رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 27 ذو الحجة 1423هـ . 1 مار س 2003
العدد 1566

كتابة

 

بورتريه شعري لـخالد سعود الزيد رسم ومخيلة المقالح

                          

                                     

 

بقلم:عباس يوسف الحداد

أحسب أن عبدالعزيز المقالح وهو يصنع ديوانه “كتاب الأصدقاءü” كان يردد بيت نزار قباني:

كل الدروب أمامنا مسدودة

                وخلاصنا·· في الرسم بالكلمات

فقد شاء المقالح أن يرسم بالكلمات بورتريهات “للأصدقاء” الذين عرفهم بشخوصهم، أو الذين تعرف عليهم فكريا “المتنبي، أبو العلاء المعري، النفري، أحمد شوقي·· الخ”، فرسم لكل واحد من أصدقائه صورة جسد فيها شخصيته، واختزل فيها رؤيته التي ترسبت في ذات المقالح، واستقرت في نفسه عن هذا الصديق أو ذاك، فأخرجها رسما بالكلمات خلاصا من حالة الامتلاء التي أحاطت به، فلم يكن هنالك من بد، إذ أدرك بفطرته الشعرية، وبصيرته الفكرية أن علاقات الصداقة تذوب وتنحل في الوجدان، وتطوى مع الإنسان برحيله، فآثر تصوير العلاقة ورصدها وتجسيدها بما استقرت لديه لتكون أكثر بقاء، وأكثر مقاومة، ففعل الكتابة هو فعل خلاص من سطوتي الزمان والمكان، والانتصار على هيمنتهما على الإنسان، والقيد وهو أحد معاني فعل الكتابة يحمل تلك الدلالة الدالة على التثبيت واستاتيكية الفعل مقابل ديناميكية فعلي الزمان والمكان·

وقد انتصر الشاعر هنا لاستاتيكية فعل الكتابة على ديناميكية فعلي الزمان والمكان، لأنه أدرك أنه هو الفاعل في الأول، والمفعول به في الثاني، فكان من الأجدر الانتصار لحالة الفاعل على حالة المفعول به·

وقد صدر المقالح الكتاب باقتباس من كتاب “اللهب المزدوج” للكاتب الأسباني أوكتافوبات والتي جاء فيها: “مرات كثيرة قورنت الصداقة بالحب، تارة باعتبارهما عاطفتين متكاملتين، وتارة أخرى - وهي الغالبة - باعتبارهما متقابلتين، فإذا حذفنا العنصر الجسدي والفيزيقي، تبدو التشابهات واضحة، بين الصداقة والحب، وكلاهما عبارة عن علاقة شخصية حميمة وجدانية··” فالصداقة والحب صنوان يلتقيان تارة، ويفترقان تارة أخرى، فالصداقة تولد من التشابه في الأفكار والمشاعر والميول، أي من خلال التجربة الحية القائمة بين عنصري العلاقة، على خلاف الحب الذي يولد من نظرة كما يرى أوكتافوبات·

 

ستبدأ مشوارها الكلمات

من الأمس

وقد بدأ بصديقه الأول “المتنبي” الشاعر النبي الذي تحاوره الجن وتأوي إليه العواصف تأكل من زاده، وتشرب النار من مقلتيه المعذبتين وتحنو على قلبه، وختم كتابه بصورة عن الشاعر عبدالرزاق الربيعي الذي ما زالت تعذبه الصبوات والحنين الى نخل بغداد·

وليس من باب المصادفة أن يبدأ الكتاب بشاعر عراقي المولد والنشأة تطارده أحلامه ويسعى نحو تحقيقها سفرا نحو المجهول ليقضي قتيلا، وينتهي بشاعر عراقي المولد والنشأة والهوى، فر من العراق ليستريح في اليمن السعيد، وكأن العراق الذي يلد الشاعر تلو الشاعر على مر العصور مايلبث أن يضيق بشعرائه فيلفظهم خارجه كاللقمة غير المستساغة·

ومن ضمن الأصدقاء الذين رسم المقالح لهم صورة أو بورتريها شعريا كان الشاعر والمؤرخ والأديب “خالد سعود الزيد” - رحمه الله - الذي جمعته صداقة فكرية وروحية خاصة بالمقالح، فقد مثل الزيد الكويت في الأسبوع الثقافي الكويتي الذي أقيم في اليمن في العام 1983، إذ توطدت في هذه الرحلة علاقته بالمقالح، وانفتح أحدهما على الآخر معرفيا وروحيا، فأفضى الزيد للمقالح بحديث عن زيارته الخاصة التي قام بها الى “العيدروس” في عدن، والتي منح من خلالها قصيدته “العيدروسية” فكانت تحية لصنعاء والدة المدن العربية:

أفديك يا كأس النديم

وصورة الحسن المخبا

رحماك لست أنا الملوم

إذا خببت إليك خبا

هذا أديمي من أديمك

شق ثم أتى ولبى

لقد رسم المقالح بورتريها شعريا لخالد سعود الزيد من خلال تلك الرحلة التي عمرها عشرون سنة،فقد زار الوفد الكويتي “عدن” عاصمة اليمن الجنوبي - قبل الوحدة - ثم توجه الى “صنعاء” عاصمة اليمن الشمالي، فتوقف الزيد في حضرة “العيدروس” يسأله تحية لصنعاء، فما خرج الزيد من عدن إلا وقد أوتيه سؤله وانهمرت القصيدة·

فتحية للدكتور الشاعر عبدالعزيز المقالح الذي لم يزل وفيا حفيا بأديبنا ومؤرخنا وشاعرنا خالد سعود الزيد رحمة الله عليه·

 

*كتاب الأصدقاء (ديوان شعر) صدر حديثا للشاعر اليمني عبدالعزيز المقالح عن دار رياض الريس - لندن - 2003·

 

خالد سعود الزيد

 

منذ عشرين عاما

وفي مسجد “العيدروس”

رأى الشمس في كبد الليل

ياقوتة تتكسر فوق بيوت المدينة

أخفى على صحبه ما رأى

وطوى السر في زرقة البحر

ثم مضى راجعا نحو دارته

وهناك استعاد توازن رؤياه

وانشقت الأرض عن عالم باذخ

وزمان جميل

فأغمض عينيه

أوقد زيتونة القلب

وارتعشت في الضمير

دفوف المحبة للناس،

للأصدقاء

شعر: عبدالعزيز المقالح

طباعة  

شـعـر
 
إصدارات
 
قصة
 
“كتاب العربي”: أصداء الثقافة الكويتية وآفاقها
 
وتــد
 
خبر ثقافي
 
المرصد الثقافي