
المهنة التي يمارسها الإنسان تؤثر في شخصيته وأساليبه وتفكيره وأيضا في أمراضه واضطراباته الجسدية منها والنفسية·
فهنالك مهن معينة تسبب أمراضا معينة مصاحبة لها، فثلا يتعرض العاملون في المواد الكيميائية الى أمراض صدرية وأحيانا سرطانية واعتلالات في الكبد والكلية وذلك بسبب الغازات والغبار الذي يتعرضون له في أثناء عملهم، كما يتعرض العاملون في تربية المواشي لعدد من الالتهابات الخاصة بسبب انتقال العدوى لهم من الحيوانات، وتزداد الإصابات الجسدية والجروح والكسور والخلوع لدى فئات الرياضيين المحترفين، وهناك إصابات دماغية عصبية خاصة تكثر عند الملاكمين·
ويتعرض أطباء الأسنان للإصابة بآلام في الظهر، وفي الممارسة الطبية اليومية نجد من الضروري الإلمام بمعلومات عامة عن المريض تشمل العوامل العضوية والعمر والجنس والعرق والوراثة والبيئة إضافة لكل هذا يمكن للطبيب أن يصل الى التشخيص بسرعة أكبر إذا سأل عن مهنة المريض·
أما في ميدان الاضطرابات النفسية المتنوعة ومدى علاقتها بالمهنة فهناك عدد من الملاحظات العامة في دراسات غربية حول ذلك: ويمكن القول إن هناك اختلافا واضحا في ميدان الطب النفسي عن ميادين الطب الأخرى في موضوع الأسباب المرضية وتحديدها، وإن كانت النظرة العامة المتوازنة تؤكد على وجود عوامل عضوية ونفسية واجتماعية في ظهور الاضطرابات النفسية، فمن المفيد معرفة أهمية العوامل الاجتماعية ومنها المهنية في تأثيرها على نسبة حدوث اضطراب نفسي معين أو شدته أو سيره، مما يفتح المجال لوضع خطط واضحة تساهم في الوقاية من الاضطراب·
ولقد وجد أنه في المهن الطبية يزداد عدم التوافق الزوجي والطلاق وأيضا الاكتئاب وتبلغ نسبة الانتحار أعلاها في الأطباء اختصاصي التخدير ثم أطباء العيون ثم الأطباء النفسيين وفقا لبعض الدراسات، وتتعدد التفسيرات إذ إنه ربما يكون النصيب الأقل الذي يحظى به طبيب التخدير مقارنة مع الطبيب الجراح من حيث التقدير بمختلف أشكاله في العمليات الجراحية الناجحة إضافة لتحمله العبء الأكبر في حالات العمليات الفاشلة·
وفي المهن الأدبية الإبداعية تزداد نسبة الاضطرابات الاكتئابية بشكل واضح مقارنة مع مجموع الناس، وتشمل هذه المهن كتاب الرواية والقصة والمسرح وكتاب النثر والشعراء، بينما تتقارب نسبة النوبات الاكتئابية الشديدة لدى العلماء والسياسيين والمؤلفين والموسيقيين والرسامين من النسب العامة للاكتئاب في المجتمع، وتتعدد تفسيرات ذلك ومنها طبيعة العمل الإبداعي الأدبي نفسه من حيث الحساسية الخاصة التي يمتلكها الكتاب لأشكال المعاناة المختلفة وتوحدهم مع شخصيات أعمالهم وأيضا تعرضهم لأنواع الإحباط المختلفة وغيرها·
وفي عدد من الدراسات على ربات البيوت تبين أن الاكتئاب يزداد لديهن مقارنة مع النساء العاملات في مهن وأعمال أخرى، وتزداد الجنسية المثلية “الشذوذ الجنسي” لدى الرجال الذين يمارسون المهن المرتبطة عادة بميادين عمل المرأة مثل الخياطة وإعداد الطعام وتزيين الشعر وأيضا في نزلاء السجون وطلبة المدارس الداخلية من الجنسين كما تدل عليه الملاحظات·
وهناك ما يسمى باضطراب الشدة عقب الصدمة وهو يتميز بأعراض القلق والتوتر والأرق وتذكر الفجيعة وغير ذلك وهو يلي وقوع أحداث فاجعة وأليمة مثل الحوادث والموت المفاجئ والحروب والكوارث، وهذا الاضطراب يمكن أن يصيب فئات من مهن مختلفة مثل المهن الخطرة العسكرية، وهنا تبرز أسئلة تحتاج الى المزيد من الدراسة والبحث وهي:
· ما دور المهنة ودرجة تأثيرها؟
· هل المهنة بذاتها من خلال طبيعتها تؤدي الى تعديل وتغيير في الشخص الذي يمارسها وبشكل يؤدي الى تكوين أساليب وعادات مرضية في التفكير والانفعال والسلوك؟
· هل الإنسان يحمل معه الى مهنته ميولا واستعدادات خاصة وصفات في الشخصية تهيئه فيما بعد الى ظهور الاضطراب النفسي؟
· هل تكمن الحقيقة في مزيج بين هذه المحاور الثلاثة وبدرجات متفاوتة؟
إن هناك جوانب أخرى لموضوع المهنة حيث تدل الملاحظات بالنسبة لاضطرابات الشخصية وصفات الشخصية المرضية المرتبطة بالمهنة على أن مهنة المحاسبة مثلا تتطلب الدقة وتطور القدرات الحسابية إضافة للدأب والبرود الانفعالي والتأني والاقتصاد، وهكذا نجد أن صفات الشخصية الوسواسية المرضية يكثر انتشارها في هذه المهن حيث تتضخم الصفات الطبيعية بشكل مبالغ فيه لتصل الى حدود مرضية·
وفي المهن الإدارية وأرباب الأعمال تنتشر نمط الشخصية المسماة بنمط “أ” والتي تتميز بالتوتر والحدة الانفعالية والإحساس المفرط بالوقت وعدم الانتظار والطموح الزائد والرغبة بالإنجاز والتنافس الشديد·
وتتطلب المهن العلمية والبحث العلمي درجات من الانطوائية والبرود الانفعالي والتفكير الذاتي والمثابرة، وفي المهن الرياضية تزداد صفات الاستعراض الجسدي والتنافس والعدوانية·
وقد بينت الدراسات أهمية صفات الشخصية وميولها وقدراتها ومدى ملاءمتها لمهنة معينة واستبعاد مهن أخرى لا تلائمها، مما ساهم في تطوير قياس الشخصية واختباراتها وفي ظهور اختصاصيين ومراكز التوجيه النفسي المهني·
وتمت تطبيقات ذلك بنجاح في سوق العمل والمعاهد الفنية وغيرها، مما يعني أن ممارسة الشخص لمهنة تتناسب مع قدراته وصفاته تعتبر أساسية في نجاحه وتكيفه المهني وفي صحته النفسية أيضا·
ولا بد من التأكيد على ضرورة الاستفادة من قضايا التوجيه المهني النفسي وتطبيقاتها في بلادنا، وضرورة دراسة المهنة وظروفها وعلاقتها بالاضطرابات النفسية المتنوعة في واقعنا العملي، والاستفادة من الدراسات في هذا المجال دون تعميمات خطأ متسرعة·
ولا بد من تعاون المهتمين والمسؤولين في هذا الميدان من الاختصاصيين من أطباء نفسيين ومختصين في علم النفس الصناعي المهني إضافة لغيرهم من الخبراء والمستشارين من أجل تقديم الخدمات النفسية والعلاجية والإرشادية والأبحاث والندوات وتبادل المعلومات والخبرات·
وهذا المجال يعتبر مجالا حيويا ومشوقا ومفتوحا للمساهمة في تطور ميدان “الطب النفسي المهني والوقائي”·
تلك مقتطفات مما كتبه الدكتور حسان المالح في المهنة والاضطرابات النفسية·