
في اليوم السادس من الحرب وصلتني هذه الرسالة من صحافي عربي: "العزيز الشاعر تحايا عميقة، أرجو أن تكون معنوياتك مزدهرة، بالرغم من كل هذا الدمار، لا أدري هل هناك إمكانية أن نتعاطى معك صحافيا حول المحور التالي: كثير من المثقفين العراقيين خاصة الذين يعيشون في المنفى عبروا أكثر من مرة عن رغبتهم في هذه الحرب التي تشتعل الآن، مدفوعين بحلم التخلص من استبداد النظام ·· في رأيك إلى أي حد تبدو هذه الرغبة مشروعة، في ظل كميات الدمار التي ستخلفها هذه الحرب على شعب بأكمله، وبغض النظر عن استبداد الحاكم أو عدله، من جهة أخرى، كأنما تمنح هذه الرغبة في التدخل الأمريكي وجها آخر لأمريكا، وجها غير متغطرس ولا خارج على الشرعية الدولية كما هي بالنسبة إلى العالم كله، بل وجه يحمل في طياته الخلاص وإرساء العدل والحرية والسلام ليس في العراق فقط بل في باقي دول المنطقة وهل تستطيع أن تتصالح مع هذه الصورة لأمريكا؟ هل تستطيع أن تتحدث عن مشاعرك الآن كشاعر وقبل ذلك كإنسان عراقي يعيش في المنفى فيما وطنه في حالة حرب شرسة؟ هذا وتقبل محبتي"
يقول الرجل إذن رأيه بصراحة ويريد أن يدفعني لقول ما يريدني قوله، لكن الرسالة تنطوي على شيء من الاستفزار وفيها الكثير من التهمة الباطلة للعراقيين في المنفى، خاصة جرأتها في قول إن الكثير منهم عبر عن رغبة بهذه الحرب، تمالكت أعصابي وكتبت له:
لا أحد يريد هذه الحرب، سيكون ضرباً من الجنون وربما الخيانة الوطنية أن يعلن رجل عاقل عن رغبته بحرب مثل هذه، لا أعرف مثقفاً عراقياً واحداً أعلن عن رغبةٍ بحرب مثل هذه، لقد شنَّ صدام حرباً علينا منذ أكثر منذ نصف قرن، ولم يكن أحد من إخوتنا العرب يريد أن يسمع صوتنا، مغنية الحي لا تُطرب، وحتى هذه اللحظة المأساوية تستبعد الفضائيات العربية العراقيين من مجال عملها، الكل يتحدث باسمنا، الفضائيات تستضيف الجميع سوى العراقيين، خبراء لا يعرفون لا جغرافية العراق ولا لهجته ولا تاريخه، المعلق العربي المقيم في أوربا يسمّى الناصرية (الناصرة) والمسيّب (السيب) لأنه يترجم بشكل رديء من مصادر أجنبية، ولأنه لم يستمع البتة لأغنية ناظم الغزالي (على جسر المسيب سيبوني)· الشعب العراقي مستبعد في حين أن الشعراء والمثقفين العراقيين هم ضميره الحيّ الذي لا يصغي لخرير روحه أحد، إدامة استبعاد العراقيين الآن هي واحدة من أكبر مهازل العقل العربي المعاصر، وفي رفع صور الطاغية صدام حسين في تظاهرات صنعاء وغزة وبيروت مسٌّ بمشاعر النبلاء من العراقيين، كما يقع فيه تحدٍ ووعيٍ ساذج، وعيٌ ساذجٌ يشابه (ولكن بالمقلوب) وعي السيد بوش الذي يضع الخير في جهة والشر في جهة، يبدو أن أمتنا لم تجد مخلصاً لها من انحطاطها الراهن سوى صورة الجلاد الذي قاد إلى الكوارث، لا أحد رحَّب أو سيرحب بغزو العراق، لكن قبل ذلك لا ينبغي وضع الحصان أمام العربة: النظام في بغداد هو من جلب الغزاة وليس والدتي الطيبة في بغداد، كيف تستطيع الأمة العربية اليوم أن تساوي بين الحاكم المستبد والحاكم العادل؟ هذا المنطق لا ينسجم مع العقل، سترينا الأيام أن مصطلح (المستبد) لا ينطبق على حالة صدام حسين لأن الرجل ببساطة جلاد استثنائي في التاريخ كما سيدرك العرب بعد فوات الأوان، لا يمكن لجلاد أن يكون منقذاً وطنياً، لقد بُحَّتْ أصواتنا ونحن نقول البداهة، ليس من شأننا تقديم صورة حسنة لأمريكا، صورتها شائنة، لا ينبغي إلقاء التهم جزافاً في وجوه المثقفين العراقيين، إني أصف صورة الحال وحسب، لم يترك النظام لي (لكي لا أتكلم بصيغة الجمع وأعبَّر عن نفسي لوحدها) فسحة أخرى غير انتظار لحظة سقوطه المدويّ لكن الصعب، لو أن التظاهرات التي خرجت في تأييد صدام الحسين أخيراً قد خرجت في تأييد مبادرة الشيخ زايد الجريئة في تنحيته عن السلطة لعبرت هذه الجماهير عن وعي رهيف وحسٍّ تاريخي، أيان لها·
الوعي السياسي العربي السائد هو وعيٌ (حماسيّ) في المقام الأول ومتأخر عشر سنوات على الأقل عن المعطيات الموضوعية، وهو ما أثبتته تجربة هذا الوعي مع الحالة العراقية منذ الحرب الإيرانية العراقية وليومنا التعيس هذا، المتظاهرون يريدون بطلاً طال انتظاره بينما صدام حسين يتوهم الأوهام عن نفسه بصفته بطلاً قومياً سينقذ أمة العرب، لكنه لم يفعل سوى إذلالها ووضعها تحت الجزمة الأمريكية كما فعل سنة 1991 بالضبط، معطيات 1991 فيما يتعلق بوعي النظام لم تتغير قيد أنملة، لقد ازداد فقط معرفةً بقوانين اللعبة وشروط الحرب وتمرّس فيها، في فضائيات العالم العربي ثمة صحافيين حماسيين مهووسين بخطاب دعائي في جوهره لصالح النظام وليس لصالح الشعب العراقي، ولا يقدم من الحقيقة إلا نصفها، عندما حاول أن يقدمها كلها فقد طردتهم وزارة الصحاف من البلد شر طردة، ما يحدث الآن في العراق هو غزو أجنبي مدان لكن ما يحدث من استبعاد للصوت العراقي الذي يمكن أن يضيء الجانب الآخر من الصورة مدان تماماً، خطاب كثرة من الصحافيين إنشاء مدرسي ويضمر البعض منهم للأسف وجه صدام حسين ولكن بلغة أكثر اعتدالاً، لم نسمع منهم إلا اليوم بعد اشتعال الحرب أن حاكم بغداد مستبد، اليوم فقط بعد أن وضعنا النظام وإياهم في ورطة كبيرة، إنهم لا يستطيعون حتى على طرح أسئلة مغايرة على محمد سعيد الصحاف، أنفاسهم عالية خوفاً منه لكن ألسنتهم طويلة معنا·
الأمريكيون ذاهبون بغيهم والمتظاهرون ومعهم جمهرة من صحافيي الفضائيات ذاهبون بغيٍّ مماثل وغيبوبة للوعي لن تدوم كثيراً····ومعذرة على حرقة هذه الرسالة·
شاكر لعيبي (شاعر عراقي)
عن “إيلاف”