
رحــــلـــة الـــحــــج (1)
ليلى العثمان
تحمل الله في قلبك، تحمل صلواتك التي اعتدتها، وعلاقتك المباشرة بالله دون وسيط ولا مظاهر يفتعلها البعض - والله أعلم ما في الصدور - قناعتك أنك تؤدي فرضا من فروض الإسلام عليك· ارم كل - قيل وقال - خلف ظهرك، صم أذنيك عن هذا الهمس الوارد من خلفك مستغربا أنك تفعل، وكأنك لست في - خانة المسلمين - وكأن الإسلام حكر على المظهر، احمل إيمانك وحبك لله، ومناجاتك وتوكل على الله وغادر الى مكة·
التصورات التي ترسمها في ذهنك لكل شيء، لن تتطابق بالضرورة مع كل ما وعدك به أصحاب الحملات الموقرون فالواقع هناك قد يطيح بأحلامك ووعودهم، لكن هذا لا يمنع أن نقول كلمة حق في الحملة “···” التي اخترنا أن نكون ضمن فريقها، فقبل المغادرة بأسبوعين كان كل شيء معدا إعدادا باهرا، بدءا بالحقائب الكبيرة و”الهاند باج” الذي بداخله الفراش - سليب باج - لزوم النوم في - منى ومزدلفة - الشنطة الصغيرة التي تعلق في أثناء الطواف، وأخرى لأجل جمع الجمرات، “باجات” تعلق على الصدر فيها الاسم، فصيلة الدم، اسم الحملة والفندق ورقم الغرفة، وكذلك أسورة جلدية باليد تحمل البيانات نفسها في حالة الضياع أو التعرض لحادث أو الوفاة، منشورات من كل نوع، دينية، وأخرى توجيهية توضح سير المناسك، وورقة البرنامج كاملا منذ لحظة السفر حتى العودة، بما في ذلك وجبات الطعام - بوفيه - ومواعيد المحاضرات الدينية لا تغفل الحملة شيئا، تنظيم يجعلك تغادر وأنت مطمئن كل الاطمئنان أنك ستكون مرتاحا وراضيا تشكر لهم هذا الجهد وتتمنى أن يتحقق لتكمل لهم قواميس الشكر الأخير·
الدخول الأول
آلاف الحجاج يهبطون يوميا في مطار جدة، رغم ذلك فالمطار لا يتناسب وحجم الأعداد الوافدة من ناحية المساحة والخدمات وقد تصورنا أن الحملة ستتولى تخليص ختم الجوازات واستلام الحقائب لكن الواقع صدمنا وكان علينا في وسط ذلك الزحام والاكتظاظ غير الطبيعي أن نتراكم في صالة ضيقة، البعض على الكراسي القليلة المتوافرة والبعض افترش الأرض وامتدت طوابير الانتظار أحد الأخوة المصريين الموظفين حدد الدخول بثلاث نساء بينما كانت هناك عائلات من خمسة أفراد أو سبعة، وحين اعترضنا على هذا التنظيم فوجئنا به يقول غاضبا: “أنتم الكوايتة دايما كده، مافيش حاجة عاجباكم ودايما عايزين تخالفوا القوانين”، فاستنجدنا بأحد رجال الشرطة الواقفين الذي سهل أمور الدخول، لكن بطء التدقيق في الجوازات جعل الطابور يتحرك بخطوة السلحفاة، والأنفاس تختنق بانتظار الخروج من المأزق الأول·
مأزق الحقائب
“يا إله الكون رحمتك”، ستفيض روحك بهذا الرجاء حين ترى أكوام الحقائب بالمئات متراكمة في مساحة صغيرة، وعليك أن تقضي أكثر من ساعة لتحظى بحقائبك، ترصها في مكان ثم تبدأ أزمة جديدة حين تضطر لحملها واحدة تلو الأخرى لتدخل “سير الأشعة”، والمفاجأة أن السير معطل وهنا تكون المأساة المضحكة المبكية، عليك أن تدفع حقائبك بكل ما أوتيت من قوة، والآخر في الناحية الأخرى يشد - السير - لتخرج الحقيبة! وهذا أمر زاد من تأخيرنا وأثار انزعاجنا واستغرابنا! كيف لا يكون المطار مجهزا بأكثر من “سير” ليحتمل هذا الكم من الحقائب!! ولا يوجد حمالين ولا عربات لوضع الحقائب، تبتلع غصتك واستغرابك وتخرج متشهدا على روحك التي سلمت من الأحمال والزحام أما الحقائب المتراكمة عند باب الخروج فقد نشط شباب الحملة من الإداريين بنقلها الى الباصات·
عورات النساء
تصورك أنك ستدخل منشرحا ونفسك راضية لن يتحقق فسيبدأ تذمرك من كل ما سبق خاصة وأنك تحمل “حصرك” وتبحث عن الحمام لتفك عن نفسك ويفاجئك المشهد “مثل فيلم سينمائي”! ستقف مندهشا، فأكثر من خمسين امرأة إفريقية احتللن الحمام، واستحكمن في أحواض الوضوء في الوسط، عاريات تماما - ربي كما خلقتني - ولا تسترهن حتى رغوات الصابون، فاصل استحمام جماعي بين هرج ومرج ومهما حاولت أن تغض بصرك فلن تقدر، لأنك في اختراقك الصفوف سترتطم بأكثر من جسد وويلك لو سولت لك نفسك أن تقتحم - بيت الخلاء - دون إذن من واحدة تعترض طريقك، بعد هذا ستفاجأ بما هو أغرب، فبعد استحمامهن يخرجن الى - الممر - الخارجي الضيق ليرتدين ملابسهن وهذا الممر مفتوح من الجانبين، مباح لكل المارين ولكل العيون من رجال ونساء وأطفال، وإياك أن تنصح إحداهن بالتستر والتواري فلن تسمع ما يرضيك، خاصة وروائح الحمام والبشر تخنقك، فتواصل تذمرك، وتأففك وأنت الذي جئت وروحك ممتلئة بالنوايا الحسنة والابتعاد عن كل ما قد يفسد حجك، لكن السؤال يطاردك: ألا يعرف المسؤولون ما يجري في هذا المكان؟ ألم ير شيوخ الدين المارين هذا المشهد ليردوا عن النساء العاريات شر العيون المبحلقة”؟!
كما لا يتقيد الرجال بطرق ارتداء لباس الإحرام التي تنص على أن يظهر أحد الكتفين فنراهم مشرعين صدورهم كلها في الشارع في الطواف والسعي، وهذا أدى لسقوط بعضها من على أكتافهم فينحنون لالتقاطها من وسط الزحام فيعرضهم هذا لمخاطر تعثر سيل الحجاج بهم، أما النساء فقد التزمن بتشديد غطاء رؤوسهن وخلعن - النقاب والقفازات - لأن هذا ممنوع في أثناء أداء مناسك الطواف والسعي·
بدأت رحلتنا· وبدأنا نسترد أنفاسنا ونحن نصعد الى الباصات في الطريق الى مكة المكرمة·
laila_alothman@hotmail.com