كريم يكتم فرحا غامرا·· الآن
نشمي مهنا
يختبئ بعض المثقفين العرب الآن وراء المراوغة الحوارية، والانحراف الى اتجاهات آمنة، ولفلفة الأحاديث، بعد أن أتقنوا الظهور الإعلامي المضيء على شاشات الفضائيات، فوسط حريق مرعب يأكل سماء بغداد وأرضها ما زالوا يحاولون تغيير ملامحهم تحت رمادها المتساقط، ويتذاكون في حمل جمرات العراق بأكف ثلجية·
هم ذاتهم، كانوا يمارسون لعبة الاختباء نفسها أيام غزو الكويت عام 1990، لكن ساحتها كانت أوراق الصحف كوسيلة وحيدة حينها، مادتها حرف “رمادي”، يدين الغزو ويرفض التحرير أو الاستعانة بالقوات الأجنبية·
تغيرت الوسيلة الإعلامية، وسط تراكض الأحداث وتدافعها، ولهاث القارئ / المشاهد وراء جنون سرعتها، أو اختبال دراما مشاهدها، فلم يعد الحرف البائت، كالصورة الطازجة·
ولكل “مقام” إعلامي صورة تليق به، وتؤقلم مقاساتها بحدود إطاره، إنما يبقى المضمون المراوغ هو ذاته·
ü ü ü
مساء الثلاثاء الماضي، عرضت لنا شاشة “المستقبل” لقاء مع المعارض العراقي فخري كريم، بضيافة برنامج “خليك بالبيت”، ومقدمه زاهي وهبي، تحدث فيه الضيف أو حوصر في شأن واحد، هو “الاحتلال الأمريكي للعراق”!
كنا نتوقع - ونحن مسمرون أمام الشاشة - أن نسمع من فخري كريم شيئا آخر، لما عرف ونعرف عنه من صراحة، وجرأة، و”فوران دم”، لكننا ظللنا محبطين على مدى ساعتين أمام السهام الحوارية الطائشة التي لم تصب قلب الحدث·
جمعني لقاء حميمي مع الأستاذ فخري كريم، ومأدبة عشاء دمشقية أقامها “الكريم” كريم لمجموعة أصدقاء كويتيين وعلى شرف صديقه أحد أساتذتنا المثقفين في زيارة خاطفة الى دمشق·
كنت ضمن الحضور، واستمعت الى جرأة حديثه وحرارته، وحنينه للعودة الى العراق بعد منفى قسري أكل من سنوات حياته الكثير·
لكريم دور ثقافي واضح، وسياسي أهم، ولا أحد من العرب باستطاعته - بالطبع - أن يزايد على عراقيته، سوى هؤلاء المتباكين على شاشات الفضاء، المقتاتين على فتات الأوهام البطولية، أو المستمتعين بتقليب “ريموت” القنوات الفضائية، لالتقاط مشاهد وأخبار يتداولون تحليلها (كخبراء)، مطالبين العراقيين برمي أرواحهم وسط أتون جحيم الحرب حتى وإن تحللت أجسادهم، أو خمدت أنفاسهم·· لا يهم، ما دامت النيران قد التزمت حدود العراق الجغرافية، ولم تتعداها إليهم!
فخري كريم استسلم لمحاصرة مقدم البرنامج زاهي وهبي له، في زاوية واحدة، فعاد وكرر، وأقسم وأغلظ، بالرغم من أنه لم يكن محتاجا لإظهار هويته الوطنية، بشتم الأمريكان، كان يكفيه - كما كنا نتوقع - أن يتحدث كمعارض عن مأساته التي هي نسخة أخرى لمعاناة أربعة ملايين عراقي مشردين في الخارج، وشعب بأكمله داخل العراق· لكنه لم يفعل·
دفعه زاهي الى ذلك، وأكثر، حينما تحدث عن زيارات “البعض” لدول رجعية (!)، ولم ينتبه أن هناك أنظمة جماهيرية أكثر رجعية (إن سايرناه بتلك الصفة) تستضيفه!
فخري كريم، أردناه كما عرفناه، لا أن يكتم فرحا غامرا في قلبه، وهو ينتظر ساعة الخلاص التي يرقبها العالم الآن·· وقد دنت·
nashmi@taleea.com