يتجمع فيه وحوله الماء، عندما رأيته للمرة الأولى تمتمت بالاحتجاج، ثم أخذت أحرك شفتي دون كلمات، تحول عدم الرضى إلى مرجل داخل الضلوع، ثم سكن في صدري شعور بانقباض دون تحديد، ولكني اليوم مختلفة، نزلت من السيارة· كان جارنا بوسالم واقفاً كعادته، فاجأته بالتوقف والنزول من السيارة· لقد نسي وجهي المكشوف الذي يقف أمامه اليوم·

- أنا أم حسام يا بوسالم·

تمتم بترحيب مستريب، انطلقت:

- إلى متى تسكت على الإهمال لابد من إصلاح الشارع كله، سأرسل رسالة احتاج إلى المجلس البلدي، سأكتبها وسأرسلها لك وأرجو أن توقعها سأقوم بتسليمها إلى ممثل المنطقة·

استسلم فتمتم بالإيجاب بحيرة واضحة·

انطلقت بالسيارة، ومن خلال المرآة أرى بوسالم واقفاً وخرطوم الماء بين فخذيه يندفع الماء منه دون إرادة، وهو يتابعني بنظراته· شعور الابتسام في داخلي يتفجر، هذا رجل آخر مندهش··

منذ هذه اللحظة لن أترك شيئاً معوجاً دون أن أتدخل، إنني قادمة لكم فانتظروني!

نزلت أمام البيت فتحت الباب، أمرت الخادمة بترك الباب كما هو مفتوحاً· في داخل البيت كانت الستائر والنوافذ والباب الداخلي مشرعة· أرى حركة الشارع، سيارة عابرة، عمال·· رجل يصيح ببضاعته، أفكر بإدخاله لينشر بضاعته نتحاور وندخل في مساومة مثيرة مضحكة· تماماً كما كانت تفعل أمي بطريقتها الهجومية التي تنتهي بضحك مجلجل، وهي تدفع له بزجاجة الكولا قائلة: برد على قلبك·

صعدت الدور الثاني أخذت أمسح الأفق، سطح البيوت، أنظر إلى الشارع، أميل بكل جسدي إلى الخارج، أصبحت أرى أكثر فأكثر·

نزلت إلى الدور الأرضي مرة أخرى، إن قدمي تتحركان دون أن تشلهما هواجس التفكير، دمائي الحرة طليقة تضرب جدران العروق لتحثها على الحركة·

جلست على الكنبة الكبيرة، تنفست بارتياح عميق، الآن كل شيء منفتح، غير محتجب، أذني في حاجة إلى سماع، أمامي طاولة التلفزيون·

عندما مددت يدي إلى جهاز التحكم لم أجده· كان فوق الطاولة فراغ، وجهاز التلفزيون لم يعد موجوداً··

البارحة كان يعرض فيلم عربي، الأفلام العربية هي سلواي الوحيدة التي سمح بها، ولكنه كعادته فاجأني:

- سأبيع التلفزيون·· إنه مضعية للوقت ومفسدة للمرء·

واستلقى على جنبه، وغاب في شخير متقطع··

ü ü

أحسست بالباب الكبير يفتح، تدخل السيارة أرى ظلالها في المرآة، أسمع الأقفال وهي تحكم إغلاق الكراج، صوت اعتدت عليه وأصبحت أذني تميزه، أسمع صوته، من بعيد تتجمع في أذني حركة فمه وهو يجمع بصقته المعتادة ويقذفها· صرخ على الخادمة كعادته، تكورت أنا داخل الكنبة· يدخل، يلقي بالسلام الآلي·

رآني جالسة، عيناي محملقة في الفراغ الذي يعلو الطاولة· لم يقل شيئاً كعادته عندما يدخل، يعطي نفسه فرصة· فقد اعتاد التنفيذ، يصدر أقوالاً مقدسة لا تقبل المراجعة فهي أحكام سماوية· يهز لفافة يحملها بكلتا يديه:

- سأضع فوق الطاولة··

لم أسمع بقية جملته

صرخ:

- الغداء

نتخيل الحياة كما نحب، ولكنها نادراً ما تأتي كما نحب أو نشاء··

اكتشفت أن ساعات طويلة قد مضت· لم أغادر مكاني، جسمي هنا، عقلي هناك· أعادتني الأصوات التي يصدرها مرة أخرى إلى السطح المظلم، كنت أهبط إلى الداخل، أغيب· الإنسان يملك أسلحة كثيرة، لقد ترك لنا الخيال حراً طليقاً، مازلت أملك الكثير· لا أحد يملك أن···

طباعة  

المتفرجون عن بعد والراسمون بطولات وهمية
المثقفون العرب ووسائل الإعلام يحاصرون العراقيين في زاوية ضيقة!

 
وتــد
 
شعر
 
قصة
 
المرصد الثقافي
 
كتابة
 
المرصد الثقافي