رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 18 محرم 1424هـ-22 مارس 2003
العدد 1569

نظرية الحرب من أجل النفط ترتكز على أسس ضعيفة

      

 

·         حرب عام 91 كانت من أجل أمن النفط أما اليوم فهي من أجل الأمن الدولي

·         الصناعة النفطية العراقية متهالكة وبناؤها يحتاج 10 سنوات و30 مليارا

·         العراق الجديد لن يسلم نفطه للشركات الأجنبية وعلينا تذكر “درس الكويت”

·         منافسة قوية على الدول المستهلكة للنفط بين المنتجين في القوقاز والشرق الأوسط

 

بقلم: دانيال يورغين*

يحتل النفط حيزا كبيرا في الجدل الدائر حول الأزمة الراهنة مع العراق، وكيف لا؟ ومع ذلك، فعند الحديث عن النفط تبرز وجهتا نظر متباينتين تماما·

فبالنسبة الى البعض، افتعلت الأزمة مع العراق كذريعة وغطاء “للسيطرة على النفط” من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وشركات النفط العالمية·

ويرى الآخرون أن العراق - بعد تحريره من النظام الراهن - سيغرق الأسواق العالمية بالنفط الرخيص ويعزز الاقتصادات الغربية وسيقدم علاجا سريعا للمخاوف المتعلقة بأمن الطاقة·

وعلى الرغم من وجود فجوة واسعة بين وجهتي النظر فإنهما تشتركان في شيء واحد، هو التعاطي الخطأ بشكل أساسي مع حجم الصناعة النفطية العراقية وتوقيت إنتاجه الجديد·

وما من شك في أن العراق دولة نفطية كبرى ولديه ثاني أكبر احتياطي من النفط في العالم بعد المملكة العربية السعودية·

ولكن الصورة الحقيقية مختلفة، فالعراق يمثل 3 في المئة فقط من الطاقة الإنتاجية العالمية الإجمالية، ومستوى صادراته من النفط يعادل نيجيريا·

وعلى العكس من أزمة الخليج 90/1991 التي كانت تتمحور حول أمن الطاقة قبل أي شيء آخر، تتركز الأزمة الراهنة على الأمن بشكل عام، وتتطلب نقلات عدة من المنطق للوصول الى نتيجة مفادها أن الأزمة العراقية الراهنة “تتمحور حول النفط”·

من الناحية المادية، يمكن للعراق أن يضاعف طاقته الإنتاجية الحالية، ولكن ذلك قد يستغرق عشر سنوات أو يزيد·

العراق ليس أفغانستان

ولكن من المحتمل أن تشن أي إدارة أمريكية أو أي حكومة بريطانية مثل هذه الحملة العسكرية وتقدم على مجازفات بهذا الحجم لمجرد الحصول على حقه من عقود تطوير منشآت النفط العراقية أو إحداث زيادة متواضعة في إمدادات النفط العراقية بعد خمس سنوات، على الأقل، من الآن·

ما مستقبل النفط العراقي من دون صدام؟

الحرب قد تدمر إنتاج العراق من النفط في الوقت الذي يكون فيه أي نظام جديد بحاجة ماسة الى عائدات النفط لضمان استقراره·

ويمكن أن يلجأ صدام أيضا، لإضرام النيران بمنشآت النفط في حال تعرضه للهزيمة، على الرغم من أن احتمال تشكيل محاكم ما بعد الحرب قد يردع بعض القادة العسكريين عن تنفيذ مثل هذه الأوامر·

وكذلك هناك الموضوع الحساس والمهم المتعلق بالسلطة المقبلة في العراق، فمن الذي سيتخذ القرارات؟ فإذا أقيمت حكومة عسكرية موقتة، فسوف تكون منهمكة في بسط سيطرتها القوية على أسلحة العراق والمسارعة لإرساء قواعد حكومة عراقية ذات تمثيل واسع لمختلف شرائح المجتمع·

فالعراق يجني معظم عوائده من تصدير النفط، وقد وصلت عوائده من النفط في عام 2001 على سبيل المثال 10 مليارات دولار، ولهذا السبب، فإن أي سلطة جديدة في العراق، ستحرص على رفع الإنتاج الى أعلى مستوى ممكن والمشاركة هي الفاعلة في اتخاذ القرارات بشأن المستقبل طويل المدى لصناعة العراق النفطية·

ويتعين أن تتخذ مثل هذه القرارات من قبل العراقيين أنفسهم، ولا بد أن يكون لأي حكومة عراقية جديدة التصميم على حماية موردها الاقتصادي رقم واحد، حتى تتمكن من الحصول على العوائد بأكبر قدر ممكن من أجل إعادة الإعمار وتطوير البلاد بأسرع وقت ممكن·

فالعراق ليس أفغانستان، لأن لديه الوسائل، من خلال النفط، لتمويل إعادة بناء البلاد، ولكن ستكون لأي حكومة عراقية جديدة أولويات أخرى يأتي في مقدمتها تعزيز السيادة والشرعية والتأييد الوطني، وهي متطلبات أساسية للحفاظ على تماسك البلاد·

وهذا يعني أنه حين يحين الوقت للجلوس مع شركات النفط العالمية، سيكون العراق مفاوضا صعبا·

درس الكويت

ويجب ألا يفترض أحد بأن العراق سوف يرحب بالمستثمرين الأجانب وفقا لجدول زمني معقول، فالتاريخ يحذرنا من أن هذه النتيجة ليست حتمية، فبعد حرب الخليج عام 1991 قالت الكويت إنها سوف تفتح صناعتها النفطية للمستثمرين الأجانب، ولكنها لم تفعل ذلك بعد 11 عاما، بسبب المعارضة الوطنية في مجلس الأمة الكويتي·

وربما كان من الأسباب التي جعلت الجدل بأن الحرب تدور حول النفط يتخذ مسارا خطأ هو الافتراض - ودون إدراك على الأرجح - بأن العراق سوف يتخلى عن طاقته الإنتاجية الراهنة والتي تصل الى 2,8 مليون برميل يوميا، الى الشركات الدولية·

ولكن هذا الافتراض ينطوي على تضليل، فلماذا تتقاسم أي حكومة عراقية جديدة عوائدها مع أحد؟ فهي لن تكون بحاجة الى استثمارات الشركات الأجنبية في حقول نفطية مطورة بالفعل ويمكنها - ببساطة - شراء التكنولوجيا والمعدات للحقول القائمة·

ولكن أي حكومة ما بعد صدام ستكون بحاجة لرؤوس أموال كبيرة من أجل تطوير الحقول غير المطورة وللقيام بعمليات التنقيب وزيادة الإنتاج··· هذا إذا كانت لدى أي نظام جديد الرغبة في التعامل مع شركات النفط العالمية·

وأي المستثمرين سيختار النظام الجديد التعامل معه من بين العدد الهائل من الشركات العالمية التي تطمح بالعمل في العراق؟ فأي شركة نفط عالمية ستكون سعيدة بتوقيع عقود مع دولة تمتلك 11 في المئة من احتياطات النفط العالمية، بعد المملكة العربية السعودية التي تمتلك 25 في المئة من احتياطي النفط العالمي·

ولكن هذه الشركات ستكون حذرة حين يتعلق الأمر بإنفاق مليارات الدولارات قبل أن تطمئن الى الأوضاع الأمنية والاستقرار·

مخاطر

وبالنسبة لتلك الشركات، فإن “الاستقرار” ينطبق على النظام الجديد نفسه وعلى العقود التي يوقعونها معه·

فهناك عقود بالفعل موقعه بين العراق وشركات نفط من روسيا وفرنسا وإيطاليا والصين وغيرها، ولكن لا يجري تنفيذ هذه العقود بسبب العقوبات الدولية·

وبالنسبة لشركات النفط العالمية، فإن القضية الكبرى هي كيف يمكن التعاطي مع مدى واسع من المخاطر يتراوح بين المخاطر الجيولوجية الى المالية وحتى السياسية، ولمواجهة مثل هذه المخاطر، عادة ما تعمل هذه الشركات معا على شكل “مجموعات” و”شركات”، ويبدو أن هذه الطريقة التي تنجح في العراق·

ومن المحتمل أن تنضم الشركات التي لها عقود حالية مع العراق الى شركات أخرى أمريكية وبريطانية وأوروبية وكندية وأسترالية ويابانية، في إنشاء شراكات جديدة·

ويتوجب على النظام العراقي الجديد أن يواجه الحقيقة المجردة وهي أن الصناعة النفطية العراقية في حالة متدهورة·

فالطاقة الإنتاجية انخفضت من أعلى معدل وصلت إليه وهو 3,5 مليون برميل يوميا عام 1980، وقبل اندلاع الحرب الإيرانية - العراقية، الى حوالي 2,8 مليون برميل يوميا الآن، وهي مستمرة في الانخفاض·

فقد لحقت أضرار كبيرة بهذا القطاع جراء سوء الإدارة، فالبنية التحتية ممثلة بالآبار والأنابيب ومحطات الضخ أو الموانئ، أصبحت في حالة سيئة ويجري تجاهل الاعتبارات البيئية على نطاق واسع·

والعودة الى الطاقة الإنتاجية الأعلى (3,5 مليون برميل يوميا” قد تحتاج الى ثلاث سنوات أو أكثر وبتكاليف تقديرية تزيد على مليارات عدة من الدولارات·

القوقاز مقابل الشرق الأوسط

والعقبة التالية التي تواجه الحكم الجديد في العراق هي زيادة الإنتاج الى أكثر من ذلك، فزيادة الإنتاج بمعدل مليوني برميل يوميا يحتاج الى نقلة عظمى، ومع ذلك، سيبقي العراق متخلفا في الإنتاج عن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وروسيا·

إن تحقيق تلك القفزة بالوصول الى إنتاج 5,5 مليون برميل يوميا لن يتأتى قبل عام 2010 وبتكلفة تزيد على 20 مليار دولار، ويرى خبراء آخرون أن التكلفة ستزيد على 30 مليارا، لأن ذلك سيحتاج الى بنية تحتية جديدة كأنابيب النفط والموانئ وغير ذلك·

ويفترض البعض بأن يتحول العراق الى واحد من أكبر دول “الأوبك” إنتاجا، ولكن هذه الزيادة في الإنتاج لن تمنحه نفوذا قويا داخل المنظمة، فلن يكون بوسعه “إغراق” الأسواق بالنفط، كما لن تكون لديه الرغبة في القيام بذلك·

فحاجته الملحة لعائدات النفط ستجعله أكثر اهتماما ببيع النفط بسعر 25-20 دولارا للبرميل الواحد، وليس بسعر 10 دولارات·

الطلب على النفط يتزايد بفضل الحاجة المتزايدة له من قبل دول كالصين والهند، وتأخذ المنافسة شكلها الواضح، حيث روسيا ودول القوقاز وخاصة كازاخستان وأذربيجان من جهة، والشرق الأوسط بما فيه العراق، من جهة أخرى·

والسباق من أجل تلبية الاحتياجات العالمية المتنامية من النفط يعد بمكافأة واضحة ومجزية، فمع حلول عام 2010 قد يعني النمو في الاستهلاك العالمي من النفط عوائد نفطية سنوية تصل الى 100 مليار دولار أو يزيد، تصب في بعض الدول·

وسيكون العراق الجديد في وضع أفضل - ولديه الدافع الأقوى - للمنافسة على حصته، وسوف يكون منافسا قويا، ولكنه أيضا، سيكون واحدا من متنافسين أقوياء عدة·

·         مؤلف كتاب “الجائزة: البحث الملحمي عن النفط والمال والقوة”، وأحد المشاركين في تأليف كتاب “المعركة للسيطرة على الاقتصاد العالمي”

طباعة  

محكمة النقض تبرئ ساحة الدكتور سعد الدين إبراهيم
 
مستمرون في إنتاج النفط مهما طال أمد الحرب
العربيد للطليعة: حقولنا محمية