· غياب الوحدة الأوروبية الذي يعوق جهود الديغوليين الأوروبيين لتحدي الولايات المتحدة يوفر لأمريكا فرصة فريدة
إن هذه المقالة كتبها أحد أعضاء الـ Heritage Foundation وهي حوزة فكرية “think tank” يمينية محافظة ومؤثرة في السياسة الأمريكية يعرض من خلالها توجه اليمين الأمريكي نحو استراتيجية جديدة تجاه علاقة الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي·
أدت المعالجات الخاصة بالعمل الدولي ضد العراق الى تقطيع مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، الآن، إربا وعلى وجه التحديد أظهرت القرارات الفرنسية والألمانية بجلاء وجود أزمة في العلاقة بين طرفي شاطئ المحيط الأطلسي، كان مصدرها الخليط الأوروبي من الكبرياء والضعف وقد حان الوقت أمام صانعي السياسة الأمريكيين حتى يدركوا حقيقة صعبة مفادها أن أوروبا ينبغي في آن واحد لا أن تفشل ولا أن تنجح كثيرا·
ذات مرة حاول جنرال فرنسي في الحرب العالمية الأولى أن يلهم جنوده بوساطة الرسالة الجريئة الشهيرة فقال: “يميني تفسح المجال ويساري تنصاع، كل شيء على ما يرام، أنا سأهاجم!” وربما يكون الجنرال فوش مرتاحا في قبره البارد الى الموافقة “على نهجه” الآتية بعد عقود من وفاته من المعلقين البارزين من “أوروبا القديمة” مايكل نومان وباتريس دوبير·
وهذان الملعقان اللذان يكتبان باعتبارهما عضوين في النخب الفرنسية والألمانية في خضم أشد الخلافات الأوروبية الداخلية مرارة في الذاكرة، ربما يكون متوقعا منهما إدراك العلامات الملموسة لتفكك السياسة الجغرافية، ففي نهاية المطاف، وفي مواجهة أزمة بشأن العراق، كشفت “الوحدة الأوروبية” على حقيقتها: إنها مجرد خرافة· لكن بدلا من الارتقاء الى مستوى أعلى من فهم الحطام المتناثر حولهما، لجأ هذان النموذجان للحلم الأوروبي الى أدنى قاسم مشترك·
أما الانتقاد العنيف للأمريكيين فلن يفيد “أوروبا القديمة” بشيء، غير أن المنتقدين ربما كانوا على حق في شيء واحد: أن علاقة أوروبا بالولايات المتحدة تواجه مشكلة فعلا، وفوق ذلك، ولإدراك طبيعتها المتغيرة - وكيف ينبغي أن ترد الولايات المتحدة - من المهم الابتعاد عن الأحداث الحاسمة التي وقعت في الأسابيع الأخيرة ووضعها في إطار أوسع·
رؤيتان بشأن العالم
طوال التسعينات أدى تبادل الدعابات والخطابات الغامضة بشأن “أوروبا الموحدة والحرة” الى تغطية حقيقة مفادها أن العلاقة عبر الأطلسي كانت في أزمة باضطراد، مع وجود جزء مهم من النخبة السياسية الأوروبية ينظر الى الولايات المتحدة باعتبارها جزءا من المشكلة في السياسات الدولية لا باعتبارها جزءا من حل المشكلات العالمية·
وخلال هذه الفترة، ظهرت تباينات سياسية حقيقية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشأن مجموعة واسعة من القضايا كالتجارة وعقوبة الإعدام والمحكمة الجنائية الدولية الى اتفاق كيوتو الخاص بالتغيير المناخي والصراع العربي - الإسرائيلي وإلغاء الولايات المتحدة لمعاهدة الدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ·
هذه القائمة التي هي أبعد عن الكمال ينبغي أن توضح لأقل المحللين مستوى رضا عن النفس أن الشق في العلاقة عبر الأطلسي هو أوسع بكثير من شكوى أوروبيين غير مؤثرين وغاضبين على الهيمنة الأمريكية، وهم في أمان المقاهي الباريسية المريحة·
ذلك أن الخلاف يتمحور حول خلافات فلسفية وفروق بنيوية جوهرية كائنة لدى أشخاص ذوي رؤية مختلفة كثيرا عن ذلك الذي يراه الأمريكي العادي بشأن كيف ينبغي أن يكون نظام العالم· وهذا ينبغي تقييمه بجدية أعظم بكثير من الجدية الموجودة الآن في واشنطن·
إن أولئك الأوروبيين الذين يدفعون باتجاه تكوين بناء سياسي للاتحاد الأوروبي أكثر مركزية وفيدرالية وترابطا إنما يفعلون ذلك بإبراز مضطرد للفروق بينهم وبين الأمريكيين، والديغوليون الأوروبيون يرون نشوء قطب قوة أوروبي باعتباره محركا قويا نحو إضعاف الهيمنة الأمريكية العالمية·
ومثل هذه الواقعة تصور المزاعم “والمبادئ” الولسونية الأمريكية بشأن رفع شأن القيم العالمية وكأنها كذبة، والمفارقة أن الأوروبيين المنتمين الى الكثير من التوجهات السياسية المختلفة ينظرون الى هذه المبادئ العالمية وكأنها شكل آخر أقل حدة للنزعة الأمريكية الأنانية أحادية الجانب·
الانطلاقة الأوروبية الحالمة
إن أسباب الصحوة الديغولية بشأن الطموح الأوروبي لاحتلال مركز قطب مستقل في السلطة العالمية هي أسباب بنيوية، وبالتالي من المرجح أن تبقى· فمع نهاية الحرب الباردة كان متوقعا أن تبتعد أمريكا وأوروبا إحداهما عن الأخرى في غياب زمجرة الدب السوفييتي التي وحدت الجانبين، ظهرت حقيقة أن أمريكا وعددا من الدول الأوروبية هي ذات مصالح دولية متباينة فإنه محكوم على الطرفين بالافتراق·
لقد انتصبت الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في حقبة ما بعد الحرب الباردة، في حين أن الدول الأوروبية، باستثناء جزئي لفرنسا وبريطانيا، هي في أحسن الأحوال مجرد قوى إقليمية، وهذا الفرق البنيوي، الذي من غير المرجح أن يتغير في المدى القصير أو المدى المتوسط، يفعل الكثير في تفسير الفروق السياسية العملية التي تظهر باضطراد على جانبي المحيط الأطلسي·
ذلك إن أمريكا لم تصبح أقوى فأقوى فحسب في الحقبة الجديدة، إنما أن أوروبا أخفقت إخفاقا ذريعا في البروز باعتبارها قوة متماسكة مكتفية بنفسها، وهذا الإحساس بأمريكا المنطلقة المتحررة باضطراد المصحوب بإحساس عن أوروبا المنطوية والمهمشة باضطراد، يفعل الكثير في تفسير لا الفروق بين سياستي القطبين فحسب، إنما تفسير الغضب المتزايد لدى كثير من الأوروبيين تجاه السياسات الأمريكية التي لا يوافقون عليها·
الانقسامات الأوروبية كما هي واضحة
هذه الفروق الجوهرية بين أمريكا وأوروبا تعيد إظهار نفسها دائما في الحقل السياسي، ونقيضا لعدد من بيانات المفوضية الأوروبية الرسمية المضللة والمهدئة، فإن الأوروبيين يتخلفون بسنوات ضوئية عن تطوير سياسة خارجية وأمنية مشتركة، ويكفي المرء أن ينظر فقط الى قضية الحرب والسلام الجنينية اليوم، أي بشأن كيفية التصرف بعراق صدام حسين حتى يرى الغياب الكامل للتنسيق على المستوى الأوروبي·
الضعف العسكري والركود الاقتصادي وفوق كل شيء الانقسام السياسي تشكل كلها الحقيقة التي تواجه صانعي القرار الأمريكيين اليوم عندما ينظرون الى أوروبا، وعلى الرغم من اللغة الإيجابية والآمال الديغولية فمن غير المرجح أن تستطيع أوروبا تحدي التفوق الأمريكي في المدى البعيد، وهذا ليس عائدا الى أي غرام قاري عام بواشنطن وبسياساتها، إنما هو نتيجة الضعف والركود والانقسامات في أوروبا· فلقد وفرت الأسابيع الأخيرة برهانا حيا على هذا، وكان ذلك عبر: أولا، مع البيانات المضادة الصادرة من المحور الفرنسي - الألماني، والبيانات الصادرة من الدول الأوروبية الثماني الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أو المرشحة لعضويته “بما فيها بريطانيا” بشأن المواقف من السياسة الأمريكية الخاصة بالعراق· ثانيا، القمة الطارئة لزعماء الاتحاد الأوروبي في 17 فبراير التي لم تستطع أن تفعل سوى تغطية الصدوع التي أظهرتها البيانات، على الأقل في مجال العلاقات العامة· ثالثا، اعتراض ثلاثة من أعضاء حلف الناتو “فرنسا وألمانيا وبلجيكا” على البدء بالتخطيط العسكري لحماية تركيا في حال نشوب حرب مع العراق·
وتوضح مواقف السياسة الخارجية الخاصة بالعراق للقوى الرئيسية في الاتحاد الأوروبي عمق الانقسامات الأوروبية، ففي الوقت الحالي تقف بريطانيا جنبا الى جنب مع الولايات المتحدة في حين أن أنصار السلام في ألمانيا يعارضون أي نوع من التدخل العسكري حتى لو كان مصرحا به من جانب الأمم المتحدة، في حين أن فرنسا تمزج بين الدفاع الشرس عن إعطاء مزيد من الوقت لمفتشي الأسلحة والدعوات الحذرة الى السلطة المطلقة لمناقشات وقرارات مجلس الأمن الدولي·
ومن الصعب تصور سياسات خارجية أكثر تباينا من جانب الصانعين المفترضين لأوروبا الموحدة·
الجواب الأمريكي:
الانتقائية
هكذا تجمع أوروبا ما بين مطامح كبيرة والإخفاق الذريع في خلق الظروف اللازمة لتحقيقها، وهكذا تصبح مهمة الولايات المتحدة أوضح بكثير· فصانعو السياسة الأمريكيون يحتاجون الى الفصل بين الخطابات وبين الحقيقة في أوروبا، والى أن يفهموا أن غياب الوحدة الأوروبية الذي يعوق جهود الديغوليين الأوروبيين لتحدي الولايات المتحدة يوفر لأمريكا فرصة فريدة·
فإذا كانت أوروبا أقرب الى التنوع منها الى التجانس، وإذا كان مفهوم “أوروبا” الموحدة غائبا حقا، فإن سياسة خارجية أمريكية عامة عبر الأطلسي - تقوم على إقامة تحالفات مع الدول الأوروبية الراغبة حالة بحالة - تصبح ممكنة تماما·
ومثل هذا الموقف يصب في مصلحة أمريكا تماما، لأنه يوفر طريقة لمعالجة الشق عبر الأطلسي مع المحافظة على التعامل مع قارة نادرا ما ستقف موحدة الى جانب مبادرات أمريكية معينة في السياسة الخارجية أو موحدة ضدها·
وحتى ينجح مثل هذا الأسلوب، فمن الجوهري النظر الى أوروبا باعتبارها كيانا أبعد ما يكون عن التجانس، وقد أسفرت المبادرات المختلفة التي اتخذتها إدارة بوش بشأن معاهدة كيوتو الخاصة بالتغيير المناخي وبالدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ عن دروس، ذلك أن الإدارة بإدانتها القاطعة لاتفاق كيوتو، ومن دون تقديمها بدائل سياسية إيجابية قد وجدت نفسها في كارثة علاقات عامة في أيامها الأولى، فالإخفاق في التعامل مع الأوروبيين نجح البيت الأبيض من حيث لا يقصد في توحيدهم·
تحالف الدول الراغبة
لقد خبرت الولايات المتحدة ذلك من قبل فبعد أن تسبب القرار الخاص باتفاق كيوتو بموجة احتجاج عارمة في العواصم الأوروبية، وبعد أن رفضت تصديق تقارير مفادها أن “أوروبا” تعارض بحزم الرغبة الأمريكية في إلغاء معاهدة الدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ، أرسل البيت الأبيض موفديه الى العواصم الأوروبية حيث وجدوا موقفا “أوروبيا” بشأن الدفاع المضاد للصواريخ أكثر تفتتا مما كان يظهر للوهلة الأولى بكثير·
وقد دفعت الجهود الدبلوماسية المكثفة إسبانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وبولندا وهنغاريا وأخيرا روسيا الى قبول المبادرة الجديدة للإدارة الأمريكية أو على الأقل التسامح معها، وفي سعيها الى العثور على حلفاء أوروبيين محتملين على الصعيد الوطني، دخلت واشنطن في عملية انتقاء ناجحة وتفادت الكارثة الدبلوماسية وكارثة العلاقات العامة التي حدثت بشأن اتفاق كيوتو·
والمفارق، أن هذه السياسة الواقعية تدعو فعليا الى مزيد من التعامل الدبلوماسي والسياسي مع أوروبا على المستوى الوطني “الفردي” حتى لو كانت واشنطن لا تأخذ بروكسل “باعتبارها عاصمة الاتحاد الأوروبي” على محمل الجد كثيرا، وعلى نحو ما أوضحت مرحلة كيوتو بجلاء كبير، ينبغي على الولايات المتحدة من أجل إنجاح سياسة الانتقاء، أن تجد انقسامات في الرأي الأوروبي تقوم على مفاهيم متباينة للمصلحة الوطنية·
وينبغي على أمريكا أن تلاحظ دائما الفروق داخل أوروبا من أجل استغلالها لتشكيل “تحالف الراغبين” في أي مبادرة سياسية، فأوروبا بحالتها الراهنة تلائم المصالح الأمريكية العامة، لأن دولها الأعضاء قادرة على مساندة الولايات المتحدة عندما تتلاقى مصالحها مع أوروبا، في حين أنها ضعيفة مما يجعله غير سهل عليها أن تقف في وجه أمريكا في القضايا الجوهرية ذات الصلة بالأمن القومي· إن السياسة الانتقائية باعتبارها استراتيجية عامة تضمن بقاء هذا الوضع القائم المناسب·
بعد 50 سنة: حان الوقت لواقعية جديدة
سياسيا، ينبغي على الولايات المتحدة أن تتوقف عن إعطاء البلدان المتعاطفة مثل المملكة المتحدة وبولندا مثل هذه النصائح الجيوسياسية السيئة، ذلك أنها بدفعها بريطانيا الى الدخول في “أوروبا” كانت الولايات المتحدة تأمل في جعل المشروع “الأوروبي” أكثر موالاة للأمريكيين، وأكثر قربا من السوق الحرة، وأكثر تأييدا للتحالف عبر الأطلسي، وبعد خمسين سنة، حان الوقت للنظر في النتائج الماثلة أمامنا بجلاء: الاتحاد الأوروبي لم يعد أكثر موالاة للأمريكيين وللسوق الحرة أو للتحالف عبر الأطلسي مما كان في وقت ولادته·
وحدها أوروبا التي تتسع، لا التي تتجذر، أوروبا على الخارطة حيث تبقى الجهود الرامية الى المركزة والتجانس في أدنى مستوياتها، هي أوروبا التي تلائم المصالح القومية الأمريكية ومصالح المواطنين العاديين في القارة· وأي تلميح الى قدر آخر كبير من المركزية - مثل انضمام بريطانيا الى العملة الموحدة، اليورو، أو أن تصبح السياسة الخارجية والأمنية الموحدة واقعا، أو أي انسجام آخر للسياسات الضريبية والنقدية عبر القارة - ينبغي أن تنظر إليه أمريكا كما هو: جهد ديغولي لبناء قطب معارض للولايات المتحدة، فعند هذه النقطة تبدأ العلاقة عبر الأطلسي بالتحطم·
غير أن هذه النتيجة قابلة لتفاديها، ذلك أن استراتيجية تكوين ائتلاف الراغبين تحافظ على وضع قائم حيث العلاقة عبر الأطلسي تبقى قادرة على أن تؤتي ثمارها للطرفين على جانبي الأطلسي على الرغم من أن المشاجرات الهامشية، ومثل هذه السياسة العمومية تدرك حقيقة قاسية قائمة بشأن العلاقة عبر الأطلسي: إن الولايات المتحدة لا تريد لأوروبا أن تنجح كثيرا ولا أن تفشل، وهكذا فإن أوروبا اليوم تلائم المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المدى البعيد· إن من شأن استراتيجية انتقائية أن تسمح للولايات المتحدة بأن تتصرف بطريقة متعددة الجانب حيث يمكن وبطريقة وحيدة الجانب حيث يلزم، وهي تجمع ما بين اندفاعات المحافظين الجدد ذوي النزعة الوحيدة الجانب، والولسونيين ذوي النزعة المتعددة الأطراف على الساحة العسكرية، ومن خلالها تستطيع الولايات المتحدة إضعاف ظهور أوروبا ديغولية ممركزة منافسة في حين تستطيع توزيع ما يكفي من المكاسب المشتركة التي توفرها العلاقة عبر الأطلسي للأوروبيين كما للأمريكيين، مع تقاسم مكاسب أكثر من المشكلات·
بقلم جون هولسمان
زميل باحث لدى قسم الشؤون الأوروبية في مؤسسة Heritage Foundation.
وهذه المقالة تقوم على مساهمة في مؤتمر عن “الناتو والاتحاد الأوروبي: التحديات المؤسسية والسياسية للمنظمات الأوروبية - الأطلسية وأوربا الشمالية الشرقية والجنوبية الشرقية” الذي نظمه مركز وودرو ولسون الدولي للعلماء في واشنطن، دي سي في 19 ديسمبر من عام 2002·
___________________________________________________
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
saleh@taleea.com