· حسني مبارك: سيأتي "لا ديمقراطيون" الى السلطة عن طريق "الديمقراطية"
· بينما لا يملك الأصوليون برنامجا حقيقيا سوى شعارهم الفارغ "الإسلام هو الحل" فإن الحكومات التي تقمعهم لا تملكه أيضا!
· توافق بين أنظمة الحكم والحركات الأصولية على رفض الديمقراطية
· الأصولية تزدهر لأنها تقدم خدمات بديلة لخدمات فاشلة تقدمها دول فاشلة
· الديمقراطية ستنتهي بعد انتخابات لمرة واحدة ينتصر فيها الأصوليون
بقلم: يوسف مايكل إبراهيم
كبير الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن
كشف الاستطلاع التي أجرته مؤسسة “زغبي انترناشيونال” في وقت سابق من هذا الشهر في ست دول عربية هي المملكة العربية السعودية ومصر والأردن والمغرب والإمارات العربية المتحدة ولبنان، عن نتيجتين لافتتين·
الأولى: أن غالبية ساحقة من شعوب هذه الدول قالت إنها لو أعطيت الخيار، لجعلت رجال الدين الإسلامي يلعبون دورا أكبر مما هو عليه الآن·
والثانية: أن أقل من 6 في المئة ممن استطلعت آراؤهم في هذه الدول عبروا عن اعتقادهم بأن الولايات المتحدة إنما تشن حملتها ضد العراق بهدف خلق عالم عربي أو إسلامي أكثر ديمقراطية وعبر نحو 95 في المئة منهم عن قناعتهم بأن الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على نفط العرب وإخضاع الفلسطينيين لإرادة إسرائيل·
وأظهر الاستطلاع الذي رعاه البروفيسور في جامعة ميريلاند شبلي تلحمي، أن الغالبية تعتقد أن الغزو الذي تقوده الولايات المتحدة للعراق سيؤدي الى زيادة الإرهاب بدلا من تراجعه·
الرئيس جورج بوش كان قد وعد بأن غزو العراق وتنصيب حكومة جديدة هناك سيكون “عاملا مساعدا” للتغيير في المنطقة، ولكن ما نوع هذا التغيير؟
على الأرجح أن تأتي الحرب على العراق بأصولية أكثر راديكالية، وليس بحكومات ليبرالية موالية للغرب كما يشير بوش، فالأحزاب الأصولية المنضوية تحت خيمة حركة الإخوان المسلمين، هي القوى الوحيدة المنظمة والتي تمتلك القدرة والطموح لتولي السلطة إذا أصبحت الديمقراطية خيارا في العالم العربي·
أم المنظمات الأصولية
ويشعر القادة العرب بقلق شديد إزاء هذا الاحتمال، فقبل أسابيع عدة وبينما كنت في القاهرة في مهمة لتقصي الحقائق لصالح مجلس العلاقات الخارجية، أجريت حوارا خاصا لأكثر من ثلاث ساعات مع الرئيس المصري حسني مبارك حول سياسات المنطقة والحرب على العراق والسياسة الأمريكية، وعلى الرغم من كونها حليفا وثيقا مع الولايات المتحدة، فإن مصر واجهت ضغوطا من إدارة بوش للقيام بإصلاحات ديمقراطية·
واستشهد الرئيس مبارك بقصة لشرح درجة اختراق الإسلام الراديكالي للحياة السياسية في مصر· وقال إنه حين توفي المرشد الأعلى للإخوان المسلمين مصطفى مشهور في منتصف ليل الخامس عشر من نوفمبر الماضي، أمر الرئيس مبارك أجهزة الأمن والاستخبارات برفع درجة التأهب في صفوفها لمنع عشرات الآلاف من أنصار الإخوان المسلمين من التدفق الى العاصمة من مختلف أنحاء البلاد للمشاركة في الجنازة· ففي الديانة الإسلامية - كما في اليهودية - يحبذ أن يجرى الدفن في اليوم (الأول أو) الثاني للوفاة· ولم يكن أمام الموالين سوى ساعات فقط، لكنهم حشدوا أعدادا هائلة الى التشييع من خلال شبكتهم الســــرية الواسعة·
وتعتبر حركة “الإخوان المسلمين” أم المنظمات الأصولية الإسلامية المتطرفة - إذا أردنا استعارة تعبير صدام حسين - فهذا التنظيم الذي أنشئ في مصر في الثلاثينات قد ساعد على ولادة كل الحركات الإسلامية الراديكالية من تنظيم “القاعدة” بزعامة أســـــامــة بن لادن الى حـــركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في فلـــسطين الى “حـــزب الله” في لـــبنان (!)·
وقال الرئيس مبارك “لقد قام رجال الأمن بإغلاق كل مداخل ومخارج القاهرة، فقد كانت عملية أمنية هائلة ونحن نمتلك أفضل الأجهزة للقيام بهذه العمليات” فقد أعادوا عشرات الآلاف وجرى تفتيش مئات الحافلات واعتقل أصوليون متطرفون معروفون أو أعيدوا الى المناطق التي قدموا منها، وأكمل الرئيس قائلا “ومع ذلك، حضر الجنازة أكثر من 80 ألف شخص من أعضاء حركة الإخوان المسلمين”· وهنا توقف الرئيس مبارك قليلا وأشار لي بأصبعه قائلا “حين يتحدث الأمريكيون عن الديمقراطية في الشرق الأوسط، فمن يعتقدون سيتولى السلطة؟ هل سيتولاها ديمقراطيون؟” لا، بل سيسيطر على السلطة في القاهرة وعمان والرياض وفلسطين، الجماعات المنبثقة عن حركة الإخوان المسلمين·
ولدى الرئيس مبارك مبرر للشعور بالقلق، ففي ظل المشاعر السائدة في العالم العربي اليوم، فإن الديمــقراطية قـــد تقود الــــى انتخــابــات لمرة واحدة ينتصر فيها الأصوليون الراديكاليون·
لقد حدث ذلك في الجزائر عام 1992، الأمر الذي أجبر الجيش على التدخل لمنع ظهور نتائج الانتخابات واستئناف حكمه الدكتاتوري العفن· وكانت النتيجة اندلاع الحرب الأهلية التي أودت حتى الآن، بحياة أكثر من 100 ألف شخص·
دول فاشلة
وفي كل مكان من الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، بما في ذلك أماكن مثل باكستان وأندونيسيا، تتنامى الحركات الأصولية بفضل الخدمات الاجتماعية والطبية والتعليم الديني التي تقدمها المجموعات الإسلامية كبديل عن الخدمات الفاشلة من قبل دول فاشلة·
ولكن الأصولية لا تجذب الفقراء فقط، فمعظم زعماء حركة “الإخوان المسلمين” هم من خريجي الهندسة والطب، ومن أناس يعتقد المرء أنهم أقل ميلا لاتباع الدين بشكل أعمى، فأسامة بن لادن مهندس ونائبه أيمن الظواهري كان طبيبا ناجحا، ومحمد عطا، الذي قاد الهجوم على مركز التجارة الدولي، كان مهندسا معماريا يجيد الكـثير من اللغات·
وفي حين يجني الأصوليون المتطرفون مزيدا من القوة، ينتشر الشعور بالنفور في أوساط النخب الحاكمة والفعاليات الاقتصادية والأكاديمية والأوساط الفنية والقيادات الدينية المعتدلة، الذين يعتبرون الأصدقاء الطبيعيين للولايات المتحدة والذين يمكن أن يشكلوا بديلا ليبراليا، وخذ مثلا الشيخ محمد سيد طنطاوي رئيس جامعة الأزهر، كنموذج للعالم المعتدل، فقد تمكن على مدى السنتين الماضيتين من إقصاء الوعاظ المتطرفين من جامعته، بالرغم من الصعوبات التي واجهها، ومع ذلك، دعا طنطاوي عشية الغزو الأمريكي للعراق، الناس للخروج الى الجهاد ضد الولايات المتحدة·
ويبرز الغضب في الثقافة الشعبية أيضا، فالمطرب الشعبي الأبرز شعبان عبدالرحيم وهو رجل أمي، باع من شريطه “أنا بكره إسرائيل” أكثر من خمسة ملايين نسخة، ومسرحية “ماما أمريكا” للفنان محمد صبحي التي تقدم نقدا ساخرا للولايات المتحدة ما زالت تعرض على مسارح القاهرة منذ أشهر عدة·
الإسلام هو الحل!
وفي جميع أرجاء المنطقة، يحدث الشيء ذاته، ففي الأردن، تكاتفت حركة “الإخوان المسلمين” مع الحركات الإسلامية الفلسطينية على أمل تحفيز الفلسطينيين الذين يشكلون 70 في المئة من سكان الأردن، لدعم إخوانهم في الأراضي المحتلة، وفي المملكة العربية السعودية، حيث تزدهر الحركة الوهابية، لا تزال لرسالة بن لادن بريقها، وبالرغم من نفي الأسرة الحاكمة في المملكة، يعرف المواطنون السعوديون أن القوات الأمريكية تستخدم القواعد السعودية للعمل ضد العراق·
وحتى سورية، فبالرغم من المعروف عن النظام بسجن المعارضين، تبذل جهودا فضية لاحتواء خطر الراديكالية الإسلامية، وبالنظر الى المخاوف من انتشار نفوذ الأصوليين في كليات الطب، ألقى الرئيس السوري بشار الأسد سلسلة من الخطابات التي يحاول فيها الفصل بين العلوم والدين·
ويقول مقربون من الرئيس السوري إنه حاول التشديد على أن الدين الإسلامي يشجع على إثارة التساؤلات عن المعتقدات وليس القبول الأعمى بها·
وتدفع تنامي الإسلام الراديكالي قوتان: الأولى، الغضب من أن الدول المفلسة في العالمين العربي والإسلامي لم تقدم لشعوبها شيئا سوى القمع كالذي مارسه حافظ الأسد لسنوات، والثاني، عدم الثقة العميقة بنوايا الولايات المتحدة وسياساتها تجاه الفلسطينيين والعراقيين والمسلمين عموما، قبل وبعد 11 سبتمبر، ففي الاستطلاعات التي أجريت على مدى العامين الماضيين، وضع العرب والمسلمون المسألة الفلسطينية في موقع مهم جدا، وإن لم يكن مركزيا، في موقفهم المناهض للولايات المتحدة·
ولا شك أن الأنظمة في العالمين العربي والإسلامي تساهم من خلال استمرارها في سياستها الفارغة فيما أعتقد أنه سيكون نهايتها، ففي حين أن الأصوليين الإسلاميين لا يملكون برنامجا اجتماعيا حقيقيا، باستثناء شعارهم الفارغ أن “الإسلام هو الحل”، فإن الحكومات التي تعمل على قمعهم لا تمتلك مثل هذه البرامج أيضا·
وبدلا من ذلك رعت الفساد ومارست الإهمال الاجتماعي على نطاق واسع، فالديمقراطية آخر اهتمامات الجهتين·
ويعتقد الأصوليون أن الديمقراطية تتناقض مع الإسلام كما أن الحكومات الحالية ليست على استعداد للتخلي عن كرسي الحكم·
والأهم من كل ذلك، أن أحدا في الشرق الأوسط لا يعتقد أن إدارة بوش تسعى لجلب الديمقراطية الى المنطقة·
وما زلت أتذكر ذلك العشاء الذي جمعني بأمير سعودي بارز في أحد مطاعم العاصمة الرياض بعد أن وصف الرئيس جورج بوش رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بأنه “رجل سلام”، نظر إلي الأمير السعودي الذي تلقى علومه في الجامعات الأمريكية وقال متسائلا: “هل بهذه الطريقة يعمل أصدقاؤكم الأمريكيون لكسب الأصدقاء في المنطقة؟”، لقد كان يتحدث عن أصدقائه الأمريكيين أيضا·
“ نيويورك تايمز “
___________________________________________________
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
saleh@taleea.com