تتالت الأحداث بشكل متسارع جداً وفي أكثر من اتجاه بعد أن فوجئ الكثيرون بما آلت إليه جلسة مجلس الأمن التي لم تأت كما أرادت واشنطن وحلفاؤها والتي أخذ بعدها نظام صدام نفساً عميقاً آملاً أن تكون هذه الخطوة الأولى في إنهاء الهيمنة الأمريكية وبالتالي بقاء النظام مدة أطول في الحكم· تلا ذلك ما اعتبره النظام في بغداد تأييداً له حيث خرج مئات الآلاف من المتظاهرين في عواصم ومدن العالم ضد الحرب، ثم أتى اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي دعا الدول العربية لعدم إعطاء تسهيلات لما أسماه العدوان الأمريكي على العراق، كما ستنعقد اليوم قمة دول عدم الانحياز التي من المتوقع أن يأتي بيانها الختامي هلامياً يأخذ كل طرف منه ما يؤيد جانبه، وتمسك فيه العصا من المنتصف في أحسن الأحوال·
كل هذه التطورات قرأها نظام بغداد على أنها لصالحه وربما اقتنع بأنها كذلك وبأنه هو الذي تمكن من حشد كل هذا التأييد "العالمي" لجانبه· إلا أن كثيرا من المحللين يرون تطورات أخرى وفي اتجاه معاكس تماماً من شأنها أن تعجل في تنفيذ العمل العسكري الأمريكي مع الدول التي تركب قطارها الذي قال عنه النائب الأول لرئيس الوزراء الشيخ صباح الأحمد أنه ركب السكة ولن يتوقف· فيرى بعض المحللين أن إعلان 18 دولة عضوا في حلف الناتو الموافقة على توفير ما تحتاجه تركيا من مساعدة عسكرية لحمايتها في حال نشبت الحرب، هو أمر قد يبدو رمزياً لأن تركيا ستنطلق من أراضيها القوات الأمريكية للهجوم على العراق، وليس العكس وبالتالي فهي ليست بحاجة لمن يحميها، لهذا ذهب بعضهم إلى القول إن قوات الناتو ستدخل الحرب مع أمريكا تحت مظلة الدفاع عن تركيا، وأن فرنسا التي لم توافق على بيان الناتو الأخير منفردة إنما لا يعدو موقفها أكثر من حفظ ماء الوجه، ومحاولة للتميز على الساحة الدولية لعل في ذلك ما يعطيها مكانة مختلفة في النظام الدولي الجديد خصوصا أن وضعها فريد في القارة السوداء حيث لا منافس لها على الإطلاق في علاقاتها السياسية والعسكرية مع أغلب دول القارة، لدرجة استقبلت الرئيس روبرت موغابي على الرغم من معرفتها أن في استقبالها هذا إغاظة لبريطانيا ولكثير من الدول الأوربية الأخرى·
من جانب آخر وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على منح تركيا ما مقداره 26 مليار دولار لتغطية ما تتوقع أن تخسره نتيجة للحرب المحتملة، وبينما طلبت الحكومة التركية من البرلمان الموافقة على فتح جميع القواعد التركية للولايات المتحدة لاستخدامها في الحرب ضد العراق طالبت الحكومة التركية في الوقت نفسه الولايات المتحدة بمزيد من المعونات الاقتصادية لأنها ترى أن مبلغ 26 مليار دولار غير كاف كتعويض عن الخسائر المحتملة، وهو أمر إما أن يكون للمساومة مع أمريكا أو أنه لتسويق الفكرة على البرلمان التركي· ومن جهة أخرى يرى بعض المراقبين أن الحزب الإسلامي الحاكم في تركيا لديه أغلبية لإقرار الموافقة على طلب الحكومة، وأنه يعلم أن هذا هو موقف جنرالات الجيش التركي الذين بيدهم الكلمة النهائية لإبقاء الحزب في الحكم من عدمه كما فعلوا مرات عدة عندما شعروا أن الأحزاب الحاكمة انحرفت عن الخط المسموح لها بالسير عليه·
وفي تطور لا يقل أهمية صعدت الدبلوماسية الأمريكية من حملتها على مستوى الإعلام من جهة وعلى مستوى الأمم المتحدة من جهة أخرى باتجاه إصدار قرار آخر فقالت إنه غير ضروري وليست بحاجة إليه للقيام بضرب النظام العراقي الذي ترى أنه اخترق القرار 1441 وما قبله من قرارات لمجلس الأمن وللأمم المتحدة وأنه لا بد وأن يزول، إلا أنها تسعى لاستصدار القرار الجديد بأغلبية أعضاء مجلس الأمن حتى في حال استخدام فرنسا أو روسيا حق الفيتو ضده·
أما في الوطن العربي فيرى المحللون أن الأمر في غاية السخرية فعلى صعيد الجامعة العربية أعلنت رئاسة اجتماع وزراء الخارجية العرب أن جميع الدول المشاركة وافقت على البيان الختامي ماعدا الكويت التي تحفظت عليه، إلا أن تصريحات من مسؤولين كويتيين وخليجيين بينت أن أكثر من دولة وليست الكويت وحدها هى التي تحفظت على البيان الذي رأت فيه حالة شاذة هو الآخر، فقد تعود المراقبون على أن اجتماعات وزراء الخارجية لا يصدر عنها بيان ختامي بحيث يترك ذلك في العادة للقمة التي لم يتخذ قرار نهائي بشأن انعقادها في ذلك الاجتماع، هذا وقد علق بعض المحللين على البيان الختامي بأنه مثير للسخرية حيث وافقت عليه دول تقدم على أرض الواقع تسهيلات عسكرية ولوجستية للولايات المتحدة، من بينها دول مجلس التعاون الست ومصر والأردن على أقل تقدير إضافة إلى سورية التي وافقت مع مجلس الأمن على القرار 1441 الذي تعرف جيداً أنه تمهيد مناسب وكاف لقيام الولايات المتحدة بالحرب على العراق، بينما وافقت كل هذه الدول وغيرها على دعوة جميع الدول العربية لعدم تقديم تسهيلات لأمريكا في حال إقدامها على ضرب نظام صدام!!!
ومهما اختلف المحللون في توقعهم لموعد الحرب سواء قبل منتصف مارس أو بعده فإنهم جميعاً على يقين بأن الحرب قائمة لا محالة ولن يوقفها سوى معجزة، الكل وصل إلى هذه القناعة ما عدا نظام بغداد الذي لم يتعلم من تجاربه السابقة شيئا على الإطلاق فإنه يقرأ كما اعتاد تماماً المؤشرات السياسية والعسكرية بالمقلوب لدرجة يقدم بسببها ومن خلالها كل ما يريده خصومه للإجهاز عليه، فهو يقرأ المظاهرات المناهضة للحرب على أنها مؤيدة له متناسياً أن قوى السلام العالمي لديها موقف مبدئي ضد الحرب أياً كانت وأيا كان الخصوم فيها، وأن هولاء تظاهروا ضد الحرب على نظام طالبان وتظاهروا ضد التدخل الدولي لإخراجه من الكويت وسيتظاهرون ضد أي حرب في أي وقت، بل إن أحداً لم يشهد في التاريخ مظاهرات مؤيدة للحرب على الإطلاق، وكما علق بعض الكتاب العرب أن الجميع ضد الحرب لكن هناك من يرغب في تخليص الشعب العراقي بمن فيه المهجرون منذ أكثر من ثلاثين عاماً ويتجاوز عددهم الأربعة ملايين من نظام جائر ديكتاتوري سفاح· وأن من حق هؤلاء ومعهم السواد الأعظم من العشرين مليون عراقي في الداخل الذين ينتظرون الخلاص من كابوس صدام، من حقهم على من يعارض خيار الحرب أن يقدم البديل سواء تنازل النظام عن الحكم وتحويله - قبل دخول الأمريكان - إلى نظام ديمقراطي كما فعلت حركة الساندنيستا في نيكاراغوا والتي استلمت السلطة وحولت البلاد إلى نظام ديمقراطي كانت تعلم أنها ستخسر أول معركة انتخابية بعدها لكنها كسبت ثقة الشعب الذي أعادها للسلطة فيما بعد واستقر النظام الديمقراطي في بلادها، فقد فوتت تلك الحركة الفرصة على الولايات المتحدة وغيرها من القوى المؤيدة لها في الانقضاض على الحكم وتغييره بشكل قسري بقيامها طواعية بالإصلاحات المطلوبة، وإن كان هذا الخيار مستبعداً عن نظام صدام حسين فإن الشعب العراقي يستحق إجابة من كل معارضي الحرب عن البديل لخلاصه خاصة وأن من يده في النار غير من يتدفأ على سناها·