في الفرن الخامس···
عهود بدر السالم···
صباح الخير أبو قاسم·· تأخرت اليوم·· عسى المانع خيراً؟···
رفع رأسه محاولاً تتبع مصدر الصوت·· هو يعلم بأنه صوت عباس·· صاحب الفرن الخامس·· “الفرن الخامس”·· لم يعد من العجب كثرة عدد الأفران في هذه المنطقة، فلم يعد هناك ما يباع ويشترى غير الخبز!!·· ابتسم وهو يحاول أن يمسح حبات العرق المتناثرة بشيء من الفوضى على جبهته المجعدة بفعل عوامل السنين···
- صباح النور·· كيف حالك؟·· تعلم أنه أول يوم في الشهر والناس يتسابقون من أجل استلام رواتبهم·· جاء رده بنبرة استهزاء حزينة···
- رواتبهم·· هأ·· والتي لن تعيش إلا ليوم واحد!!·· في الغد سيكون الباقي صفراً···
- حمداً لله على كل حال···
بشيء من الانزعاج·· رفع يده لينظر إلى ساعته التي كانت تشير إلى الثانية والنصف ظهراً متمتماً·· “لا بد وأن عائشة قلقة الآن”·· وجه نظره إلى عباس ومن ثم أشار إلى ساعته·· رفع يده اليمنى وفتح كفه·· مبتسماً جاء رده···
- تريدها خمسة كما هو المعتاد·· ألن تزيدها واحداً؟··
- لا·· ليت عندي ما يكفي·· فما زال هناك الكثير لأشتريه···
- قلت لك·· دع عملك وتعال لتعمل معي ولكن رأسك مشبع بالعناد···
وضع الأقراص الخمسة في ورقة لإحدى الصحف المحلية·· كانت تحمل صورة ملونة للقائد·· سأله عن الجديد في صحف اليوم؟·· صاح بصوته الأجش:
- ارتفع معدل وضع صوره في كل مكان·· أما الشعب فهو في أفضل حالاته كما يقال·· وفي الغد سيتفضل بزيارتنا··
- إذن ستصلنا الكهرباء هذا المساء·· يقال إن سعر النفط ارتفع···
- دعهم يقولون·· فكل شيء بارتفاع ما عدا دخل المواطن العربي···
تنهد قليلاً·· ومن ثم أكمل حديثه···
- ليتنا نستطيع أن نثور قبل أن نتحول إلى رماد·· فالفئران تأكل والقطط جياع أما نحن·· فنلهث وراءهم كالكلاب···
- صه يا عباس·· لسانك سيقودك إلى حبل المشنقة يوماً ما···
- أقلها لن أضطر إلى رؤية صوره وهي تملأ الصحف والشوارع كل يوم···
- الحديث معك لن يجدي نفعاً···
- لساني لن يقصر إلا إذا طالت قامتك·· بعد ثلاثة أيام عرس عمار لا تنسى···
- وهل يعقل أن أنسى·· مبارك لكم·· سأكون هناك·· إلى اللقاء··
- رافقتك السلامة ياقصير القامة··
ودعه بضحكة جهورية سرعان ما تلاشت بين أجزاء الصوت المنبعث من ضوضاء الطريق··
أخذ يسير مطولاً وصوت الباعة يأتي من كل جانب·· متجهاً إلى نهاية الشارع الرئيسي·· أخذ يعد ما تبقى من الدنانير·· فما زال بحاجة للسكر والحليب والشاي·· ولا بد من أن يشتري حذاء جديداً (لحسن)، فقد أخبرته عائشة بأن الحذاء أصبح بالياً ولم يعد يتحمل مزيداً من الترقيع···
بسكون الصمت الأحمر المنعكس على الزجاج الخارجي للملحمة·· وقف هناك يفكر·· لو أنه استطاع أن يشتري قطعة لسندس لكي تتذوقها·· بعد أن أخبرتها المعلمة بأن قطع اللحم شهية الطعم···
أحدهم يدفعه بقوة·· اصطدم بالواجهة الزجاجية فانتثرت لحظات الصمت تلك·· استدار ليستوضح الأمر·· المشاهد تتكرر·· والمواقف هي ذاتها ولكن الوجوه تختلف·· ويبقى السبب مجهولاً·· شاب يركض وخلفة عشرة من أولئك السفلة··· أخيراً يمسكونه·· يوسعونه ضرباً·· اللون الأحمر يسيل دون أن ينعكس·· بالركلة الأولى·· ضيق الخناق على الأمل·· الركلة الثانية·· ازرقت تلك المدينة البيضاء·· الوجوه الشاحبة تترقب·· ركلةأخرى·· ويتقيأ وطناً·· الآن سيقتادونه إلى هناك·· يعلم جيداً بأنه لن يعود·· حيث سيلفظ أنفاسه الأخيرة·· صوت عباس بداخله يصرخ·· “لن نقبل بالذل··” ·· أخذ يردد·· “لن نقبل بالذل أبداً··”
اتجه إلى محل أبي سليم حيث سيشتري بقية احتياجاته··· خطاه المتعبة أبطأت من تقدمه··· الشمس حارقه والناس في ازدحام متزايد، وكأن الشارع في مخاض عسير··· يلد في كل لحظة عشرة أشخاص··· السير معطل··· والحركة مربكة··· في الغد سيأتي الرئيس لزيارة المنطقة··· فلا بد من تزيين الشوارع··· بهرجة مزيفة··· لكن أفضل ما في الأمر هو وصول الكهرباء لأهالي المنطقة···
مثقلاً بالأحزان المتكدسة في أرجاء ذلك الطريق الصاخب··· عاد إلى بيته··· فيلقي نفسه بأحضان ابتسامتها المشرقة···
- متأسف ··· لم أحضر شاياً ولا سكر··· فحسن بحاجة لحذاء جديد·
- لا عليك يا عزيز··· فالخبز والحليب سيكفينا بإذن الله···
هذه هي عائشة كما عهدها دائماً زوجته المخلصة وأم أطفاله الحنون··· دنت منه··· قبلته··· حملت الأغراض واتجهت إلى المطبخ···
جلس على الكرسي محاولاً أن يسترخي قليلاً··· بدأ يسترجع أحداث يومه··· صوت بداخله، شيء ما يذكره بعباس دائماً·· أخذ يسير بذلك الخط المتعرج للذكريات·· كل تلك الصور القديمة·· المذبلة الأطراف·
غبار أصفر أفقدها ذلك البريق·· لكنها ما زالت تحتفظ بتلك الابتسامات·· أصدقاء الطفولة·· أبيض وأسود·· ظل عباس وأبو سليم ومحمد ويوسف وعبدالله وآخرون·· الجميع كانوا هناك·· البعض قد رحل والبعض الآخر ما زال يصارع من أجل البقاء··· وبالرغم من اختلاف الوقائع وتفاوت الأحداث··· فإن جميعها كتبت تحت عنوان ذلك البؤس المطبق··· فيوسف مات منذ عامين تاركاً وراءه زوجة وطفلة وأماً···
محمد هاجر إلى السويد منذ عشرة أعوام بعد أن تزوج من ابنة خاله التي أحبها كثيراً·· أما عبدالله فقد باع أهله وشرفه من أجل أن يصبح مديراً لإحدى الشركات المعروفة···
تذكر يوم كانوا معاً يلعبون في الحي الشرقي··· شجاراته مع عباس المتكررة عندما كان يعيب عليه لقصر قامته··· توبيخ والده لهما عندما كانا يعودان متأخراً إلى البيت··· زواج عباس من أخته مريم··· فرحته بعمار ابنه الوحيد··· عباس··· ابن العم وزوج الأخت ورفيق الدرب··· كان وميضاً أبيض بشعاً في وسط السواد··· خيطاً يعطيه معنى التفاؤل ويربطه بأمل الغد···
ومع انغماسه في بحر ذكرياته··· اختلطت كل المعاني··· وتاهت الأسماء··· صوت عباس بداخله وهو يضحك مستهزئاً··· يصرخ·· “عباس”··· تباً لهم··· “كفاك تمرداً”··· لن نقبل بالذل
أبداً··· يردد··· “لن نقبل بالذل أبداً”··· تتلاشى الصور··· لتبقى تلك اللوحة السوداء··· وذلك الصوت··· يردد··· (أين أنت يا عباس؟) ويأتي صوتها من بعيد ليوقظه
“هيا يا عزيزي·· الطعام جاهز···”
ومر الوقت بسرعة·· حتى إذا ما انقضت ساعات اليومين··· فتأتي الفاجعة···
عند الفرن الخامس··· أين عباس؟··· في الغد سيكون عرس ولده·· بابه مقفل·· شمع أحمر·· النار مخمدة، الرماد يغطي المكان·· ذلك الصوت من جديد··· (أين أنت يا عباس؟)··
قالوا له··· بالأمس··· حرك شفتيه عندما كان الرئىس ماراً بجانب الفرن···
وما زالت الفئران تأكل والقطط جياع··· أما نحن فمازلنا نلهث وراءهم كالكلاب···
لكن لن يضطر عباس لأن يرى صوره في الصحف والشوارع بعد اليوم···
فقد باتت كل الأفران حمراء··· وأغلق بذلك الفرن الخامس···
الاثنين: 21 أكتوبر 2002