
قرار الدكتاتور العراقي صدام حسين في أواخر شهر فبراير الماضي نقل فرقة “عدنان” التابعة للحرس الجمهوري من قاعدتها القريبة من مدينة الموصل في الشمال باتجاه وسط العراق كان بمثابة آخر الأدلة على أنه إذا هوجم، فإنه لا يخطط للدفاع عن حدود بلاده، بل يخطط لجعل المعركة في بغداد بحيث يلعب دور البطولة في دراما مصممة لتصوير نظامه كضحية تصمد أمام الجيش الأمريكي الذي يتقدم نحو العاصمة العراقية·
إنها استراتيجية سياسية أكثر من كونها عسكرية، فالحسابات السياسية لنظام صدام، أن بوسعه استخدام أي حصار طويل لبغداد لإثارة المعارضة في الشارع العربي وفي العواصم الأوروبية لحملة إدارة بوش الصليبية لإسقاطه وفي هذه الأثناء، سيستخدم صدام سكان بغداد كمخالب في هذه اللعبة، وسوف يستغل محنتهم لاستدرار تعاطف العالم وتعقيد المحاولات الأمريكية لاحتلال المدينة·
فالنهج العراقي حتى الآن يتمثل في إبداء ما يكفي من التعاون مع مفتشي الأسلحة لإثارة الانقسام داخل مجلس الأمن ولتقوية المعارضة الشعبية للحرب في دول رئيسية كتركيا التي تسعى إدارة بوش لاستخدامها كجبهة شمالية، ولكن يجب على صدام أيضا أن يفهم أن هذه الاستراتيجية ليست كافية لوقف الإدارة الأمريكية عن المضي قدما في خططها لغزو العراق·
وهكذا، إذن، يحاول الرئيس العراقي تحديد شكل نهاية اللعبة·
شيفرة
إن قراءة نوايا العدو هي فن وليست علما· فأقمار التجسس الصناعية وتكنولوجيا الاستطلاع التي تعتمد عليها الولايات المتحدة، تساعدها في مهمتها بالتأكيد، ولكن في نهاية الأمر، عادة ما تكون مهمة فك شيفرة خطط العدو، مسألة تكهنات لخبراء الاستخبارات والضباط العسكريين والمسؤولين السياسيين·
ولم تنجح الولايات المتحدة دائما في ذلك، فخلال حرب الخليج عام 1991، افترضت قيادة القوات المركزية الأمريكية بأن الجيش العراقي سوف يصمد ويقاتل ويستخدم الأسلحة الكيماوية، ولكن - بدلا من ذلك - انسحب الحرس الجمهوري وولى الأدبار حينما رأى تفوق الجيش الأمريكي عليه، ولم يستخدم العراق الغازات السامة أو الأسلحة الجرثومية، خوفا على ما يبدو، من ردة فعل انتقامية من جانب الولايات المتحدة·
وفي حين كانت حرب 1991 أسهل مما كان متوقعا، إلا إنها دفعت ثمن فشلها في استغلال النجاح السريع الذي أحرزته في ميدان المعركة، وتمثل ذلك في تمكن الحرس الجمهوري من الإفلات· وهذا درس تحذيري يجب أن نعيه من هذه التجربة·
ويرى الكابتن ويل ديويس قائد المدمرة الأمريكية “شيلو” أن “الخطر العراقي الرئيسي بالنسبة لي هو ما لم نفكر فيه أبدا”، وقال إن طريقة انتشار الجيش العراقي وتصريحات صدام الأخيرة تقدم لنا أدلة مفيدة·
فهو قد أوكل الدفاع عن بغداد لقوات الحرس الجمهوري الخاصة المرابطة داخل المدينة، إضافة الى ثلاث فرق من الحرس الجمهوري منتشرة حولها، وتعتقد أجهزة الاستخبارات الأمريكية أنه على الأرجح أن صدام أرسل فرقة “عدنان” لحماية مدينة تكريت شمالي بغداد مع إمكانية نقلها جنوبا الى العاصمة·
ولم يسبق لنظام صدام أن أعطى الثقة الكاملة بالجيش النظامي كي يسمح له بالاقتراب من بغداد، وينطبق ذلك على الوضع الآن، فقد ظل صدام يوكل للجيش الأقل قدرة وحافزا مهمة محاربة الأكراد في الشمال وقمع التمردات الشيعية في الجنوب، وهذا يعني أن من المتوقع أن يتخلى صدام عن السيطرة على مناطق الشمال والجنوب لصالح القوات الأمريكية وقوات التحالف التي تتفوق على قواته عدة وعتادا، بينما يعد العدة لخوض المعركة النهائية في بغداد وربما في تكريت، حيث يعتقد مسؤولون أمريكيون أنه سيلجأ الى هناك حين يخسر كل شيء·
وما دون ذلك، هناك أشياء كثيرة لا تزال في حكم المجهول، فاستخدام الأسلحة الكيماوية أو الجرثومية قد يبطئ تقدم القوات الأمريكية ولكنه لن يوقفها لأنها مجهزة بالمعدات اللازمة لذلك، كما أنه سيؤكد المزاعم الأمريكية - البريطانية بأنه يخفي أسلحة للدمار الشامل، وبالتالي يضعف جهود صدام لإظهار نفسه ضحية لمخططات إدارة بوش الهادفة لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط·
سياسة الأرض المحروقة
وينطبق الشيء ذاته على نسف الجسور والسدود أو إحراق آبار النفط، أو سياسية “الأرض المحروقة” التي يقول مسؤولو الاستخبارات الأمريكية: إن العراق ينوي تطبيقها، صدام حسين أكد في مقابلة أجراها معه دان راذر من شبكة “سي· بي· اس” أخيرا أنه لا ينوي تدمير البنية التحتية للعراق، وهي الخطوة التي من شأنها إبطاء تقدم القوات المهاجمة ولكن على حساب صورة نظامه في الخارج، وقد يكون ذلك صحيحا، أو أنه يعني ببساطة أن القوات العراقية تنوي نسف السدود وإضرام النيران بآبار النفط وإلقاء اللائمة على الولايات المتحدة·
ويختلف حتى الخبراء، حول هذه المسألة، ففي حين أثارت وكالة الاستخبارات الدفاعية المخاوف من استراتيجية “الأرض المحروقة” التي قد ينتهجها صدام، يخالفها الرأي وولتر لانغ المحلل السابق في الوكالة لشؤون الشرق الأوسط، ويقول إن مشروع صدام ليس تدمير موارد بلاده من أجل التمسك بالسلطة، بل للصمود في بغداد ومحاربة القوات الغازية حتى النهاية·
ويضيف لانغ أن “مواقف الدكتاتور العراقي تجاه أراضي وموارد بلاده مختلفة، وعلينا أن نأخذ مسألة كيف ينظر الى نفسه مأخذ الجد، إن ما يريده هو بناء أسطورة في التاريخ العربي حتى يظل طلاب المدارس العرب يكتبون عنه الشعر لألف سنة”·
وتمتلك الولايات المتحدة - في التحليل النهائي - القوة والمهارة العسكرية لتحقيق النصر، حتى في حرب المدن، ولكن المخططين العسكريين الأمريكيين يرون أنه ليس من المهم تحقيق النصر فقط، بل كيفية تحقيق هذا النصر أيضا، فأمريكا تريد أن ينظر الى جيشها كقوة تحرير وليس قوة احتلال، والصور التي تريد أن تراها على قناة الجزيرة هي لآلاف العراقيين الذين يرحبون بالقوات الأمريكية والبريطانية في جنوب العراق قبل أن تتقدم نحو بغداد، فهي تريد حربا سريعة واستقبالا وديا في بغداد، وليس الاضطرار لفرض حصار طويل وسط مشاعر القلق المتنامية حول العالم بشأن مصير المدنيين·
وقد صور صدام الجيش الأمريكي كقوة احتلال ستواجه بالمقاومة من المواطنين العاديين الذين لديهم التصميم على الدفاع عن بلادهم ضد الغزاة الغربيين، وقد بعث الرئيس جورج بوش برسالة معاكسة في خطابه الأخير أمام أحد معاهد واشنطن ذي الميول اليمينية، حيث قال “إن القوات الأمريكية ستزيل نظاما قمعيا وتقدم المواد الغذائية للشعب العراقي وتحمي موارده وتساعد العراقيين على بناء الديمقراطية”·
الحرب لم تبدأ بعد، لكن الصراع لصوغ التصورات العراقية والعالمية حول معركة بغداد المحتملة، بدأ بالفعل·
بقلم: مايكل غوردون
· عن نيويورك تايمز