كتب المحرر الثقافي:
صدر في ديسمبر الماضي “نداء” من المثقفين العراقيين موجه الى كل المثقفين في العالم العربي، ومما جاء فيه “نناشدكم يا أصحاب الأقلام الحرة والكلمة النزيهة الصادقة، أن تحسوا هموم شعبنا في الداخل وهمومنا في الغربة ونحن نعيش أمل الحرية والعودة الى وطننا المظلوم·· وأن تلحقوا بقافلة الحرية التي تمثلها مواكب المناضلين العراقيين الأحرار الذين وجدوا في صوت الأحرار العرب والأوروبيين·· ومن جميع القارات·· عضدا وسندا وقيمة كبرى من قيم الإنسانية”·
فهل جاءت ردود المثقفين العرب مواكبة لتلك القافلة، أم كان صداها في واد آخر؟
كانت قد شهدت الصحف العربية وشبكات الإنترنت خلال الأيام الماضية، صدور عدد من البيانات والرسائل الموقعة بأسماء النخب المثقفة في أكثر من بلد عربي، حملت جميعها مناشدات ومطالب تدور حول الشأن العراقي، ومخاوف من نتائج أجواء الحرب، التي يتوقع إعلانها بين لحظة وأخرى إن لم تكن قد وقعت خلال صدور عدد “الطليعة”·
تختلف هذه المحاذير بين بلد وآخر ونخبة وأخرى سواء في لغتها، أو في أهدافها وغاياتها المعلنة، إلا أنها تتفق في مجملها في إخفائها حقيقة موقفها من الحرب “ككارثة لم تكن خيارا إنسانيا أول” في منطقة ساخنة لم يهدأ تاريخها السياسي من دوي مدافعها، بل لم تكن حربا “خليجية” أولى·
وسط هذه الأجواء المربكة والغائمة، تشهد الساحة العربية خفوتا في صوت مثقفيها ومفكريها، استثناء من قاعدة الأمم الحية، المطالبة دوما بحريات الشعوب، وممارسة حقها الديمقراطي، وبناء المؤسسات، وإسقاط الأنظمة الدكتاتورية، مما يجعل من لجوئها الى منبر البيانات في إعلان رفضها قرار “الحرب”، هروبا الى المنطقة “الأسلم” والأكثر أمانا، في ظل أنظمة منسجمة ومحرضة على صدور تلك البيانات، متناسية - تلك النخب - أولوياتها في الحريات والمساواة وسيادة دول القانون، التي من الأجدر إعلانها وإن كلفتها تلك المطالب الكثير، وذلك عبر هذه الوسيلة الإعلامية (البيانات) المستحدثة في منطقتنا، والمقتبسة من شعوب أوروبية اعتادت تضمينها جميع المطالب الشعبية أو النخبوية دون تدليس ولا انتقائية·
هنا نختار نموذجين لتلك البيانات، الهاربة الى دفء الظل الرسمي، إذ تابعت الأوساط الثقافية صدور بيان لمجموعة من “مثقفين ومفكرين سعوديين”، حذر هذا البيان - كما يرى أصحابه - من تعرض النظام الدولي الى تهديدات خطيرة بسبب إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على “الهيمنة والسيطرة على مقدرات الشعوب وإضعاف الشرعية الدولية”، ثم انتقل الى الحجة المكررة حول امتلاك إسرائيل أسلحة دمار شامل في المنطقة، وتغاضي الولايات المتحدة عن خطر تلك الأسلحة المدمرة، مما يشير الى تأكيد أصحاب البيان الى وجود أسلحة دمار لدى نظام بغداد، وإيمانهم بحقه بامتلاكها، ما دام أن هناك خطأ مشتركا، وكأن المعيار الأمريكي المخطئ فيما يتعلق بإسرائيل يبيح لأي نظام تسلطي تصنيع ما يريد من أسلحة محرمة دوليا، تشكل خطرا على المنطقة·
ويرفض أصحاب البيان “مبدأ تغيير أنظمة الدول من الخارج” استنادا الى مواثيق الأمم المتحدة، دون أن يروا في هذا التدخل إنقاذا للشعب العراقي المعتقل داخل حدود العراق منذ ما يقارب الثلاثة عقود، ودون مؤازرة لأربعة ملايين لاجئ ومنفي عراقي، وحقوقهم الإنسانية في العودة، التي لن تتحقق إلا بإسقاط هذا النظام القمعي·
ويردد أصحاب البيان مخاوف أخرى مثل “احتلال العراق”، و”الاستيلاء على النفط”، دون التفات الى تسلط النظام الحاكم، واحتلاله لمقدرات وثروات العراق، ثم تتوجه لغة البيان الى مخاطبة قادة الدول العربية، ومطالبتهم “للاضطلاع بمسؤولياتهم إزاء ما يجري من مخططات لإعادة رسم خارطة ومعالم المنطقة العربية”، كما دعوا في بيانهم الى “احترام الشرعية العربية بحيث لا تستخدم أراضي أي دولة عربية لتحقيق أهداف تتنافى مع السيادة العربية”·
وكان قد وقع البيان عدد من المثقفين والأكاديميين السعوديين مثل د· سعد البازعي، د· عبدالرحمن الشملان، يوسف العجاجي، د· منصور الحازمي، د· معجب الزهراني، د· عبدالله المعيقل، د· عبدالعزيز البحراني، نورة الطويان، محمد الطويان، محمد العلي·
النابلسي·· ونقد النداء
وفي تعليق على نداء آخر وجهه عدد من المثقفين السعوديين الى الرئيس الأمريكي كتب الناقد والكاتب الأردني د· شاكر النابلسي، المعروف في الأوساط الثقافية العربية، والذي أمضى ما يقارب الثلاثين عاما من الإقامة في المملكة العربية السعودية، وردا على النداء الذي كان من بين موقعيه تركي الحمد، نجيب الخنيزي، علي الدميني، محمد العلي، متروك الفالح استحسن في بدئه تفاعل المثقفين السعوديين بالأحداث، والذين يتهمون دائما - حسب وصفه - بـ “نبت ثقافي صامت”، لكنه أعرب عن دهشته في عدد من النقاط كان أهمها معارضتهم لاستخدام القوة لبلوغ الإصلاحات والديمقراطية، مذكرا إياهم بصمتهم أيام قيام أمريكا باقتلاع جذور الدكتاتور الدموي ميلوسيفيتش في كوسوفو “إنقاذا” للشعب من مذابح هذا الدكتاتور ويضيف “ألم يكن خرقا كاملا للديمقراطية نفسها وقد كان ميلوسيفيتش حاكما منتخبا أيضا، والفرق بينه وبين فرعون الرافدين أنه لم يفز بنسبة %100 كما فاز المهيب الحبيب في المرة الأخيرة؟؟” ويتساءل “لكن ألا نكيل نحن من خلال نداء المثقفين السعوديين بمكيالين أيضا: مكيال صدام وميلوسيفيتش؟”·
ثم ينتقد د· النابلسي الإنشائية التي ملأت “النداء” من حيث إطنابها في آثار الحرب على البيئة والأرض والاقتصاد، ويقول عن أمريكا التي أوقفت أكثر من حرب عربية “السويس 1956، والحرب السعودية - المصرية على أرض اليمن في الستينات فلنسأل أنفسنا من الذي دفع أمريكا لكي ترسل بأبنائها الى صحراء “الطوز” لكي تحارب الشيطان الأصغر”·
ويضيف د· النابلسي أن “النداء” ينتقد الطريقة الأمريكية في معالجة القضية العراقية لكنه لم يقترح الحل البديل، بعد فشل كل الجهود السلمية·
وينتقل الى إشارة “النداء” الى تبعات حرب 1991 و”سلب الأرواح بأعداد غفيرة”، ليتساءل د· النابلسي: “لو لم تقم هذه الحرب في العام 1991 فمن كان سيخرج صدام حسين من الكويت؟ الحل السلمي؟ القوات العربية؟ الجامعة العربية المباركة؟ قوات درع الجزيرة! وهل كان صدام سيخرج سلما من الكويت لو لم يخرج بحد السيف؟”، ويؤكد على أن الأرواح التي أزهقت كانت ثمنا لحرية الكويت والسعودية وشعوب المنطقة، ولو لم يخرج “بحد السيف” لأصبح حال موقعي “النداء” كحال العراقيين الذين شردوا في أصقاع الأرض·
ويختتم د· النابلسي رده بالاستغراب من موقعي “النداء” في عدم مطالبتهم للأمريكيين بإعطاء مهلة لتنحي الطاغية، كي يجنب العراق وأهله والمنطقة أثر الحرب المقبلة·
الثقافة الرسمية في سورية·· تزور “بيانا”
ردا على “تزوير مجموعة من المثقفين السوريين، كانوا قد أصدروا بيانا موجها الى “ملوك وسلاطين ورؤساء وأمراء الدول العربية” يطالبون فيه بالوقوف مع العراق إزاء ما يواجهه من مخاطر، اعترض الكاتب السوري محمد علي الأتاسي على إدراج اسمه ضمن قائمة الموقعين دون علم منه وأورد الأتاسي في رده مجموعة من الملاحظات التي تفند ادعاءات تلك النخبة بتمثيلها قطاعات واسعة من المثقفين في سورية، وهنا نص رده:
لماذا أسحب اسمي
من بيان المثقفين السوريين؟
لست أدري، وأنا الغائب منذ شهرين عن البلاد بداعي السفر، إذا كنت الوحيد الذي تفاجأ باسمه موضوعا ضمن لائحة الأشخاص الموقعين على البيان - البرقية الذي وجهته مجموعة من المثقفين السوريين الى من يسمونهم “السادة ملوك ورؤساء وأمراء الدول العربية الأكارم” عشية مؤتمر القمة في شرم الشيخ، لكن ما أعرفه بالتأكيد هو أنني لم أستشر ولم يفاتحني أحد بموضوع البيان ولم أطلع حتى على نصه إلا بعد نشره في بعض الصحف وفي موقعين “إيلاف” و”أخبار الشرق” على الإنترنت مذيلا بأسماء الكثير من المثقفين السوريين الذين أكن لهم المودة والاحترام وكان سبق أن تشرفت ووقعت معهم بيان الـ 99، الطامة الكبرى ليس فقط أن أحدهم “لا أعرفه ولا أريد حتى أن أعرفه” سوغ لنفسه أن ينتحل التوقيع باسم الآخرين، ولكن في كون لغة البيان وأفكاره بعيدة كل البعد عن الحد الأدنى من القناعات التي أحملها أو يمكن أن أتشارك بها مع الآخرين في سياق عمل أو قول جماعي، وسأحاول في ما يلي تقديم بعض الملاحظات النقدية لهذا البيان:
1 - يتوجه أصحاب البيان الى قادة الدول العربية بالآتي: “يطالبكم موقعو هذه البرقية بموقف في مستوى التحديات، لإعادة الثقة الى أمة فقدت الشعور بالأمان والأمل، وتنتظر منكم إخراجها مما هي فيه، بما أنكم قادتها”· وأول ما يلفت النظر في هذا البيان هو أن القائمين عليه لا يجيزون لأنفسهم التوقيع باسم الآخرين فقط، ولكنهم ينصبون أنفسهم ناطقين باسم “الأمة” بقضها وقضيضها، بل إنهم يدعون المقدرة على قراءة الحالة النفسية لهذه “الأمة” ويشخصون افتقادها “الشعور بالأمان والأمل”، وهكذا فنحن أمام فرع جديد من الطب النفسي قادر على تشخيص الحالات النفسية للأمم!
2 - بدل أن يطرح البيان - البرقية مشروعية تمثيل القادة العرب المجتمعين في مدينة شرم الشيخ لشعوبهم والذي فيه يكمن أصل البلاء، فإنه ينظر الى هذه الشعوب بمنظار الرعية التي لا حيلة لها ولا شأن إلا أن تنتظر من طغاتها “إخراجها مما هي فيه بما أنهم قادتها”، وضمن هذا المنطق الأعوج فلا غرابة أن يخلو البيان من أي إشارة الى كلمات من مثل “الديمقراطية” أو “الحريات السياسية” أو “الانتخابات”·
3 - يخاطب البيان - البرقية القادة العرب بالآتي: “هذه فرصة تاريخية أخرى تتاح لكم، نتمنى ألا تفشلوا في الإفادة منها”، ونحن هنا لا ندري باسم أي منطق أو تحليل عقلاني تمكن القائمون على البيان من رؤية مثل هذه “الفرصة التاريخية” في قمة كان واضحا منذ البداية أنها محكومة بالفشل·
4 - إذا كان هذا البيان - البرقية لم يمكن هؤلاء المثقفين السوريين مجتمعين من قول الحقيقة المرة لقادة الدول العربية، فربما كان من الأجدى لهم أن يوظفوا توحدهم الطارئ هذا لما هو أجدى وأفعل في هذه المرحلة، وأعني به النقد الجماعي والصارم لمهزلة الانتخابات النيابية التي يتقاسمها كبار التجار وأحزاب الجبهة الوطنية في الوقت الذي لا يزال يقبع فيه النائب المستقل رياض سيف مع غيره من الأصوات الحرة في غياهب السجون، عندها فقط يستعيدون دورهم كمثقفين نقديين لا يساومون على الحقيقة، وعندها فقط ستغادر قوائمهم الكثير من الأسماء التي صحت فجأة لتوقع البيان الموجه الى القادة العرب، في حين كانت نائمة وغائبة عندما تم توقيع بيان الـ 99 وبيان الألف وغيرها من البيانات المطالبة بالديمقراطية في سورية·
نصرة الشعبين الفلسطيني والعراقي، ومواجهة المشاريع الأمريكية الزاحفة قدما على منطقتنا، لا يكون ناجعا إلا بمقدار ما نستطيع أن نحقق من تقدم على طريق الديمقراطية والمشاركة السياسية، وهذا ما يجب أن ننتزعه من حكامنا، سواء أكانوا حلفاء لأمريكا أو “أعداء” لها·