رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 2 صفر 1424هـ - 5 أبريل 2003
العدد 1571

الاستشهاد بالشعر الستيني·· وقصيدة السقاف
مطالبات عبدالكريم قاسم لم تستقر في الوجدان الشعبي العراقي ولا في شعره

                                                                                

كتب المحرر الثقافي:

الشعر ضمير الأمة، ومراياها الصادقة في تصوير حقيقة قضاياها وهمومها وطموحاتها، وتخليد أهم الأحداث التي تمر بحياة الشعوب، ولو تاريخيا، وبالرجوع الى ديوان الشعر العربي لأي حقبة زمنية، يجد القارئ صورا حية لتلك الأحداث·

ولو تصفحنا ديوان الشعر في العراق، خلال فترة الستينات، وتحديدا في فترة حكم عبدالكريم قاسم، حينما أثار ادعاءات باطلة حول أحقية العراق بضم دولة الكويت (في العام 1961)، فهل نجد في الشعر العراقي ما يدعم أو يروج لهذا الحدث السياسي؟

في بحث قيم نشرته مجلة “الجوار التاريخي” (العدد الثاني - 2003) يستقصي الكاتب العراقي محمد علي جهاد هادي هذه المسألة، من خلال البحث في “الميراث” الشعري لأبرز شعراء العراق، مثل محمد حسن الطالقاني، بدر شاكر السياب، شاذل طافة، عدنان الراوي، شفيق الكمالي، محمد جميل شلش، هلال ناجي، علي الحلي، عبدالقادر رشيد الناصري، خالد الشواف، نازك الملائكة، حازم سعيد، عبدالهادي الفكيكي وغيرهم·

في بحثه، يسعى الكاتب هادي لالتقاط أثر ذلك الحدث (المطالبة بضم الكويت) من ثنايا صفحات الدواوين الشعرية، محاولا التوصل الى “مدى حملها لخصائص خطوة المطالبة القاسمية سلبا أو إيجابا، مدحا أو ذما، فعلا أو انفعالا، تأثيرا أو تأثرا، ومن خلال هذا السعي المضني لم يجد الباحث ما يشير الى تأييد الشعراء العراقيين أو احتفائهم “بالمطالبة”، بل يتوصل الكاتب في بحثه الى نتيجة مهمة، وهي أن شعراء السلطة في الحقبة “القاسمية”، رغم اهتمامهم الشديد في ترديد شعارات الحاكم وتعميم سياساته شعرا، لم يكن مثل ذلك الحدث يلاقي في نفوسهم تحريضا على الكتابة، أو حتى مجرد اهتمام·

ويبدأ الكاتب هادي في شريحة الشعراء العراقيين المؤيدين لنظام عبدالكريم قاسم، مثل عبدالصاحب شكر وعبدالمهدي مطر اللذين دبجا مديحا مطولا في شخص الحاكم وسياساته، وتناولت قصائدهم في أغلبها تأييد قاسم في استبعاد القوميين ومحاربتهم، حتى أن الشاعر الطالقاني في قصيدة له يستنكر محاولة اغتيال قاسم الفاشلة، قائلا:

ضيّق على أعداء شعبك أنهم

لا يصلحون وما لهم من هادي

يا صاحب القلب العطوف نصيحة

أسديتها أملا بخير بلاد

فاعمل بها تجد العلوج مطيعة

واصدع بأمرك·· تلق شعبك فاد

والطالقاني في قصيدته يستحث قاسم الى محاربة أعداء الشعب، الذين وصفهم بـ “علوج”!!

ويستغرب الكاتب على شاعر واسع الثقافة مثل الطالقاني يذكر في قصائده أدق التفاصيل أن يغفل عن “المطالبة بضم الكويت” كقضية تحسب في رصيد قاسم القومي، كما ادعى هو نفسه حينها، وكما تراها السلطة العسكرية الحاكمة آنذاك·

ويقول الكاتب “فبماذا نفسر سكوت الشاعر وغفلته عن هذه النقطة بغير ما هو طبيعي ينساق إليه ذهن الباحث المنصف من أن خطوة المطالبة القاسمية لم تجد لها صدى في الوجدان الشعبي، الأمر الذي يحول دون انسياق الذهنية الشعرية المنفعلة بكل ما هو جديد وخارق من الأحداث، الى مثل هذه الموضوعة المدعاة”·

ويصل الكاتب الى أن عدم تطرق الشعراء المؤيدين لقاسم في تلك “المطالبة” هو دليل على عدم أهمية القضية وعدم قناعة الشعراء بشرعيتها أساسا، وإلا لترددت وتكررت في الملف الشعري العراقي في فترة الستينات الذي يضم - مثل كل البلدان - أهم الأحداث السياسية، بالإضافة الى أي شأن آخر ولو صغر تأثيره، أملا في زيادة مناقب الحاكم لكسب وده·

ويخص الكاتب هادي جزءا من بحثه للشاعر الراوي كأحد القوميين، الذي لم يكن مع وفاق مع قاسم، إلا أن الكاتب يفترض أن قضية المطالبة كان أولى أن تجد لها صدى في الشاعر نفسه ومبادئه “التي تتناغم وتوجهات الشاعر القومية في رفض التجزئة”، وإغفال الشاعر لتلك القضية يعطي دليلا واضحا على “عدم ارتكاز قضية المطالبة بالكويت في أذهان حتى أولئك القوميين”، رغم أن الكثير من القوميين من ذوي الوعي السياسي يرون مثل هذا الضم القسري، وهذا “الاحتلال” خروجا على المبادئ الحقة التي يؤمنون بها·

ويستمر الكاتب في إيراد شواهد كثيرة تدعم فكرته فـ “من خلال هذه النماذج لشريحة المعارضين ونماذج أخرى لا يسع المقام للتطرق إليها، يتوصل القارئ الى أن مسألة مطالبة عبدالكريم قاسم بالكويت لم تكن ذات بال في الوعي الشعري والسياسي لشعرائه المعاصرين له، وأنها ليست قضية وطنية عامة مرتكزة في أذهان أولئك الشعراء الذين لم يدعوا حدثا أو قضية مست بنية الواقع السياسي والاجتماعي، إلا وتطرقوا إليها متخذين منها مادة لنشاطهم السياسي ونتاجهم الإبداعي·

وأهم ما تطرق له الكاتب، حديثه عن مشاركة الشاعر الكبير الأستاذ أحمد السقاف في مهرجان الشعر العربي السادس المقام ببغداد (عام 1964)، حيث يجد - ونجد معه - في تلك المشاركة ما يدعم مضمون البحث·

ففي ذلك المهرجان الشعري ألقى الشاعر السقاف قصيدة بعنوان (بنت بغداد)، تغنى فيها بتاريخ العراق وأمجاده ودوره الحضاري في رفد إبداع الأمة العربية، ثم أخذ السقاف بقصيدته وجهة أخرى، حينما بدأ بهجاء عبدالكريم قاسم وفترة حكمه، بشكل قاس، وذلك من خلال وصفه بالجنون، والجهل، والعبث بالوحدة الوطنية، وسفك الدماء، وغيرها من مفردات كان يستحقها ذلك الحاكم بالتأكيد، إلا أن تعجب الكاتب يعود الى ردة فعل الجماهير الحاضرة، وشعراء العراق، وصمتهم أمام قصيدة الشاعر السقاف الهجائية، لحاكم لم يمض سوى عام واحد على الانقلاب عليه، وله الكثير من المؤيدين في قاعة المهرجان!

يقول السقاف في قصيدته:

الناصبون من الجنون زعامة

            والهاتفون لجاهل ثرثار

والمطلقون حبالهم لزعانف

            جعلوا الحبال لهم أجل شعار

والراكضون الصائحون كأنهم

            أجناد (هولاكو) أتوا لضرار

والعابثون بوحدة وطنية

            كانت على الأيام خير منار

والشاربون من الدماء، وقد غدت

            تجري بما اقترفوه كالأنهار

من كل إمعة وكل مضلل

            يسعى الى التخريب في أشرار

يأبى الوفاء وليس في قاموسه

            ألفاظ معروف وحرمة جار

ملأ العراق مآتما، وأباحه

            للرعب والنكبات والأخطار

مد تداركه الإله بجزره

            من بعد ما تعبت يد الجزار

فاذا الأسود تهب من ثكناتها

            وعلى طلائعها أبو الثوار

ويقول الكاتب هادي “فالشاعر (السقاف) يلغي كل منقبة لقاسم، ويلقي على عاتق حكمه كل دمار حل بالشعب العراقي، وهذه المصادرة لا بد أن تستفز الشعراء، خصوصا أولئك المؤيدين لقاسم، وكان من الأحرى والأجدر بهم أن ينبري أحدهم على الأقل للرد على الشاعر السقاف، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، الأمر الذي يؤيد عدم وجود رصيد جماهيري أو نخبوي لخطوة قاسم في المطالبة بالكويت”·

 

طباعة  

مغنية الحي لا تُـطرب
لماذا يتحدث الجميع باسم العراقيين في غالبية الفضائيات العربية؟

 
وتد
 
رحـلة الـحج (4)
 
نـــــص