
بقلم:بول روجرز-أستاذ دراسات السلام في جامعة برادفورد ومحرر الشؤون الدولية لدى OpenDemocracy ومستشار لدى "أوكسفورد ريسيرش غروب"
كان هناك افتراض يقوم على جميع التقارير بشأن تحركات القوات العسكرية ولهجة الإصرار المتزايدة لدى الرئيس جورج بوش مفاده أن الحرب مع العراق وشيكة، غير أن مصادر أخرى تشير الى التأجيل، بل الى أن القوات الأمريكية قد لا تكون جاهزة لبدء الحرب إلا في النصف الثاني من شهر مارس·
ويبدو أن ما يحدث الآن هو أشبه بإعادة لسيرورة أزمة 1990، ففي ذلك الحين، كانت هناك تحركات مهمة للجنود والسفن الحربية والطائرات نحو الخليج في غضون عشرة أسابيع على وقوع الغزو العراقي لدولة الكويت في أغسطس، حيث كان متوقعا أن تندلع الحرب في نوفمبر، ولكن عمليا، كانت هناك إعادة تفكير كلية لدى الجانب الأمريكي، فتضاعف عدد القوات تقريبا قبل البدء بشن الحرب أخيرا، أي بعد خمسة أشهر من احتلال الكويت·
هذه المرة، صارت الأمور أكثر تعقيدا، وليس أقلها أن الولايات المتحدة تتعرض لضغوط حتى تسلك طريق الأمم المتحدة وتعطي وقتا لمفتشي الأسلحة، لكن هناك شيئا أكبر من ذلك يحدث الآن، ذلك أن المعلومات الحديثة عن تحركات القوات تشير الى أن القوات الأمريكية قررت حشد أعداد كبيرة من القوات المستعدة لاجتياح العراق فور بدء القصف الجوي بدلا من الانتظار أسبوعين أو أكثر حتى تحطم الحرب الجوية الجيش العراقي·
خطط أمريكية ومفاجآت عراقية
ربما يكون هناك سببان منفضلان لحدوث ذلك·
السبب الأول هو توقع أن يلجأ النظام العراقي الى استعمال الأسلحة الكيميائية لكسر حدة الهجوم الأمريكي، وإحدى طرق تطويق ذلك هي تحرك القوات الأمريكية مباشرة وبسرعة نحو بغداد، في حين إن قصفا جويا مكثفا يجعل من المستحيل على قوات النخبة العراقية أن تحرك أسلحتها الى مواقعها·
السبب الثاني، هو الإدراك بأن بداية أي حرب ستعطي الإشارة للنظام العراقي أن نهايته وشيكة· إن ردة الفعل الأكثر ترجيحا من جانب القيادة العراقية هي التدمير المنظم لحقول النفط في جنوب شرق العراق وشماله، وفي حين أن هذا قد لا يؤثر على النتيجة النهائية للحرب، فإن البنتاغون يميل الى تقييم أثر مثل هذه الكارثة البيئية باعتبارها سببا مرجحا لتحريض نقد واسع النطاق للحرب، ذلك أن مشاهد آبار النفط المحترقة على شاشات التلفزيون في بداية الحرب لن تشجع الانطباع بأن القوات الأمريكية مسيطرة وبراحة على الأوضاع·
على هذا الأساس، فإن جزءا أساسيا من الخطة العسكرية هو التحرك السريع لقوات رشيقة الحركة نحو حقول النفط في محاولة للسيطرة عليها مع عدد كبير من قوات إطفاء الحرائق مستعدة للتحرك بعدها عند الضرورة·
إن الأثر الكلي لمثل هذه المشاغل هو أن كل ما يعتبر ضروريا سيكون في مكانه الصحيح في بداية الحرب، التي ستندلع بين العشرين والثلاثين من مارس كما يبدو أو أبعد بقليل، وهذا إذا سارت الأمور تماما حسب ما هو مخطط لها، غير أن أي خطوة استباقية عراقية يمكنها أن تغير هذا المنظور بصورة جوهرية، ومع اقتناع النظام العراقي الأن بأن نهايته اقتربت فمن الحكمة توقع المفاجآت منه·
بعد الليلة الأولى للقصف الجوي الكثيف في يناير من عام 1991، كان هناك توقع واسع الانتشار مفاده أن الحرب ستنتهي فورا، وفي الليلة الثانية بدأت صواريخ “سكود” تنهمر على أهداف في إسرائيل، وفجأة بدا كل شيء أكثر تعقيدا·
هل يمكن استعمال الأسلحة النووية؟
في هذه الأثناء، فإن قضية احتمال استعمال العراق للأسلحة الكيميائية تثير مرة ثانية قضية ما إذا كان يمكن استعمال الأسلحة النووية ضد العراق·
وللوهلة الأولى، تبدو هذه الفكرة أكثر استحالة من أن تستحق أخذها بالاعتبار، غير أن ثلاث نقاط مهمة تنبثق من التطورات الأخيرة تجعل من الضروري أن نأخذها بالاعتبار·
ففي المقام الأول، كرر وزير الدفاع البريطاني جيفري هون تحذيرات سابقة من احتمال استعمال السلاح النوي، وخلال ظهوره في برنامج ديفيد فروست على تلفزيون “بي· بي· سي” في الثاني من فبراير قال: “لقد أوضحنا دائما أننا نحتفظ بحق استعمال الأسلحة النووية في ظروف الدفاع الاضطراري عن النفس، ويمكن أن يكون صدام واثقا تماما من أننا سنستعمل الأسلحة النووية في الظروف المناسبة”·
يمكن تفسير ذلك ببساطة بأنه محاولة لردع العراقيين عن استعمال الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية، غير أن النقطتين الثانية والثالثة توحيان بأن هناك وضعا أشد قلقا، فالنقطة الثانية هي أن الولايات المتحدة لا تعرف تماما أين يُخبّئ العراقيون الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية، وربما يكون بعضها مخبأ على عمق لا تستطيع بلوغه الأسلحة التقليدية لتدميره، والعراق يخضع أصلا لمراقبة مكثفة، وهذه المراقبة ستشتد حالما تبدأ الحرب، وربما تكون الإشارة لنقل الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية من المخابئ العميقة فجائية جدا·
وهذا يستحضر لنا النقطة الثالثة التي أوضحتها مقالة بالغة الأهمية كتبها محلل الدفاع الأمريكي واسع الاطلاع وليام أركين نشرت في صحيفة “لوس انجليس تايمز” في 26 يناير الماضي، واستنادا الى أركين، فإن التخطيط لاستعمال محتمل للأسلحة النووية ضد العراق يجري على قدم وساق في مركز القيادة الاستراتيجية الأمريكية في أوماها، وقد عين أركين، حسب ما ذكرته “مصادر قريبة عدة من العملية”، دورين محتملين للأسلحة النووية: مهاجمة المنشآت العراقية الواقعة تحت الأرض على عمق يجعلها حصينة أمام المتفجرات التقليدية، وإحباط استعمال العراق لأسلحة التدمير الشامل·
وفوق ذلك، ينقل أركين عن مصادر في القيادة المركزية الأمريكية (القيادة العسكرية المسؤولة عن الحرب مع العراق) قائلا إن “وثيقة التخطيط النووي العملياتي” قد جهزت بالفعل للعراق·
وقد دفعت مقالة أركين صحافيين عدة الى إجراء تحقيقات طلبا لمزيد من التوضيحات من مصادر الإدارة الأمريكية لكن أي نفي لمعلومات المقالة لم يظهر·
هل سيستخدمها أحد؟
في الأحوال العادية، يمكن تسفيه مقالة أركين باعتبارها زرعا للخوف، لكن خلفيته توحي بنقيض ذلك، فقد عمل وليام أركين محللا دفاعيا لأكثر من عشرين عاما، وكان يعمل سابقا في استخبارات الجيش الأمريكي، وقد شارك في تأليف سلسلة من أكثر الكتب تفصيلا عن الترسانات النووية نشرت عبر حقبة الحرب الباردة، وقد كتب بانتظام في لوس انجليس تايمز وواشنطن بوست، وقد يكون أركين ناقدا لبعض جوانب التخطيط العسكري، غير أنه بالتأكيد غير معادٍ بالفطرة للجيش·
وربما يكون أهم شيء أنه في السنوات الأخيرة، قد مال أركين الى تبني وجهة النظر القائلة إن الأسلحة النووية فقدت الجزء الأعظم من أهميتها الاستراتيجية، بل ذهب الى حد انتقاد أصحاب الرؤية المخالفة، وبعبارة أوضح، ما كان لأركين أن يكتب هذه المقالة لو لم يكن متأكدا تماما من مصادره ومما قالوه له·
إن الجمع بين هذه العناصر الثلاثة، أي تصريحات أشخاص مثل جيفري هون بشأن الرغبة في استعمال الأسلحة النووية، والحقيقة الواضحة أن بعض الأهداف العراقية لا يمكن تدميرها إلا بالأسلحة النووية، وتقرير وليام أركين عن أن التخطيط لاستعمال مثل هذه الأسلحة يجري الآن - إن الجمع بين هذه العناصر بالغ الأهمية·
والاستنتاج يقول إن وزارة الدفاع الأمريكية تتفق الآن بانسجام تام مع وزارة الدفاع البريطانية على أن استعمال الأسلحة النووية قد يكون مناسبا في الحرب المقبلة مع العراق، وإذا استعملت هذه الأسلحة، فإن التوقف عن استخدام الأسلحة النووية التي لم يجتزه أحد منذ عام 1945 سيختفي وسننتقل الى عالم أشد خطرا، مع اندفاع الدول الأخرى الى تطوير أسلحتها الرادعة في صورة أسلحة كيميائية أو بيولوجية أو نووية·
وبمعزل عن جميع القضايا الأخرى المتصلة بالحرب المقبلة مع العراق - مثل الضحايا المدنيين وزعزعة الاستقرار الإقليمي والأزمة الإنسانية والكارثة البيئية - فإن هذا وحده يشكل دليلا كافيا للخطورة غير العادية للحرب مع العراق·
المصدر
www.opendemocracy.org
___________________________________________________
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
saleh@taleea.com