
إن هذه الأوضاع الدولية الحرجة قد تكون سبباً في رسم نظام عالمي جديد، ففي هذه الأيام بدأت تخرج أصوات مؤثرة في السياسة الأمريكية وخاصة من قبل اليمين الأمريكي والمحافظين تدعو الى تغيير جذري في أسلوب تعامل الحكومة الأمريكية مع العالم ونشرنا مثالاً عليها قبل أسبوعين واليوم ننشر هذا التصور من قبل أحد الأعضاء البارزين في لجنة العلاقات الخارجية والمؤثرة والمسموعة في أمريكا·
بينما ننتظر رؤية فرانسيس فوكوياما في “نهاية التاريخ” لعالم تحكمه الديمقراطية والرأسمالية، يمكننا أن نتخيل تحولا مبكرا لعالم يكون عنوانه “نهاية التحالفات”، وربما كان من الصعب تخيل عالم من دون حلف شمال الأطلسي ودون منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ولكن يبدو أن هذا هو ما يحدث، وأن هذا التغير سيجلب معه الفرص ونقاط الضعف في آن ·
وحتى لا نبالغ في مشاعر الحزن، دعونا نتذكر أننا تدبرنا أمورنا، طوال معظم حقب التاريخ، من دون أحلاف، فقد نشأ الجمهور الأمريكي الفتي مصمما على بدء حقبة جديدة، ونظر إلى التحالفات بعدم ارتياح واعتبرها تمهيداً للانخراط في شراكة تضعفهم وتحشرهم في عالم السياسة القذر لـ “أوروبا القديمة” وفقاً لوصف وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد في سياق آخر· وقد انعكس هذا الإحساس في الخطاب الوداعي للرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن الذي حذّر فيه من “التحالفات الدائمة مع أي جزء من العالم الخارجي”، كما حذر من أن “أوروبا لديها مجموعة من المصالح الأولية التي لا تعنينا كثيرا أو تهمنا من بعيد·· وبالتالي، فإنه سيكون من غير الحكمة أن نُقحم أنفسنا بعلاقات مصطنعة مع التقلبات العادية لسياساتها”·
من حليف إلى مشكلة
لقد أعاد الأمريكيون النظر بهذه الرؤية بعد الثورة الصناعية التي طورت الأسلحة ووسائل النقل مما وسع حدود المخاطر·
ودخلنا الأحلاف لخوض حربين عالميتين، على الرغم من تخلينا عن الاتفاقات، بعد الحرب العالمية الأولى، باعتبارها غريبة وغير ذات صلة، ولكن ذلك لم يكن ممكنا بعد الحرب العالمية الثانية، فحين لحقت الهزيمة بألمانيا واليابان، تحوّل حليفنا السابق (الاتحاد السوفييتي) إلى مشكلة جديدة وكنا بحاجة إلى حلفاء طويلي الأمد، وقد أثمرت استراتيجيتنا القائمة على “الاحتواء” إبان الحرب الباردة، أكبر نصر للسياسة الخارجية الأمريكية والذي تمثّل بانهيار النظام الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي معتمدا على تحالف نظام عالمي مناوئ للشيوعية·
وفي العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، لم تتغلب الولايات المتحدة على عدائها للتحالفات وحسب، بل عملت على تشكيلها بحمّى تحوِّل جديد، لقد طوقنا الاتحاد السوفييتي بجملة من التحالفات التي شملت “الناتو” ومنظمة جنوب شرق آسيا “سيتو” وتحالف أمريكي - أسترالي - نيوزيلندي، فضلا عن اتفاقات ثنائية مع اليابان وكوريا الجنوبية، لدرجة أن البعض وصف سياسة الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة بأنها كانت “مهووسة بالتحالفات”·
ولا يستطيع معظم الأمريكيين تذكر أي وقت لم تكن فيه التحالفات جزءاً أسياسيا من استراتيجيتنا، وبالتالي، فإن أفول مؤسسات مألوفة، يتطلب إدخال تغييرات كبرى في نظرتنا إلى العالم ودورنا فيه· ومع ذلك، فإن التحالفات ظلت دائما ظرفية ومرتبطة بأحداث أخرى وتفرضها الأخطار المشتركة، ولننظر إلى الكثير من الأحلاف العسكرية التي أقيمت على عجل ثم آلت إلى مزبلة التاريخ، ولنفكر في منظمة جنوب شرق آسيا “سيتو” التي لم يسمع بها سوى القليل من الشباب الأمريكي·
مصالح ثابتة
وتحالفات متغيرة
واليوم، لابد أن نضع في اعتبارنا مسألة سرعة زوال التحالفات، حين أصبح بقاء تحالفاتنا مع شركائنا الرئىسيين إبّان الحرب الباردة، موضع تساؤل·
صحيح أن المشككين في بقاء هذه التحالفات أقلية في الولايات المتحدة، وغالبا ما يقابلون بسيل من التطمينات حول مصير “الناتو” والمعاهدات الدفاعية الأخرى، وقدرتها على التأقلم مع المتغيرات وكسب أسباب جديدة للبقاء·
ويواجه أولئك الذين يحاولون في قوة وملاءمة تحالفات القرن العشرين الاتهامات بأنهم من مثيري المخاوف من أخطار غير قائمة وعاجزين عن فهم المثاليات التي تربط بين هذه الشراكات·
هذه رؤية خطأ لسبب أساسي، فالتحالفات تعكس ظروفاً محددة، وحين تتغير هذه الظروف، فإن المصالح العملية المشتركة الحيوية لبقاء هذه التحالفات حيّة تبدأ بالتآكل· فكما قال وزير الدفاع البريطاني في القرن التاسع عشر اللورد بالمرستون “لا توجد تحالفات دائمة·· بل مصالح دائمة فقط”·
ومع ذلك، فإن البيانات الأمريكية تقلل من أهمية انقسامات “الناتو” حول العراق، باعتبارها مشاكسة فرنسية يجسدها الرئيس جاك شيراك وانتهازية انتخابية من المستشار الألماني غيرهارد شرويدر· ويقارن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بين ضعف الموقفين الفرنسي والألماني والولاء الشديد للناتو من قبل الأعضاء الجدد من أوروبا الشرقية·
ويُثني الرئيس بوش على زعماء بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا لدعمهم سياسته تجاه العراق· ولكن الرأي العام في جميع هذه الدول تقريبا، في أوروبا”القديمة” و “الحديثة”، يعارض بشدة استخدام الحرب لإسقاط النظام العراقي·
والمنازعات داخل الناتو لا تقتصر على الموضوع العراقي، كما أنها لا تنبثق - كما زعم روبرت كيغن - من التنافر بين النزعة السلمية لأوروبا والسلوك الواقعي لأمريكا، بل إن الناتو في خطر لأن تفكك الاتحاد السوفييتي غيّب عنه عدواً مشتركاً واضحاً وحرمه من هدف واضح·
تحالف بالاسم فقط
فالحرب ضد الإرهاب ومهام حفظ السلام وتعزيز الديمقراطية، لن تصبح أهدافا موحدة جديدة، فهي ذات طبيعة عمومية وغير متبلورة ويصعب إقناع الجميع بها أو التوصل إلى إجماع بشأنها·
إنها توسّع الحلف إلى خارج أوروبا، وهذا ينطوي على مغامرات أو ما يطلق عليه “عمليات خارج المنطقة” تؤدي إلى الفرقة عادة أكثر مما توحد المواقف داخل الحلف، وسيظل هذا صحيحاً، ومع مرور الوقت سيشعر الأمريكيون بالإرهاب مما ينظرون إليه بالفعل على أنه نكران أوروبي للجميل، وسيضيق الأوروبيون ذرعا بما يعتبرونه نزعة أمريكية نحو تعريف التضامن على أنه توافق كامل مع أهدافهم· فالناتو قد يظل قائما بالاسم فقط لسنوات عدة، ولكنه سيختفي من الناحية الفعلية·
وقد شُخّصت مشكلة التضامن من داخل الحلف، على نحو خطأ، على أنها مشكلة بين أوروبا وأمريكا، ومع ذلك، فإن الظروف الجديدة، تعمل أيضا على تآكل تحالفاتنا الأخرى، كما برز بالنسبة لعلاقاتنا مع كوريا الجنوبية، لقد كانت هناك دائما خلافات بين واشنطن وسيئول حول أفضل السبل للتعاطي مع بيونغ يانغ، أو مشاعر العداء للأمريكيين· فهي من الجوانب الجديدة في سياسات كوريا الجنوبية، ولكن سوء العلاقة بين البلدين وصل حدا لم يكن أحد ليتصوره في أثناء الحرب الباردة·
تحولات حادّة
واليوم، لا تري القيادة ولا الشعب في كوريا الجنوبية أن مصالح بلادهم تتقارب مع المصالح الأمريكية، فالكثيرمن الكوريين الجنوبيين يرون في سياسة واشنطن تجاه بيونغ يانغ تهديداً أكبر لبلادهم مما تشكله جارتهم الشمالية ويتراجع التأييد لبقاء القواعد الأمريكية في كوريا الجنوبية يوما بعد يوم· فهذا الخلاف ذو ميول يسارية، بل إن المعارضة للسياسات الأمريكية والتواجد العسكري تنبثق من المجتمع الكوري الجنوبي ومن ظروف عالم ما بعد الحرب الباردة ومن المتوقع لها أن تتنامى·
فشبه القارة الكورية سوف يتوحد خلال العقد المقبل سواء بالعمل الدبلوماسي أو بسقوط نظام بيونغ يانغ، وحينئذٍ سيطالب معظم الكوريين برحيل القوات الأمريكية، وسيضيق الأمريكيون بالعداء من بلد يمتلك الثروة والقدرات للدفاع عن نفسه، وفي ظل العجز المتنامي في الميزانية الأمريكية، فإن الدعوات الداخلية سترتفع أكثر فأكثر لعودة الجنود الأمريكيين من شبه القارة الكورية·
وحين ننسحب من كوريا، ستكون اليابان الدولة الوحيدة في منطقة آسيا والمحيط الهادىء التي تستضيف قوات أمريكية، فالمعارضة للتواجد العسكري الأمريكي هناك ليست بقوة المعارضة في كوريا الجنوبية، ولكنها أصبحت عنصرا مهما في السياسات اليابانية، ولا تقتصر على أحزاب أقصى اليسار· وخروجنا من كوريا الجنوبية لن يساعد في إقناع اليابانيين أنهم مازالوا بحاجة لحمايتنا أكثر من أي وقت مضى، بل سيقنعهم بضرورة الإعداد ليوم يعتمدون فيه على أنفسهم للدفاع عن بلادهم، ومن شأن ذلك أن يعزز صفوف المعارضين لوجود القواعد الأمريكية·
وبالإضافة إلى ذلك، تعتبر ميزانية الدفاع اليابانية الآن من بين أكبر خمس ميزانيات دفاعية في العالم، وبدأ اليابانيون في السنوات الأخيرة بمناقشة موضوعات كانت في الماضي من المحرّمات مثل تخفيف القيود الدستورية على استخدام القوة العسكرية والحصول على الأسلحة التي توسع دائرة وصول القوات المسلحة، وحتى الحكمة من نبذ الأسلحة النووية· صحيح أن القوات اليابانية تعاني من نقاط ضعف رئيسية، لكن اليابان تنفق 1 في المئة فقط من الناتج المحلي العام على الدفاع ولديها القدرة المالية والتقنية اللازمة لبناء قوتها العسكرية، وهذا ما ستفعله تحديدا حين تشكل ظروف جديدة - مثل تنامي قوة الصين والمشاعر القومية فيها وحين يصبح من الصعب الاعتماد على الولايات المتحدة - تحدياً لعدد من البديهيات في السياسة اليابانية·
نهاية حقبة
وبداية حقبة جديدة
أما التحالفات الأخرى التي أيدت سياسة الاحتواء مثل تحالف أستراليات ونيوزيلندا والولايات المتحدة ANZUS فسوف تتفكك باختفاء التهديد المشترك، بل إن هذا التحالف، تفككّ بالفعل، وعليه، فإن من الواضح أن المشكلة أكبر مما يزعمه منتقدو أوروبا· لقد دخلنا عالما ستختفي فيه الأحلاف لصالح ائتلافات سريعة ومتحوّلة تنشأ لأهداف محدودة ومع دول لم تكن حليفا تقليديا لنا، ويعتبر التعاون القائم بين الولايات المتحدة والهند حول قضايا أمنية منذ عدة سنوات خير مثال على النمط الذي سيحكم العلاقات بين الدول في المستقبل·
وحين تصبح بلاحلفاء دائمين وبلا قواعد عسكرية طويلة المدى في الخارج، ستكون الولايات المتحدة بحاجة إلى استراتيجية أكثر رشاقة وأكثر تساوقاً مع طبيعة التهديدات وميزان القوى وتصنيف الأصدقاء والأعداء، وسوف تكون قائمة العناصر التي تحدّد وسائل وأهداف رجل الدولة أكثر تعقيدا وأكثر إثارة للاضطراب· ولن يكون من الضروري إعادة النظر في دبلوماسيتنا فحسب، بل في أسلحتنا واستراتيجياتنا العسكرية أيضا، لتناسب عالما لم يعد سعيدا باستضافة قواعد عسكرية طويلة الأجل لنا· ونحن - إذن - لسنا فقط في نهاية حقبة زمنية، بل دخلنا بالفعل إلى حقبة جديدة، وإذا زعمنا غير ذلك وتمسكنا بنظريات مريحة لكن عفا عليها الزمن، وواصلنا ممارستنا المعتادة، فإنه ليس من شأن ذلك سوى إضعاف قدرتنا على التأقلم الخلاّق والناجح مع المتغيرات الدولية، ففي حياة الأمم - كما البشر - يـظل التغيّر هو الشيء الدائم، والآن· فإن المطلوب منا أن نعدّ أنفسنا لعالم لا تحالفات فيه·
بقلم: راجان مينون*
· مساعد سابق لعضو الكونغرس ستيفن سولارز لشؤون انتشار الأسلحة والأمن القومي وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة لي وكبير باحثين في مجلس العلاقات الخارجية ومعهد كارينغي في واشنطن
· عن لوس أنجلوس تايمز”