رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 20 ذو الحجة 1423هـ -22 فبراير2003
العدد 1565

باول عن دخول القوات الأمريكية لبنان: تورطنا في عش دبابير عمره ألف عام
أطياف لبنان تطغى عـلى خطـــط احتلال العراق

                                                

مع إعلان جورج بوش ما لا يقل عن الحرب في كلمته عن حال الاتحاد، هناك نقاش ساخن أيضا في داخل إدارة بوش بشأن خطط لحكم واحتلال العراق بعد غزوه، وهذا النقاش كان مؤطرا جزئيا بوجهات نظر متضاربة عن دور الولايات المتحدة في لبنان في مطالع الثمانينات بعد الغزو الإسرائيلي، وعلى نحو ما لاحظ المحلل العسكري وليام آركين في الآونة الأخيرة في مقالة نشرها في “لوس انجلس تايمز” فإن ما حصل في لبنان قبل 20 عاما مضت يمكن أن ينبئنا الكثير عن آمال ومخاوف وأوهام صانعي السياسة الأمريكيين بشأن ما يمكن أن يحصل في العراق·

في الواقع، فإن كثيرا ممن صفقوا للغزو الإسرائيلي للبنان في يونيو عام 1982 وتأسفوا على قرار إدارة (رونالد) ريغان بسحب جنود حفظ السلام الأمريكيين بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية القاتلة يقفون الآن بين أشرس الصقور ولكثير من الأسباب نفسها·

وعلى نحو ما يحصل مع بغداد الآن، فقد جادل الصقور في ذلك الوقت بأن الطريق الى السلام في الشرق الأوسط يمر من خلال بيروت وإنه بالعمل معا فإن القوتين العسكريتين الإسرائيلية والأمريكية يمكنهما أن يغيرا بصورة راسخة ميزان القوى السياسي في الشرق الأوسط كله لمصلحة الغرب·

وفي الانقسام بشأن السياسة في الإدارة الأمريكية الذي أصبح واضحا الآن يمثل كولن باول الصوت الأبرز في الجناح الأكثر حذرا، فقد كتب باول في مذكراته عندما كان ميجور جنرال بشأن الإقامة الكارثية للقوات الأمريكية في لبنان قبل 20 عاما: “رأيت من مكتبي في البنتاغون أن أمريكا تورطت نفسها في عش دبابير عمره ألف عام”·

هذه الذكرى تغذي بلا شك تصميم باول على محاربة المتشددين في إدارة الرئيس جورج بوش الذين صمموا بالقدر نفسه على مهاجمة العراق واحتلاله حتى من دون الأمم المتحدة أو الدعم الحليف إذا لزم الأمر·

لبنان عام 1982

القصة واضحة: فقد أطلقت حكومة الليكود في إسرائيل، التي اقتنصت محاولة اغتيال سفيرها لدى لندن بوساطة أبو نضال المعادي لمنظمة التحرير الفلسطينية، غزوا للبنان يرمي الى تدمير منظمة التحرير الفلسطينية الى الأبد·

وقد حيا المحافظون الجدد الأمريكيون البارزون هذا الغزو، وتكلموا عنه بلغة شبيهة جدا بما يحكى عن العراق قائلين إن إنهاء منظمة التحرير وإقامة حكومة موالية للغرب في بيروت يؤديان الى تغيير الشرق الأوسط وتوجيه ضربة قاسية الى “الرافضين العرب” مثل سورية والعراق والمملكة العربية السعودية·

وكتب وليام سافاير، وهو معلق في صحيفة “نيويورك تايمز” وأحد أبرز الصقور في قضية العراق “أن "التحرير" كلمة أسيئ استعمالها كثيرا في السنوات الأخيرة، لكن التحرير لا الغزو هو ما يحدث في لبنان اليوم (آنذاك)”·

في البداية، كانت ملاحظة سافاير تبدو صحيحة، فالقوات الإسرائيلية، التي حيتها الغالبية الشيعية في جنوب لبنان بالزهور والاحتفالات، اقتلعت بقيادة وزير الدفاع (آنذاك) أرييل شارون مقاومة منظمة التحرير وسورية، واندفعت شمالا في غضون أيام حتى بلغت ضواحي غرب بيروت التي حاصرتها الى حين عملت قوات المارينز الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي على إجلاء عرفات وآلاف الفدائيين الفلسطينيين الى تونس وجهات أخرى موزعة في العالم العربي·

وألمحت إدارة ريغان، التي كانت تلتزم أصلا باتفاق “تحالف استراتيجي” مع إسرائيل، بقبول الاحتلال على اعتقاد منها أن إخراج منظمة التحرير من لبنان وإقامة حكومة موالية للولايات المتحدة ومستقرة في لبنان يفتحان الطريق أمام احتمالات عظيمة بما فيها انسحاب القوات السورية من لبنان وتوقيع معاهدة سلام بين إسرائيل ولبنان، والوصول الى سلام عربي - إسرائيلي يقوم على قبول الفلسطينيين غير المنتمين الى منظمة التحرير لاستقلال ذاتي مرتبط بالأردن مقابل تجميد دائم للاستيطان في الأراضي المحتلة·

عودة القوات

غير أن شيئا من ذلك لم يتحقق، فقد عادت القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والإيطالية الى بيروت حالما وقعت مجزرة بحق الفلسطينيين العزل في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين بأيدي الميليشيا المسيحية المدعومة من إسرائيل في أوساط سبتمبر من عام 1982، لحفظ السلام ومساعدة الرئيس الجديد أمين الجميل على توسيع سلطة الحكومة المركزية وتعزيزها·

المهمة الأخيرة أدت في النهاية الى استفزاز العداوات ثم العنف من جانب الأطراف الدينية والسياسية والإثنية المعارضة للحكومة ذات الغالبية المارونية، فأثبت ذلك حكمة المؤرخ اللبناني كمال صالح أن “القوى العظمى ينبغي أن لا تتورط في سياسات القبائل الصغيرة”، وبدأت الميليشيات المعادية للحكومة بإطلاق النار على المارينز فأدى ذلك الى قصف من السفن الأمريكية، وهذا أدى بدوره الى زيادة التصميم على طرد الأمريكيين·

في إبريل من عام 1983، فجر انتحاريو حزب الله السفارة الأمريكية في بيروت، وبعد ستة أشهر قتل 241 جنديا من المارينز في تفجير انتحاري بشاحنة في ثكنة بمطار بيروت، وعلى الرغم من ذلك، دعا المحافظون الجدد المؤيدون لليكود الى التماسك والبقاء وهم يسخرون من تحذيرات في الكونغرس مفادها أن لبنان يتحول الى فيتنام·

وقد كتب المعلق تشارلز كروثامر وهو أحد أبرز صقور مهاجمة العراق اليوم في ذلك الحين في صحيفة “واشنطن بوست” أنه “لن تكون هناك حرب استنزاف تدوم عقدا في غابة استوائية ضد عدو موحد ذي تاريخ طويل من النجاح في محارية المستعمرين، ففي لبنان كل شيء مختلف: الأرض، اللاعبون، التكتيكات، الغايات ونوايا الزعماء الأمريكيين”·

لكن بعد ثلاثة أشهر، ركب آخر جندي أمريكي السفينة البرمائية عائدا الى بلاده حتى عندما كان الأسطول لايزال يقصف أهداف العدو في التلال، وما بقي هو جيش لبنان تنهكه الولاءات الحزبية والفرار من صفوفه ومعاهدة سلام مجمدة بين لبنان وإسرائيل ومقاومة متصاعدة ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان بأيدي السكان الشيعة أنفسهم الذين حيوا هذه القوات قبل أقل من عامين·

التاريخ يعيد نفسه؟

كانت التحليلات السياسية اللاحقة متوقعة مع ادعاء الصقور أنه كان هناك “غياب للإرادة” من جانب الكونغرس والإدارة مشابه لما كان في أيام فيتنام، وأن الإدارة نفسها كانت مقسومة بصورة مؤلمة بين شكاوى البنتاغون من نشر القوات في مهمات سياسية سيئة التعريف غير محددة المدة ووزارة الخارجية التي انحازت الى الصقور في انقلاب غريب للنقاش الحالي بشأن العراق·

وقد كتب زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي لدى الرئيس الأسبق جيمي كارتر، أن المشروع كله كان سيئ التصور، وأن الإدارة الأمريكية “في أيام ريغان” تركت نفسها بفعل التقييم السيئ للحقائق المحلية تتحول الى “وساطة” للسياسة الخارجية الإسرائيلية في لبنان والى وسيلة لتحقيق هدف الليكود في تحويل الاهتمام الدولي الى لبنان وعن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة·

وكتب بريجنسكي في “نيويورك تايمز” في الآونة الأخيرة مجادلة حديثة تتصل باجتياح العراق قال فيها “إن القادة الليكود الأكثر إرادة في ضم الضفة الغربية الى إسرائيل بالتأكيد يرحبون بالأحداث التي تجعل الولايات المتحدة خصما عسكريا مباشرا للعرب”·

ولا شك أن صقور اليوم يرفضون أي فكرة تقول إن التحديات التي تواجه الولايات المتحدة في عراق يحتله الأمريكيون تضاهي التحديات التي كانت في لبنان قبل عشرين عاما، ففي رأيهم أن حجم وتفويض المهمة في لبنان يختلف تماما عنه في العراق· وأن الاتحاد السوفييتي لم يعد موجودا حتى يعمل على إعاقة حرية العمل الأمريكية، وواشنطن لم تعد تعتمد على قذائف المدفعية العملاقة لإخماد المقاومة إنما تعتمد “القنابل الذكية” وطائرات الهليكوبتر المقــاتلة والقوات الخاصة، ناهيك عن قواعد الاشتباك الجريئة، وعلى نحو ما جادل كروثامر قبل عشرين عاما “في لبنان كل شيء مختلف (عن فيتنام)”·

ومثلما لا يتعب الصقور من التكرار أبدا فالمرجح أن تستقبل القوات الأمريكية بالزهور والاحتفالات من جانب الأقليات الإثنية والسياسية والدينية التي عانت الأهوال تحت حكم صدام حسين، أي على نحو ما استقبل الشيعة اللبنانيون القوات الإسرائيلية قبل 21 عاما·

بقلم: جيم لوب

محلل سياسي لدى

Foreign Policy in Focus 

www.fpif.org

___________________________________________________

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها

saleh@taleea.com

 

طباعة  

أدلة البرادعي وبليكس في مواجهة قراءة باول لها
 
ثلاثة نقاط مهمة توحي باستعمالها
هل تتحول الحرب نووية؟