
رحــلـــة الـحــج (2)
ليلى العثمان
“مكة وفيها جبال النور·· طالة على البيت المعمور” الطريق ساعتان· مع الزحام سيمتط إلى ثلاث ساعات أو أكثر، تتصور أن الحملة حسبت حسابها لهذا الوقت أو ما قد يضاف إليه من مفاجآت الطريق، لكن الباص خال من الماء، الشاي، القهوة، حبة تمر أو كسرة بسكويت - كما فعلت الحملات الأخرى - حمام الباص مغلق! تم الاعتراض منذ اللحظة الأولى، فوعدونا خيرا، أنت داخل الباص·· عيناك تتابعان الطريق، الجبال السوداء تحاصرك، أفواج وأفواج من سيارات وباصات الحجيج، تشتهي النوم، لكن التعب يجعل كل عضلات جسدك ترفسك ولا تحقق لك الراحة، وتأمل أن تصل إلى الفندق لتحظى بها، لكن مسلسل التعب يلاحقك والمفاجأة بانتظارك·
عفار الرحلة لصيق بك، عرقك، تعبك، تذمرك، تشتهي أن تغتسل وتزيل عنك أوجاعك وتغير ملابسك، تفاجأ أن الحقائب لم تصل، وتعلمك الحملة أنها ستتأخر لما بعد العاشرة، عليك إذا أن تذهب بعفارك لأداء العمرة، أن تشتعل غضبا، أو تزمجر ضجرا أو تتساءل محتجا، كل هذا لن يفيد، فلن يطفئ حريقك أحد! عليك أن تتحمل والاعتذارات تلاحقك لدرجة أنك تخجل من أصحاب الحملة، وتسلم أمرك لله، وللوعد أنك ستجد الحقائب بانتظارك بعد العودة من الحرم، لكنها لم تصل إلا بعد منتصف الليل بسبب تأخر الباص!·
التنظيم·· البوفيه
قد يخفف من متاعبك أنك ستسد جوعك القاتل حيث مكان الطعام في - الروف - وهناك ستجد الاستعدادات الكاملة الرائعة، الصالة الكبيرة المجهزة لطاولات البوفيه· وأخرى بطاولات الجلوس المترتبة جيدا، صالة أخرى مفروشة بالسجاد والأرائك للصلاة وجلسات المحاضرات، الملصقات موزعة بعناية وأناقة على الجدران وحتى أبواب الأسانسير وداخله، آيات قرآنية، أحاديث نبوية، معلومات منوعة وتوجيهات وجداول الرحلة، جوعك المشتهي اللقمة سيدفع بعينك تصطاد الأنواع والكميات المرصوصة من الطعام لكنك سرعان ما تتوجع وتنقبص معدتك! - ماذا سيأكل الفقير؟ - ولماذا هذا البذخ الذي نمارسه في بلداننا وبيوتنا ينتقل معنا إلى حيث يجب التجرد من مباهج الحياة والاكتفاء بالقليل، هذه البوفيهات شكلت لدي عقدة تأنيب ضمير خاصة بعد مسار الرحلة حيث ترى الفقراء يفتشون بالقمامة بحثا عن طعام، إن مسألة البوفيه واحدة من إغراءات حملات الحج لكنها في الواقع مأساة كبيرة، وكم أتمنى أن يتم التنسيق بين أصحاب الحملات ليسنوا قانون - الوجبات الجاهزة - فهي أسرع وأخف، وأقل اختصارا للوقت وحتى التكلفة·
شهية النساء
فوجئت جدا بالتزاحم على البوفيه من النساء، وكأن الأكل سيطير رغم كمياته التي تفوق العدد، وكنت أتصور دائما أن الرجال هم - الأكولون - لكن النساء فقن الرجال!! الأطباق تمتلئ بشكل ملفت· والشهيات ماشاء الله مفتوحة، فأشفق على “المعدات”، وإن كان بعض النساء يأكلن ما في صحونهن - وعليهن بالعافية - إلا أن بعضهن يمارسن مقولة: “العين لازم تشبع قبل البطن” فيملأن الصحون بكميات كبيرة لا تؤكل ويكون مصيرها القمامة، يوجعني قلبي على النعمة فأزج أنفي بنصيحة أن “وجع البطن ولا كب النعمة” حسب مقولة (ماري منيب)، توافقني اثنتان أو ثلاثة، بينما يطل الاستياء من وجوه أخريات وإحداهن قالت مستنكرة: “هو! دافعين فلوس ولازم ناكل”، لقد كنت دائما أستغرب لماذا فقدت نساؤنا رشاقة أجسادهن، لكنني بعد هذه الرحلة لن أستغرب، فنساؤنا ما شاء الله أكولات· وسأعذر الرجال الذين تزوغ عيونهم على ذوات الأجساد النحيلة!
المواصلات
المستوى الممتاز الذي حرصت الحملة مشكورة أن تكون عليه، تحقق لها إلا فيما يخص عملية الوصول إلى المناسك وهذا أمر خرج عن إدارة كل الحملات فأكثر من رئيس دولة أدى فريضة الحج هذا العام مما استدعى إغلاق الطرق الرئىسة وتحويل مسار الباصات، وكان الزحام شديدا والسير بطيئا مما جعلنا وغيرنا من الحملات نقضي أكثر من ست أو سبع ساعات في الباصات متوجعين من الوقت الطويل، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد كان هذا التأخير سببا في احتلال مكان حملتنا في - المزدلفة - ولم يكن وسيلة سوى النوم على الرصيف في بقعة ضيقة بين الباصات، وقامت الحملة بنصب ساتر للنساء، وكان من أصعب الأمور عدم وجود - بيوت الخلاء - اعترضت كثير من النساء وطالبن بالعودة إلى الفندق، فتدبرت الحملة - خيمة صغيرة - ميني جوب - لم تف بالغرض كاملا ولم تكن مثبتة بشكل جيد فما إن أرادت إحدى النساء الخروج منها حتى وجدناها تنسحب معها وتتهاوى، وكانت هذه واحدة من طرائف حدثت هذه الليلة الليلاء·
أمان النفس
أنت في العراء، فراشك الأرض غطاؤك السماء، لا شيء يرحم جسدك من خشونة الرصيف وحجارته سوى بساط رقيق، والوجبة الجاهزة بالكاد تسد جوع انتظار الساعات السبع، أنت الآن تتساوى مثلك مثل فقراء العالم الآتين المتناثرين على الأرصفة تفوح روائح عرقهم وجوعهم، ورغم ضيقك من شيء ما اعتدته في حياتك المترفة، ستجد روحك متجلية بالسكينة وضميرك مرتاحا أنك لست أفضل من سواك، لا يميزك أصلك ولا مالك·· ولا مجدك ولا صفتك ولا مكانتك، تشعر بسلام أنك لا تتميز عن سواك ولا يساورك خوف أن عصابة ما ستطاردك، وتسوقك تأملاتك لتتذكر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حكمت فعدلت، فأمنت فنمت”، لحظتها يتبخر حسدك من - المرتاحين - وتحمد الله أنك تعاني ما يعاني الفقراء·
laila_alothman@hotmail.com