
أنوار الكعبة
لن تتمالك دموعك حين تصافحك أنوار الكعبة المشرفة· ستفاجئك قشعريرة حنونة ويهز قلبك الشعور الآسر أنك في رحاب الله قريباً منه· لحظة نادرة تفصلك عن الدنيا وما فيها من مباهج ومآس· ستنسى من أنت؟ من تكون؟ من أين جئت وكيف تعيش؟ أنت هنا مجرد جسد وروح لا تملك أمر نفسك· مجرد عبد للذي “خلقك فسواك فعدلك”· لا فرق بين غني أو فقير· أبيض أو أسود· فالأقرب عند الله هو التقي· وأنت في بقعة الضوء لا تحمل إلاّ نور نفسك أو ظلامها· إيمانك - القوي - الذي ستثبت عليه أو إيمانك - الضعيف - الذي سعيت لتقويّه وتنال رضا الخالق عليك· في لحظة ستجد نفسك مدفوعاً بكل خشوعك أن تبادر بالسلام، بالتكبير وبالدعاء· كل ما هو سجين داخل قلبك، روحك، عقلك وضميرك سيفيض كما السيل وأنت بين سيول البشر الآتين من كل فج عميق· متلاصقين رجالاً ونساء· شيوخاً وشبابا· عجائز وأطفالاً· تتخالط الألوان والأعراق والروائح· تنسى كل شيء إلا أنك في رحلة طوافك وفي حضرة الله ترجو الأمان لنفسك وأنت خاضع بصدق· ولكن!! من أين يأتي السلام والهدوء؟ كيف لك أن تحقق خشوعك وتسرب دمعك السخين؟ أين اللحظة التي حلمت بأنها ستقربك من ربك! لن يتحقق لك هذا، سوف تنحر لحظتك مفاجآت عجيبة، وهذا ما يحدث مع الأسف الشديد·
موسيقى·· ومنغصات
سوف يصيبك فزع الأصوات المنبعثة من - الموبايلات - موسيقى راقصة، كل نغمات العالم ستلاحقك· ستضطر أن توجه نظرة ساخطة لمن يقاربك فقد يخجل ويغلق هاتفه· لكن الطامة الكبرى حين يفتح خطه ويباشر بالحديث وتسمع حكايات وأسرار· تندفع لتبتعد وتشق طريقك بين الزحام وأنفاسك تختنق· لكن هاتفاً آخر يلاحقك· وبلغة أخرى مختلفة· ولا يقتصر الأمر على أصحاب الوجاهة· حتى القادمون من دول فقيرة يحملون أجهزتهم وموسيقاهم ولغاتهم· سينتهكون لحظة خشوعك ويستفزونك، وقد يعترض على غضبك من يهمس لك: لا عليك، واصل طوافك ولا تعط بالاً لهؤلاء· لكن الحال الذي يحاصرك ويضايقك يجعلك تعلن احتجاجك· أو تكتم لعنتك على هذه الظاهرة المؤسفة فتحمل وزر غضبك ولعنتك، وليس هذا المنغص الوحيد· ففي طوافك لا تستقيم خطواتك· ستتعثر كل لحظة بالأحذية و”شباشب زنوبة” الفارّة من الأقدام، مما يعني أنهم دخلوا صحن الحرم بـ”المداسات” فأين الاحترام لبيت الله؟! وأين المسلمون من تعلموا فروضهم الخمسة ويعرفون أن للمناسك قدسيتها، لماذا لا يطبقون أخلاق الإسلام؟ وإن كنا نرفض مقولة البعض الذي يجد لهم الأعذار بأن السبب في ذلك هو “الجهل” فلن نعذر القائمين من المفتشين عند أبواب الحرم، من يستلون الكاميرات ويتركون الموبايلات والبياجر، وليت الأمر يقف عند هذا الحد، فهناك مصائب أدهى، وأكثر مرارة!
حمام مكة
آه يا حمام مكة الجميل، يرف بأجنحته البيضاء كمن يود لو يهديك مزيدا من السلام لروحك· “فوقنا حمام الحمى، عدد نجوم السما، طاير علينا يطوف، ألوف تعانق ألولف” هذا الحمام - البهيم - كان أنقى، وأرأف بأرض الكعبة، تلك الألوف منه تأبى أن تسقط ريشة، أو تنز بقايا جوفها لن تجد نقطة تشي بأن الحمام اخترق أصول الأخلاق، وقدسية المكان، نعم·· خجل حمام مكة، ولم يخجل المسلمون، كنت ترى الباصقون، والمتمخطون يمارسون التخلص من - قذارتهم - ليملأوا أرض الحرم، في الصحن وفي الطوابق العليا، والناس حفاة يدوسون عليها أو يتزحلقون بها تراهم يحملون حقائب بالتأكيد فيها ما يسد عطشهم أو جوعهم، فلا يجدون فيها مكانا لوضع أوراق كلينكس أو مناديل أو خرقة صغيرة تحمي أرض الحرم وتحمي الحجاج من - القرف - الذي يصيبهم، وإن كان هذا حال الحرم القدسي فكيف حال خارجه؟ إنك لن ترى غير ركامات القمامات في كل الطرق، على الأرصفة، تحت الجسور، الأسواق، وكذلك أماكن أداء المناسك في “منى” بين الخيام البيضاء الرائعة التي زرناها قبل المناسك، وكانت ترفل ببياضها ونظافتها، وما أن دخلها الحجاج حتى تحولت الى شيء آخر أخجل أن أسميه، كذلك في “المزدلفة” ويوم عرفة ورمي الجمرات ستجد حتى بقايا الأرز واللحم مضافة للنفايات، أما الحمامات، فكانت المأساة الكبرى، إنها بؤرة لكل ما تتصوره من مخلفات الإنسان، ومن الأوراق، و”البمبرز” و”الفوط النسائية” لمن فاجأهن “الحيض” هناك، هذه القمامات التي تحاصرك في الطريق وحول الخيام والحمامات، ستجعل السؤال الحارق رغما عنك يجرش بأعصابك: هل هذه أمة الإسلام؟ هل هؤلاء هم “خير أمة أخرجت للناس؟” هل هؤلاء من تعلموا أن “النظافة من الإيمان” وقد حث ديننا الحنيف عليها هل هذا جهل آخر؟ وهذا السلوك لا يقتصر على الفقراء ولا الجهلاء وحدهم·
مقارنة
رغم ما أوتيت من قوة الإيمان، إلا أنك ستجد نفسك مضطرا الى المقارنة، وهذا ما يضاعف جرح شعورك كمسلم، وحسرتك على أن هذه المشاهد أصبحت سمة لأمة الإسلام، ستتذكر أنك وقفت يوما في ساحة الفاتيكان والبابا يخطب في الجموع الغفيرة، وما أن تفرغ الساحة حتى ترى الأرض لامعة ونظيفة، ستتذكر وأنت في مسجد الحرم المنتهكة نظافته، أنك دخلت آلاف الكنائس كسائح فوجدتها نظيفة مصانة ستتذكر وموسيقى الموبايل تخدش خشوعك، ذلك الخشوع الذي يمارس الآخرون فيه صلواتهم لنكن واقعيين ونعترف بقصورنا، إن هذه المقارنة ستجعلك تأسف، تتألم، تتفتح جروحك، وتتمنى لو أن - صاعقا - يأتي ليفيق المسلمون من جهلهم، وتثور غيرتهم على دينهم فيجاهدوا ليس بالصلوات والصيام والحج وحدهم، بل أيضا - وهذا الأهم - التمسك بروح الإسلام، وأخلاقه، ولن نغفل الشكر للمملكة العربية السعودية التي هيأت كل الوسائل ففي كل خطوة سلة للمهملات وعند كل باب من أبواب الحرم مكان للأحذية، فما الذي لا يجعل الحجاج يلتزمون؟ لقد تمنيت في آخر يوم لو أن ملايين المسلمين الذين أدوا فريضة الحج، يتجمعون ويجاهدون ويقوموا بعملية تنظيف جماعية لما خلفوه من أوساخ إنه لعمري خير جهاد يقومون به، هل اقتصر الأمر على الذي ذكرت أم هناك أشياء أخرى؟ بالطبع هناك ما يحتاج الحديث عنه·
ليلى العثمان
laial_alothman@hotmail.com