
صراع..سهيلة النجدي
عــراقــيــون··
عبدالكريم كاصد
عراقيون··
هل أبقوا على شيء تكسر في الطريق؟
أخلفوا أمواتهم يبكون
وانتظروا مجيء (····) ؟
هل أغفوا على طرْق خفيف مثل وخز النار؟
هل عادوا على آثارهم يمشون؟
عراقيون
عراقيون
لغط كالحصى ينداح··
تذكر صرخة الأطفال في خان تهدم للهنود؟
قوافل الأغراب في البصرة؟
أكفان النساء البيض؟
والأشباح تمضي بالسراويل الطويلة واللحى البيضاء
أغراب
عراقيون
يفترشون أضرحة الأئمة والأقارب ثم ينتشرون، ينسون البكاء، كأنما قدر العراقي المقابر والرحيل مجنح القدمين·
يحمل سعفه ونذوره ويؤوب مخذولا يجر دموعه، ويحطم الألواح، يوقد في الهجيرة ناره، ويغيب في ليل من الأشباح··
نجم لا يضيء نراه، نتبعه حفاة كالبدائيين، نرسمه على جدراننا ونعد للنجم الشراك، كأننا الأقوام في الماضي، نجيء لخطونا وقع الكهولة، “من هنا مر العراقيون خلف جنازة وتفرقوا في السوق” منذورين للنجم البعيد، يهيئون جنازة أخرى، ويحتفلون، موكبهم تقاطر في النهار، وظلهم يزرق فوق الشاحنات توقفت·· يزرق ظل صبية ويدور في الصحراء··
سلام للذين توقفوا عند الحدود مكبلين··
بمخفر بين السماء وأرض بابل يعبر الأسرى عباءات ممزقة، وأطفالا يجرون الكهول بلا عصي حاسرين، وختمهم شمس الظهيرة·· إنها الصحراء قد جاءت بكأس الماء وانكسرت على الشفتين··
شيخ ينحني وعباءة فردت جناحيها وطارت··
- آه·· عمي! هل رأيت عباءة مرت عليك؟
تمر في الأيدي فتات الخبز والصدقات “هل جاع العراقيون؟”
ألا فليقبل الآتون
وليمتُنا حصى
ورمادنا شجر حطبناه
لنوقد نارنا فيه
عراقيون
أوقفنا نبيٌّ حين مات (···)
في التيه
وأرسم رايتي فوق الجدار “أرى هنالك ما يرى غيري” أرى بابا فأدخل: سلم الخشب العتيق يصرُّ، “أين أنا؟” هواء فاسد “من أين جاءت هذه الظلمة؟” أخطو بين أكداس الزحام·· أكاد أعثر، ثم تمسكني يد وأمر·· أبصر وجهه في الضوء “ماذا؟ هل أرى وجهي؟” وأعثر·· حينما استيقظت كان النزل ينفض جنحه كالطير·· يغسل وجهه بالماء·· يصخب بالعراقيين· جاءوا من منافيهم الى المنفى·· حقائبهم مهرّأة من الأسفار، يفتتحون يوما باردا كالخبز، ينتظرون ساعات وقد يغفون في المقهى وينطلقون مصطحبين أحزانا وعائلة الى قبر عراقي تشرد في دمشق وقد يضلون الطريق إليه أياما ولا يصلون، يقتسمون عادات وخبزا في الطريق·· كأنها كتبت على الألواح بالمسمار·· عادات من الطين··
فشايٌ للعراقيين
ومقهى للعراقيين
ونزلٌُ للعراقيين
عراقيون في ليل المذابح يضرمون النار··
ريح تحمل الغزوات نابحة وتعبر بين خشخشة العظام، تمر بين ملابس الموتى وتوغل في الدماء··
تقول: أجلاف لهم شكل الخيول·
أقول: أجلاف، ويرعون الجواميس السمينة في المدينة، يحطبون النخل·· “ماذا؟ أضرم النار العراقيون فاندفعوا على الأبقار؟”··
جاءوا من بيوت النمل، من ليل المآتم والقرى محمولة فوق الدواب، ومن سراديب المدينة··· “زفة للطفل” يقطعها نواح القادمين، وواحة للنار تقطعها المواكب، أضرموا نيرانهم في الليل وافترشوا البيارق··
حين حل الصبح كان رمادهم في الشمس يلمع في المواقد، خلفوا آثارهم للبدو، وانتعلوا خفاف الطين·· موكبهم تفرق·· لقلق في الشط يرقب خطوهم وترج صرخته المشاحيف الصغيرة·· نسوة هبطت، ومملكة من البردي توجها المساء تعج بالأطفال والسمك المعلق في العراء·· عيونهم أفق تحدر في المياه تقدمته الطير·· ها·· ها·· ها:
ألا فليقبل الآتون
عراقيون·
نأتي من مغاورنا السحيقة، نقضم الأعشاب، والموتى نقلّبهم، ونسهر حولهم في الليل ندفئهم· وعند الفجر نوقظهم، ونبتدئ الرحيل بعصرنا الحجري تصحبنا الكلاب وضجة الأنهار·· آلهة سبقناها ستأتي والدواب توقفت للطلق··
جاؤوا من مغاورهم
أتى من وحشة المنفى العراقيون·