
· أسس الدكتور أحمد الخطيب حركة القوميين العرب فرع الكويت واستفاد من الجو الديمقراطي الذي كان سائدا في تلك الفترة
· مجلة الإيمان وصحيفتا الفجر والشعب أبرز الصحف التي اعتنقت مبادئ القومية العربية خلال الخمسينات
· المنبر الديمقراطي والتجمع الوطني الديمقراطي أهم التجمعات السياسية القومية والاشتراكية التي أسست في التسعينات
· ساهمت حركة القوميين العرب في إرساء دعائم الديمقراطية في الكويت ووضع دستور يلائم العصر
· لعبت الكويت دوراً بارزاً في تشكيل الوعي الثقافي العربي خلال السبعينات من خلال إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب
إعداد إبراهيم المليفي
تعرض الحلم العربي بقيام الوحدة العربية، في الكويت وبقية العالم العربي الى هزات عنيفة ابتداء من نكسة العرب العسكرية مجتمعين أمام إسرائيل في يونيو 1967، مرورا بوفاة الرئيس عبد الناصر 1970 وإنتهاء بغزو العراق جارته دولة الكويت 1990، وقد عملت تلك الهزات الثلاثة وغيرها على خلخلة القناعات قبل القيادات داخل صفوف القوميين أول الأمر، تبعها تصدع وانحسار المؤيدين لهم، فمن كانوا متمسكين بالمشروع القومي الوحدوي دون تقديس للزعامات، ارتمى بعضهم في أحضان موسكو ومنظومتها الاشتراكية القائمة والبعض الآخر انخرط في تيار الأصولية المتنامي، وأما من تبقوا مدافعين عن الناصرية فقد أوجدوا لأنفسهم ساحات جديدة للتحرك مكنتهم من إبقاء المشروع القومي على قيد الحياة·
الساحة الكويتية لم تكن ببعيدة عن كل ما يحدث عربيا، وما إن وقعت النكسة حتى انشطرت حركة القوميين العرب - فرع الكويت إلى ثلاث مجموعات، حركة التقدميين الديمقراطيين وقد اعتنقت مبادئ الاشتراكية العلمية بزعامة الدكتور أحمد الخطيب، التجمع الوطني وقد التزم بالنهج الناصري بقيادة جاسم القطامي، وأخيرا الحركة الثورية الشعبية وهي تمثل يسار القوميين العرب، واستمرت حاله التباعد بين المجموعات الثلاث وتنظيمات أخرى بعثية وقومية ويسارية محدودة التأثير نسبيا إلى أن جاء الغزو العراقي لدولة الكويت، لينبثق بعد التحرير تنظيم سياسي جديد، ضم أبرز العناصر في المجموعات الثلاث إلى جانب شخصيات مستقلة·
نجح القوميون المتمسكون بخط عبد الناصر منذ منتصف السبعينات، ومعهم أبرز الشخصيات الكويتية القومية، في ترتيب أوراقهم التي بعثرتها تداعيات النكسة ورحيل زعيمهم، تمثل ذلك النجاح في:
أ - تأسيس مركز دراسات الوحدة العربية عام 1975، يهدف إلى إيصال نداء الوحدة للجماهير العربية والأوساط الفكرية على تعدد اتجاهاتها، ويعنى بدراسة الواقع العربي كخلفية للحالة الوحدوية المنشودة، ولا يتخذ المركز أي مواقف سياسية مباشرة ولا يساهم في النشاط السياسي، وتصدر عن المركز مجلة فكرية شهرية "المستقبل العربي" تعنى بقضايا الوحدة العربية ومشكلات المجتمع العربي·
ب - انخراط أبرز رموز القومية العربية في مسيرة حقوق الإنسان العالمية، وتأسيسهم لمنظمة عربية لحقوق الإنسان بتاريخ 1/12/1983 في مدينة ليماسول بقبرص، ويوجد لدى المنظمة العربية لحقوق الإنسان ثمانية أفرع داخل الوطن العربي في (مصر، الكويت، تونس، الجزائر، اليمن، لبنان، المغرب، الأردن)، كما يوجد لديها خمسة فروع في الخارج في (بريطانيا، فرنسا، كندا، ألمانيا، النمسا)، إلى جانب مجموعات عمل وعضوية فردية في جميع البلدان العربية·
وقد تمكنت المنظمة العربية لحقوق الإنسان من حيازة الصفة الرسمية من الحكومة المصرية، والحصول على الكثير من التسهيلات لمزاولة مختلف أنشطتها، ويرأس هذه المنظمة الآن المناضل القومي الكويتي جاسم القطامي·
ج - تأسيس المؤتمر القومي العربي في مستهل مارس / آذار 1990 في تونس العاصمة، لتوفير إطار عمل مؤسسي نوعي جديد يحتضن سائر أولئك الذين اهتجسوا بالفكرة القومية العربية، يهدف إلى بناء مرجعية سياسية قومية عربية، ونجح المؤتمر القومي ضمن هذا الإطار الفكري والسياسي غير الحزبي في كسب الكثير من النقاط الإعلامية في الشارع العربي الذي أصبح في عقد التسعينات بحاجة إلى كل صوت رافض لمسيرة الاستسلام العربي لإسرائيل، حتى أنه أي المؤتمر القومي العربي أيد في مؤتمره الأخير في المنامة، الموقف الرافض الذي أعلنه الأمين العام للمؤتمر ضياء الدين داود في 16/3/2002 تجاه "مبادرة السلام" السعودية، التي تحولت إلى مبادرة عربية في قمة بيروت، وغموضها فيما يتعلق بالحق الكامل للعودة، وتضمنها استعداد كل الدول العربية لقيام علاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني وهو ما لم تنص عليه حتى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، والمبادرات العربية السابقة، وأكد المؤتمر علي عدم أحقية أي قيادة أو جيل بمصادرة حق الأجيال القادمة بالتمسك بكامل حقوقها·
وتمكن المؤتمر بأعجوبة من تجاوز أول وأهم اختبار في تاريخه عندما تمكن من عقد مؤتمره الثاني في العاصمة الأردنية عمان، بعد نهاية حرب تحرير الكويت، في الفترة من 27 إلى 29 أيار/ مايو 1991، بعد كل ما رافقها من تهشم في النظام الإقليمي العربي ولا يزال هذا المؤتمر يعقد دوراته السنوية بانتظام كل عام في عاصمة من عواصم الدول العربية آخرها في المنامة عاصمة المملكة البحرين أبريل 2002·
الكويت وصور ارتباطها التاريخي بالقومية العربية
(1) : الدستور الكويتي: تم تثبيت الانتماء الكويتي للأمة العربية والتزامها تجاه القومية العربية تحديدا في أكثر من موقع بارز في الدستور الكويتي الذي وضع عام 1962، حيث تنص الأسطر الأولى فيه على التالي "نحن عبد الله السالم الصباح أمير دولة الكويت رغبة في استكمال أسباب الحكم الديمقراطي لوطننا العزيز، وإيمانا بدور هذا الوطن في ركب القومية العربية وخدمة السلام العالمي والحضارة الإنسانية ··· الخ"·
وتؤكد المادة الأولى من الدستور على أن الشعب الكويتي جزء من الأمة العربية حيث تنص "الكويت دولة عربية مستقلة ذات سيادة تامة، ولا يجوز النزول عن سيادتها أو التخلي عن جزء من أراضيها، وشعب الكويت جزء من الأمة العربية"·
وتشرح المذكرة التفسيرية للدستور، أسباب عدم استخدام أداة التعريف في اصطلاح (شعب الكويت) في المادة الأولى قائلة " وقد أستعمل في الفقرة الثانية من هذه المادة اصطلاح " وشعب الكويت " بقصد تسجيل أن للكويت كيانها المتميز منذ قرون مما يجعل من الكويتيين شعبا بالمعنى الدستوري، ولكنه جزء من الأمة العربية، فوجب أن لا تدخل عليه أداة التعريف حتى لا يكون في هذا المزيد من التخصيص ما يجافي في وحدة هذه الأمة الشاملة، ولذلك كان الاصطلاح المذكور أفضل من اصطلاح "الشــعب الكويتي" وأكثر تجاوبا مع القومية العربية"·
(2) - صحافة الخمسينات القومية: شهدت الكويت في فترة الخمسينات من القرن الماضي، وبفضل تزايد أعداد المثقفين الكويتيين المتأثرين بالأفكار القومية ظهور محاولات صحافية شعبية جادة ومكثفة مهدت الطريق لقيام مهنة الصحافة على أسس عصرية، بعد المحاولات الفردية المتعثرة لرائد الصحافة الكويتية الشيخ عبد العزيز الرشيد صاحب مجلة "الكويت" التي ظهرت عام 1928 وتوقفت بعد عامين·
وتعتبر كل من مجلة (الإيمان) لسان حال النادي الثقافي القومي (نادي الاستقـلال لاحقا)، وصحيفة (الفجر) لسان حال نادي الخريجين (جمعية الخريجين لاحقا)، وصحيفة (الشعب) لصحابها خالد خلف المحامي، من أبرز الصحف التي اعتنقت مبادئ القومية العربية وروجتها ودافعت عنها بضراوة·
نستعرضها كما يلي:
مجلة الإيمــــان
صدرت مجلة الإيمان الشهرية في أوائل عام 1953 وكانت تطبع في بيروت، وقد اعتمدت خريطة الوطن العربي الكبير دون تقسيمات سياسية شعارا لها وركزت خلال مسيرتها القصيرة في افتتاحياتها على نشر المبادئ القومية وجعل المجلة في متناول الجميع من خلال بيعها بسعر زهيد (نصف روبية)، وفي شهر يونيو من عام 1955 توقفت مجلة الإيمان عن الصدور لتتولى كل من صحيفتي الفجر والشعب مواصلة المهــمة التي بدأتها·
الفـــــــجر
في الثاني من شهر فبراير 1955 ظهرت مجلة الفجر بصورة أسبوعية، لتعبر عن رأي نادي الخريجين، وبعد صدور 17 عددا منها تم تعطيلها بسبب اشتراط قانون المطبوعات الذي شرع حديثا والذي يشترط تفرغ رئيس التحرير للعمل الصحفي، واستمر احتجاب الفجر عن الصدور حتى تاريخ 10/3/1958 حيث صدر العدد 18 منها علي هيئة صحيفة حسنة الإخراج والتبويب برئاسة تحرير يعقوب الحميضي·
وهاجمت الفجر الشيوعيين بضراوة خاصة في العراق بعد ثورة عبد الكريم قاسم، وتعد زاوية أضواء الفجر التي احتلت الصفحة الأولى، مخصصة فقط للهجوم عليهم والدفاع عن القومية العربية وجمال عبد الناصر، وعبر العدد 59 من الفجر الصادر في شهر يناير 1959 عن ذلك التوجه حيث كتب ما نصه " لهذه الصحيفة الفخر بأن تكون أول صحيفة قومية تعلن ضرورة فتح الجبهة ضد الشيوعيين العرب بعد أن لمست خطورة أعمالهم في العراق ····" وفي فقرة أخرى "عملنا ذلك لأننا شعرنا بخطورة هؤلاء وبعد أن بدأ هؤلاء في محاربة أعز وأقدس ما لدينا وهي الوحدة العربية التي نذرنا أنفسنا لها ····الخ"·
وفي الثالث من شهر فبراير 1959، صدر قرار بحل جميع الجمعيات والنوادي الثقافية والرياضية، بما فيها نادي الخريجين وصحيفة الفجر التي توقفت عن الصدور·
الشــــــعب
تحت شعار (جريدة سياسية قومية)، صدرت صحيفة الشعب بتاريخ 5/12/1957 أي في الوقت الذي كانت فيه صحيفة الفجر محتجبة، وقد انفردت في عددها الأول مع مجلة صباح الخير المصرية بلقاء مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وبعد صدور61 عددا من الشعب توقفت عن الصدور بتاريخ 9/1/1959، لصعوبات مالية واجهتها·
العــــــربي
آخر مجلات الخمسينات وأكثرها شهرة وانتشارا وديمومة على مستوى الوطن العربي، كانت مجلة العربي الثقافية المصورة والتي صدرت بلسان عربي وجسد كويتي في شهر ديسمبر من عام 1958 ورأس تحريرها الأديب والعالم المصري الدكتور أحمد زكي رحمه الله، وأبلغ تعريف يلخص هوية هذه المجلة المهمة هو ما قاله رئيس تحريرها في افتتاحية العدد الأول "حديث الشهر" : باسم الله نفتتح هذا الحديث الأول، وباسم العروبة خالصة، بحتة محضة، نخط أول سطر يقع عليه البصر من هذه المجلة الوليدة وأسميناها العربي، وما كان اسما يفي بتحقيق ما يجول في رؤوس رجال الوطن العربي كله ورؤوس نسائه، من معان، وما تستدفئ به قلوبهم من آمال وأماني، كاسم "العربي" في حسمه وإيجازه·
ولقد كان جاز للعربي أن تتخذ لها منزلا، أي قطر من أقطار العروبة، فبغداد جازت، وجازت القاهرة ودمشق، وجازت الخرطوم والرباط وتونس، جاز كل بلد له اللسان العربي لسانا، والبيان العربي الناضج بعروبته بيانا·
ثم تشاء الأقدار أن يكون منزل العربي بلدا من أصغر بلاد العرب حجما، وليس بأصغرها خطرا، فكان الكويت للعربي منزلا·
وخير ما شاءت الأقدار ····الخ·
ويتبع مقال رئيس التحرير مباشرة استطلاع جريء كتب عن جيش التحرير الجزائري، ما إن ينته القارئ منه حتى يجد بعده مقاله بعنوان "القومية العربية كما ينبغي أن نفهمها··!" كتبها الدكتور محمد احمد خلف الله ولعل تلك المواضيع المتلاحقة منذ ذلك التاريخ حتى يومنا الحاضر دليل دامغ على رسالة العربي القومية·
(3) - حركة القوميين العرب - فرع الكويت: بعد تأسيس حركة القوميين العرب في بيروت بداية الخمسينات، سعت الحركة إلى افتتاح فروع لها في مختلف أرجاء الوطن العربي، وفي الكويت تمكن الدكتور أحمد الخطيب أحد مؤسسي القوميين العرب من بناء القاعدة المناسبة لإطلاق أنشطة الحركة في الكويت، مستفيدا من حالة الانفراج السياسي التي تمتعت بها الكويت بوصول الشيخ عبد الله السالم إلى سدة الحكم، واشتملت تلك القاعدة على تأسيس الكثير من الأندية والاتحادات والصحف والمجلات، منها النادي الثقافي القومي عام 1952 الذي تركزت أهدافه على إحياء القومية العربية والاعتزاز بها، العمل على تمكين العرب من حقوقهم ونشر الوعي القومي بين الشباب العربي·
وتمكن النادي الثقافي القومي في وقت لاحق من مد نفوذه إلى مجلس إدارة نادي المعلمين ونادي الخريجين وكذلك بعض الأندية الرياضية، وساهمت الحركة بصورة رئيسية في المطالبة باعتماد الديمقراطية في الكويت ووضع دستور عصري يلائم متطلبات العصــر·
(4) - المؤازرة السياسية والدعم المالي: وظفت حكومة الكويت جزءا كبيرا من عائدات ثروتها النفطية في مساندة الكثير من الدول وحركات التحرر العربية، كما ساندت الهيئات الشعبية في الكثير من المناسبات بتنظيم حملات التبرع وتسليمها مباشرة إلى تلك الجهات وقد كانت حاضرة بقوة خلال الأحداث العربية المهمة مثل حرب فلسطين، حرب السويس، الثورة الجزائرية، المشاركة العسكرية في حربي 67 و73، تأسيس الهيئة العامة للجنوب والجزيرة العربية لإعمار إمارات الخليج الساحلية واليمنين قبل اتحادهما، تأسيس الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية لدعم المشاريع الإنمائية في الأقطار العربية، الوساطة بين الكثير من الدول العربية لحل نزاعاتهم المختلفة، دعم جبهة الصمود والتحدي ··الخ·
(5) - نشر الثقافة عربيا: تلبية لما تفتقر إليه المكتبة العربية من السلاسل الثقافية رفيعة المستوى وزهيدة السعر في مختلف مجالات المعرفة، قرر المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، تلبية حاجة القارئ العربي إلى الإلمام بثقافة العصر والإحاطة بمشكلات العالم الذي يعيش فيه مع عدم تجاهل تراثه وعناصر الأصالة في شخصيته القومية، وتم إصدار كل من سلسلة "عالم المعرفة" يناير 1978، سلســلة "الثقافة العالمية " نوفمبر 1981، وسبق لوزارة الإعلام أن أصدرت عام 1969 سلسلة "من المسرح العالمي" ومجلة "عالم الفكر" الفصلية في يناير 1970، تم إلحاق مسؤولية إصدارهما تحت مظلة المجلس الوطني بعد تأسيسه في سنة 1973·
وعززت تلك المطبوعات التي توزع في جميع العواصم والمدن العربية، إلى جانب مجلة العربي مكانة الكويت بين المثقفين العرب، وتمكنت من خلال انتظامها في الصدور وتدني قيمتها المادية تحقيق رسالتها في نشر الثقافة الجادة داخل أوساطهم·
التحول الأول من
القومية إلى المحلية
لم يكن الالتزام الكويتي بقضايا الأمة العربية وربط المصير المشترك معها رغبة آنية وجدت لأسباب طارئة، أو رضوخا للمد القومي الكاسح في الخمسينات، ورغم ذلك يمكن القول أن هذه الدولة الصغيرة كانت بحاجة إلى الارتباط بالوطن العربي الكبير لتثقيل وجودها السياسي علي الخريطة الدولية والعربية من خلال الدعم السخي للدول العربية المحتاجة، ومؤازرة الحركات التحررية العربية للتخلص من الاستعمار كما حصل في الجزائر وغيرها·
وقبل أن تحل الكارثة القومية في الثاني من أغسطس/ آب 1990، علي التنظيمات القومية العربية كافة، وفي الكويت خاصة، كانت الساحة السياسية في الكويت قد بدأت بالتحول تدريجيا عن الطروحات القومية بالصورة الذي كانت تطرح فيه خلال عقد الخمسينات وحتى منتصف الستينات، وبدأت التنظيمات السياسية التي تفرعت عن حركة القوميين العرب (انهارت بعد نكــسة 67) وغيرها، من يناير 1970، تصبغ برامجها الانتخابية بجرعة كبيرة من القضايا الوطنية مثل محاربة شركات النفط الاحتكارية، رفع أجور صغار الموظفين والعمال، التوسع ببناء ذوي الدخل المحدود، الاهتمام بأبناء البادية واستيطانهم، إنشاء جامعة مستقلة ·····الخ، وفي نظرة سريعة لتلك البرامج يمكن تلمس التالي:
أولا - (برنامج العمل الوطني لنواب الشعب - ديسمبر 1974): ورد في الجزء الحادي عشر- السياسة الخارجية في نطاق الوطن العربي
1 - العمل من أجل قيام الوحدة العربية باللقاء مع جميع القوى الوطنية والتقدمية العربية وتوحيد جميع النضالات في سبيل تحرير الإنسان العربي وثرواته·
2 - إقامة أفضل علاقات التعاون مع الأنظمة العربية الوطنية الثابتة في مواقفها ضد الاستعمار والتخلف والتنسيق معها·
ثانيا - (وثيقة تجمع الأحرار الديمقراطيين): تحت عنوان التجمع والوحدة العربية، أسهب الأحرار في حديثهم عن أهمية قيام الوحدة العربية التي وصفوها بأنها حلم الجماهيرية العربية، وأنهم أي الأحرار يعنيهم بالدرجة الأولى أن يتحول هذا الحلم الكبير إلى حقيقة واقعة، وفي موضع آخر عاد الأحرار ليؤكدوا على أن الوحدة - كشكل سياسي - يضم الدول العربية المختلفة، ليس غاية مجردة بذاتها، و إنما هي غاية احتوت في مضمونها معاني جديدة لشخصية الإنسان العربي في دولة الوحدة·
ثالثا - (منهاج عمل التجمع الوطني - نوفمبر 1974): في مجال السياسة العربية , تضمن المنهاج البند التالي " وجوب انتهاج سياسة قومية تهدف في النهاية إلى تحقيق أمل الأمة العربية في الوحدة في ظل نظام ديمقراطي يحقق لها مجتمع الكــرامة والعدل والرفاهية ···· الخ·
وظلت هذه الأوضاع على ما هي عليه، بالنسبة الى محدودية الطرح القومي مقابل تعاظم الطرح الوطني حتى عام 1990، ضمن إطار المطالبة بتحرير الأراضي العربية المحتلة وتمتين العلاقات العربية-العربية، ورغم نشوب الحرب العراقية - الإيرانيـة (1980 - 1988) وانتعاش أسهم الطرح القومي بحجة مساندة العراق - حامـي بوابة العرب الشرقية - فإن ذلك الارتفاع لم يتعد الخوف على سلامة أمن الكويت من التهديدات الإيرانية وسرعة إنهاء تلك الحرب المتاخمة لحدودها الشمالية·
كما شهدت الكويت آنذاك تحولا كبيرا حدث في المواقع، فمن كانوا بالأمس ضد أفكار القومية العربية والوحدة الشاملة وهؤلاء تمثلوا في بعض أطراف السلطة والموالين لها من تجار وصحف وأقلام ورافضي فكرة التحول الديمقراطي في الكويت، فقد اندفعوا بحماس شديد مع العراق، أما القوميون المعروفون والاشتراكيون (القوميون العرب سابقا) فعلى العكس وقفوا ضد تلك الحرب المجنونة - كما أسموها - وطالبوا بإيقافها ولم يساند العراق من القوميين المعروفين سوى المثاليين منهم·
التحول الثاني والأخير
لم يتحمس أحد في الكويت كثيرا للحديث عن القومية العربية بعد التحرير، سوى قائمة طلابية بعثية تحتضر في جامعة الكويت إبان انتخابات الاتحاد الوطني لطلبة الكويت عام 1991، حيث أصدرت تلك القائمة وتدعى "القومـية" نشرة طلابية واحدة أكدت فيها علي عروبة الكويت وحتمية انتمائها للوطن العربي الكبير، وقد حازت في تلك المنافسة علي 8 أصوات فقط وكانت تلك هي مشاركتها الأخيرة على الساحة الجامعية، وربما تختصر حالة هذه القائمة عشرات البحوث التي تحاول شرح حالة الصدمة التي أصابت الشارع الكويتي من جراء كارثة الغزو·
وليس سرا يذاع للمرة الأولى حينما يقال بأن حالة من الفتور والانكماش، سادت الشارع الكويتي تجاه كل ما يمت إلي التزامات الماضي القومية التي كانت الكويت تنهض بمسؤولياتها تجاه الكثير من الدول العربية خاصة تلك التي أطلق عليها لاحقا مصطلــح (دول الضد) وهي الأردن، اليمن، تونس، السودان، موريتانيا، منظمة التحرير الفلسطينية، وهي الدول التي أيدت المحتل ورفضت تواجد قوات التحالف الدولي على الأراضي السعودية لتحرير الكويت·
ودخل الحديث عن ضرورة نسيان الماضي وفتح صفحة جديدة مع دول الضد غرفة الإنعاش، وتحاشت الصحافة الدخول في تلك المسائل إلا فيما ندر، وبعضها سار باتجاه التأجيج ونكأ الجراح، وتزايدت وتيرة الحديث عن سبل تطوير منظومة دول مجلس التعاون الخليجي واختفت من نشرات الأخبار الأحداث المهمة في دول الضد، وتعطلت الرحلات الجوية بين الكويت وبينها، واستبدلت الأيدي العاملة العربية التي خرجت من الكويت خلال أشهر الاحتلال السبعة بعمالة أخرى من دول شرق آسيا، وقد نبه بيان المؤتمر القومي العربي الثاني 1991 المنعقد في عمان إلى تلك النقطة بشكل واضح "إن المؤتمر ينبه إلى خطورة ما يجري في بعض بلدان الخليج العربية من سياسات بشأن العمالة الوافدة" مضيفا "أن الترجيح الغالب هو أن مثل هذا التوجه سيخلق كيانات استيطانية أجنبية في بعض البلدان الخليجية بحيث تواجه الأمة بواقع استيطاني عنصري آخر"، وعندما بدأت العلاقات الكويتية مع بعض دول الضد بالتحسن التدريجي، سود مجهولون الكثير من حوائط المباني المطلة على الشوارع الرئيسية بشعارات معادية لعودة العلاقات معها·
وعلى صعيد التجمعات السياسية القـــومية والاشتراكـية في مرحلة التسعينات، فقد انبثق عنها المنبر الديمقراطي الكويتي، وعلى الرغم من حالة الانكفاء إلى الداخل التي أصابت الكويت في تلك الأثناء، أكد المنبر الديمقراطي بصورة رمزية على الانتماء العربي للكويت والتزامها بالقضايا العربية خاصة القضية الفلسطينية، وفي شهر مايو من عام 1997 أعلن عن قيام تجمع ليبرالي جديد، هو التجمع الوطني الديمقراطي، أعلن ضمن برنامج عمله في المحور العربي عن الـــفترة (1998 -2000) أنه "يشجع جميع الجهود الرامية لإزالة بؤر التوتر والنزاعات الداخلية والخلافات الحدودية بين الدول العربية، كي تتفرغ هذه الدول للبناء والتنمية والتعاون، في ظل أنظمة ديمقراطية تحترم التعددية الفكرية والسياسية، وترعى الحقوق الأساسية للإنســان"·
تأثرت الدبلوماسية الكويتية كما هو متوقع أيضا من توابع أزمة الاحتلال، ونهجت آنذاك أسلوب الفرز ومراجعة المواقف الأخرى قبل الإقدام على أي خطوة قد تفسر شعبيا بأنها تطبيع مع مساندي النظام العراقي، وفضلت في ظل انقيادها لتوجهات الشـارع - وقناعتها الذاتية بما تقوم به لفترة من الزمن - مسايرة حلفائها في سياستها الخارجية، واشنطن دوليا والرياض خليجيا، وتم اتخاذ الكثير من الترتيبات الأمنية التي تكفل سلامة الكويت على المدى الطويل خاصة وأن رأس النظام في بغداد ظل في السلطة إلى يومنا الحاضر، وظل معه خطابه الإعلامي الذي ما انفك يكرر حكاية أن الكويت هي جزء من العراق·
إن التركيز في الكويت بعد التحرير انصب على الواقع المحلي بكل تفاصيله، وتنامى فيها بصورة متوقعة تيار غير منظم يدعو إلى الانغلاق والانعزالية عن العرب والانفتاح على الدول الصديقة التي ساهمت في حرب التحرير· وظلت هذه الأوضاع تتغذى ذاتيا من الذاكرة الكويتية التي لم تستطع بسهوله نسيان المواقف العربية المتخاذلة تجاه قضيتها العادلة، زادها استمرار تكرار المواقف نفسها المؤيدة لنظام بغداد من الأطراف نفسها العربية التي وقفت معه أيام احتلال الكويت·
مع مرور الزمن بدا أن الوقت والمكان أصبحا يتسعان للحديث عن عودة العلاقات بين الكويت ودول الضد، توالت الاختراقات للحاجز النفسي وبدأت الوفود الكويتية الشعبية بالمشاركة في المؤتمرات العربية، واستأنفت الرحلات الجوية المقطوعة، وتوالت الزيارات الرسمية المتبادلة علي أعلى المستويات، وأصبحت القضية الفلسطينية هي عنوان عودة الكويت إلى محيطها العربي·
انحصار القومية
بالمقاييس العملية والنظرية لم يعد للقومية العربية بمشروعها الوحدوي قائما في الكويت، بالصورة التي كانت عليها خلال فترتي الخمسينات والستينات، وأنحصر الأمر برمته فيما يسمى بتعزيز التضامن العربي وتقوية دور جامعة الدول العربية، وهذه ليست حالة كويتية خالصة بل هي حالة عربية عامة شذت عنها بعض الأحزاب والشخصيات القومية التي لا تزال تنافح في عودة الروح لهذا المشروع الاندماجي·
دراسة تستعرض المكانة التي احتلتها القومية العربية في الشارع الكويتي كمشروع وحدوي,والتحولات التي مرت بها,والنتيجة التي تم التوصل لها.