رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 6 ذو الحجة 1423هـ - 8 فبراير 2003
العدد 1564

في تقريره الأسبوعي
الشال: 88 مليون دولار تستردها الناقلات من مجموع الأموال المختلسة

1 - مشروع الموازنة العامة 2004/2003 :

يفصلنا عن بدء السنة المالية 2004/2003 أقل من شهرين مما يعني أن أرقام مشروع موازنتها التي نشرتها الصحف المحلية - القبس - الأسبوع الفائت متأخر قليلاً إذا أخذنا في الاعتبار حاجته إلى إقرار من مجلس الوزراء ثم لجان مجلس الأمة المختصة قبل أن يعرض في جلسة عامة ويصدر بقانون· والذي يثير القلق في الأرقام الأولية المنشورة أمران سنأتي إلى تفصيلاتهما لاحقاً، وهما استمرار ارتفاع اعتمادات المصروفات واستمرار ارتفاع تكلفة إنتاج برميل النفط الكويتي وهما متضادان· بمعنى، أن زيادة المصروفات يحتاج إلى صافي إيرادات أعلى لمواجهته، بينما ارتفاع تكاليف الإنتاج يقتطع من جملة الإيرادات مما يقلل من صافيها· وبلغت اعتمادات المصروفات في مشروع الموازنة 2004/2003 نحو 5828 مليون دينار كويتي - 19,4 مليار دولار أمريكي - بإرتفاع نسبته نحو % 7,4 عن مستوى السنة المالية الفائتة وهو ثاني أعلى رقم في تلك الإعتمادات منذ السنة المالية 6219 - 1992/1991 مليون دينار كويتي - وليس بعيداً عنه· وهذا الارتفاع في اعتمادات المصروفات هو الارتفاع الخامس على التوالي بعد محاولة ضبط المصروفات في النصف الثاني من عقد التسعينات عندما دفع الهبوط في أسعار برميل النفط الكويتي - نحو 11,3 دولار أمريكي في عام 1998 - إلى محاولة لبلوغ التوازن الإيجابي في الموازنة بمعنى السيطرة على جانب المصروفات فيها·

وحسبت الإيرادات بالطريقة التقليدية المعتادة لاحتسابها، والواقع أنه باستثناء تعديل رقم تكاليف إنتاج البرميل من 487 فلسا إلى 517 فلسا (1,72 دولار أمريكي) أي بنسبة ارتفاع تبلغ نسبته % 6.2، بقت كل الفرضيات الأخرى على حالها· فإنتاج النفط احتسب افتراضياً 2 مليون برميل يومياً بينما هو حالياً ومنذ بداية يناير يبلغ 1,865 مليون برميل يومياً وتمثل حصة الكويت الرسمية في أوبك، واحتسب سعر صرف الدولار الأمريكي عند 305 فلوس وهو في حدود المعقول· واحتسب سعر برميل النفط الكويتي وهو المتغير الأهم عند 15 دولاراً أمريكياً للبرميل بينما بلغ معدله لعشرة شهور من السنة المالية الحالية نحو 25.1 دولار أمريكي للبرميل، ولكن لدينا اعتقاد بأنه سيراوح للسنة المالية القادمة ما بين 22-18 دولاراً أمريكياً للبرميل بعد فقدان علاوة عدم اليقين السياسي الحالي، وقد يكون أدنى إذا دخلت الدول النفطية حرب أسعار أسوة بما حدث في عام .1998

وبلغت تقديرات الإيرادات طبقاً للفرضيات المذكورة نحو 3555 مليون دينار كويتي - 3522 مليون دينار كويتي للسنة المالية 2003/2002 -، منها إيرادات نفطية بحدود 2971 مليون دينار كويتي وهو نفس مستوى السنة المالية الحالية بسبب زيادة عدد أيام السنة المالية القادمة - 366 يوماً - يوم واحد لشهر فبراير من عام 2004 وتمثل الإيرادات النفطية نحو % 83,6، بينما ارتفعت تقديرات الإيرادات غير النفطية قليلاً من 552 مليون دينار كويتي للسنة المالية الحالية إلى 584 مليون دينار كويتي للقادمة· أما إيرادات خارج الموازنة - إيرادات الاستثمارات الخارجية - فنحن نتوقعها أن تكون للسنة المالية القادمة موجبة بعد أن عانت لسنتين ماليتين سابقتين على الأقل، ونتوقع ارتفاعاً رأسمالياً في قيمها ولو صغيراً مع عائد جار ضعيف أيضاً هذا إذا صدقت فرضياتنا أن النصف الثاني من السنة المالية - أكتوبر 2003/مارس 2004 - سوف يشهد تحسناً في أداء الأسواق المالية العالمية لأسباب سياسية وإقتصادية·

وفي جانب المصروفات بلغت التقديرات الأولية للباب الأول - الرواتب والأجور - نحو 1649 مليون دينار كويتي يضاف إليها نحو 551 مليون دينار كويتي يمثل نصيب الحكومة في استحقاقات التأمينات الاجتماعية عن عمالتها، وربما أيضاً مثلها وتمثل رواتب العسكريين ورواتب الموازنات الملحقة والمستقلة وكلها في الباب الخامس للموازنة، أي أن الرقم الحقيقي للرواتب والأجور وتكلفتها على الخزينة العامة قد يبلغ نحو 2700 مليون دينار كويتي وهو رقم قريب من تقديرات دخل النفط· وضمن المصروفات بلغت مخصصات وزارة الدفاع في الباب الخامس زائد مصروفات التعزيزات العسكرية نحو 935 مليون دينار كويتي - 3,1 مليار دولار أمريكي - أي نحو % 9 من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2001 وهذه لا تمثل كل المصروفات العسكرية فهناك وزارة الداخلية والحرس الوطني، وذلك هدر كبير للموارد دون هدف أو إستراتيجية واضحة· وتبلغ اعتمادات وزارة الدفاع والتسلح نحو ضعف إعتمادات وزارة التربية ونحو ثلاثة أضعاف اعتمادات وزارة الصحة وذلك انحراف تنموي كبير· وبلغت  اعتمادات الباب الثاني - المستلزمات السلعية والخدمات - 685 مليون دينار كويتي بزيادة %13,6 عن اعتمادات السنة المالية الحالية، وبلغت اعتمادات الباب الثالث - وسائل النقل والمعدات - 57 مليون دينار كويتي بزيادة % 50، والباب الرابع - المشاريع الإنشائية والصيانة والإستملاكات - 722 مليون دينار كويتي بزيادة %7,8، والباب الخامس - المصروفات المختلفة والمدفوعات التحويلية- 2715 مليون دينار كويتي بزيادة % 8·

وعليه أصبح عجز الموازنة القادمة الافتراضي نحو 2273 مليون دينار كويتي وهو ثاني أعلى عجز افتراضي منذ السنة المالية 5349  - 1992/1991 مليون دينار كويتي -، ومن المتوقع أن تحقق السنة المالية عجز فعلي وحجمه يعتمد على مستوى أسعار النفط المحتمل، ولكننا نتوقع أن يكون عجزاً متوسطاً أي ما بين 1000-500 مليون دينار كويتي·

2- قانون البنوك الإسلامية:

أقر مجلس الأمة الأسبوع قبل الفائت - 28 يناير - قانون السماح بإنشاء بنوك إسلامية جديدة في مداولته الأولى، وفي الكويت ومنذ عام 1977 لا يوجد سوى بنك إسلامي واحد هو بيت التمويل الكويتي و11 شركة استثمار إسلامية وشركة تأمين تكافلي أي إسلامي· والقانون - من حيث المبدأ - يفترض بأن يسمح بإنشاء بنوك إسلامية جديدة، والسماح بفتح بنك إسلامي واحد من دون فروع لكل بنك تقليدي أو متخصص مرخص، أو تحول أي بنك تقليدي أو متخصص إلى بنك إسلامي، مع خضوع أي بنك إسلامي شاملاً بيت التمويل الكويتي لرقابة بنك الكويت المركزي· ومع السماح بفروع لبنوك إسلامية تقليدية، ذلك يعني من الناحية النظرية احتمال تفوق عدد البنوك الإسلامية على البنوك التقليدية، وهو أمر سيحدث ما لم توضع له ضوابط·

ويبدو من الناحية التاريخية أن سوق المنتجات الإسلامية ينمو بمعدلات سريعة، وبلغ مع نهاية 2002 عدد المؤسسات المالية الإسلامية في العالم نحو 176 مؤسسة بإجمالي أصول تبلغ نحو 147,7 مليار دولار أمريكي· ونظرة على أصول بيت التمويل الكويتي نلاحظ أن نمو أصوله في السنوات العشر الفائتة قد بلغ نسبة مركبة في حدود %9,21، ومع نمو ربحيته بلغت قيمته السوقية 6,7 ضعف ما كانت عليه قبل عشر سنوات· وبينما يبدو نمو الطلب على المنتجات الإسلامية أمراً مغريا للتوسع في عدد الشركات التي تقدمها، ويدعم ذلك محلياً الأداء المتفوق لبيت التمويل الكويتي، لا تسمح السوق بتوسع غير محدود، وسيظل بيت التمويل الكويتي بحكم أدائه وخبرته وحجمه وتوسعه الإقليمي والعالمي وأسبقيته مسيطراً ولفترة طويلة على خدمات سوق المنتجات البنكية الإسلامية·

والخطورة تكمن في أن الإنفلات في منح التراخيص ضمن ما تقدم قد تعني مزاحمة عدد كبير من البنوك الإسلامية على حصة محدودة في السوق مما يعني قيام وحدات غير إقتصادية من حيث الحجم· ولأن البنوك تعمل بحجم أصول يصل إلى نحو 10 أضعاف حقوق مساهميها، فإن فشل وحدة أو أكثر من تلك البنوك قد يعني تعريض أضعاف عدد مساهميها لمشاكل، وقد يضر بسلامة النظام المصرفي الإسلامي وربما التقليدي بكامله· ونعتقد أن التحدي الحقيقي الذي يواجه بنك الكويت المركزي وسلطات اتخاذ القرار في الكويت هو وضع ضوابط موضوعية لتحديد رقم للبنوك الإسلامية التي يتحملها السوق، والأهم لمن تمنح هذه التراخيص· فالأقدمية في تقديم الطلب - وهناك قائمة طويلة - ليست ذات معنى كبير، والحجم أي مقدار رأس المال ليس ذا معنى كبير، والأسماء تثير الكثير من الحساسية السياسية، ومعايير الجدية والمهنية لو اعتمدت تقبل الجدل، وسيكون أسهل البدائل أن يتحول بنكان تقليديان أو متخصصان إلى بنكين إسلاميين، وذلك يعني تحقيق هدفين متزامنين وهما تخفيض الازدحام في السوق المصرفي التقليدي وهو أمر يؤمن به بنك الكويت المركزي ولا نستطيع نحن الجزم بصحته، ويحصر سوق العمل المصرفي الإسلامي في ثلاثة بنوك· وذلك لن يحل الإشكال في رغبة الآخرين في الحصول على ترخيص إلا جزئياً إذا تم اشتراط توسعة البنكين بزيادة قاعدتهما الرأسمالية بإحتواء مقدمي الطلبات الأخرى ضمن البنكين المتحولين·

يبقى أمر خطر آخر وهو الضوابط التي يمنح القانون حق تقديرها للبنك المركزي فيما يتعلق بالأنشطة التجارية والعقارية وهي أغراض أساسية في العمل المصرفي الإسلامي· واجتناباً لأي إشكال مقبل كما حدث عندما تعطل قانون البنوك الإسلامية لسنوات، نرجو الجلوس بعقول وقلوب مفتوحة لمناقشة مساحة الاتفاق على الضوابط·

3- اختلاسات شركة ناقلات النفط الكويتية :

هناك بالتأكيد نقاط مضيئة وإيجابية في البلد، إحداها متابعة الإدارة الجديدة لشركة ناقلات النفط قضايا اختلاساتها وخصوصا في المحافل الخارجية، فهي ما زالت تراوح مكانها للأسف الشديد في الكويت، ومازالت لم تشمل جميع المتهمين، ولكنها أثمرت إنجازا حقيقيا· فعلى مدى شهر تقريبا أو في الفترة ما بين 2002/12/23 و2003/1/24 استعادت شركة ناقلات النفط ما مجموعه 88,2 مليون دولار أمريكي من اثنين من المتهمين، وتتوقع تحصيل 10 ملايين دولار أمريكي أخرى من نتاج بلاغها الأول· وبلغت تكاليف التحصيل - قانونية وغيرها - نحو 21,7 مليون دولار أمريكي أو نحو % 24,6 من مجمل ما تم تحصيله، أي أن صافي ما تم تحصيله حتى الآن بلغ نحو 66,5 مليون دولار أمريكي· وكانت محكمة إبتدائية في لندن قد حكمت في 1998/11/6 للشركة بمبلغ 136 مليون دولار أمريكي يرتفع مع الفوائد ليصل إلى 188 مليون دولار أمريكي، وعزز هذا الحكم في سابقة من مجلس اللوردات البريطاني بتاريخ 2000/12/18وكان بلاغ الشركة الأول المقدم في 1993/1/6 قد قدر الأموال المختلسة التي يملك بشأنها مستندات بنحو 102 مليون دولار أمريكي، ويعتقد بأن هناك مثلها على الأقل تم سرقة أو إعدام مستنداتها· وكان ملف قد سقط سهواً من المختلسين ووجدته الإدارة الجديدة وهو ما وفر مستندات دامغة على الاختلاسات، أما بقية اختلاسات الناقلات والاستثمارات الخارجية فقد كان لدى فريق المختلسين ما يكفي من وقت ونفوذ لطمسها· وقدمت الشركة بلاغاً ثانياً حول قضية الشحن الجاف ومازال معلقاً أي لم تبت فيه النيابة، وقامت الشركة برفع دعوى مدنية للمطالبة بـ 2,3 مليون دولار أمريكي في الكويت و16,3 مليون دولار أمريكي في ألمانيا من باب حفظ حقوقها· ولا نملك سوى التأكيد على أن إدارة الشركة تستحق كل التقدير خصوصاً وهي الأخرى تعمل في بيئة غير مواتية ومقاومة وبعنف لمحاربة الفساد·

ويبقى غير المضيء في القضية صدور حكم من القضاء الكويتي وعدم تأريخه وسقوطه رغم كل الاعترافات والمستندات التي شملها· ويبقى غير مضيء ذلك العجز غير المبرر وعلى مدى سنوات في حسم قضية جدية البلاغ وتحويل القضية إلى محكمة الوزراء وهو سبب رئيسي في استشراء فساد الذمم· ويبقى غير المضيء تلك المساحة الواسعة التي يتيحها التسامح السياسي والتي منعت وصول تلك القضية وقضايا اختلاسات الاستثمارات الخارجية إلى نهاياتها الافتراضية والضرورية· وكان المتهم الأول قد قدم اعترافاً شاملاً أمام القضاء الانجليزي فيه تفاصيل التصرف بأموال اتهم باختلاسها، وكانت سلطات النيابة في سويسرا قد جمدت أموالاً وحسابات مختلفة، ولكن لأسباب لا نعرفها تم التغاضي عن المتابعة·

4-الشيك من دون رصيد:

ذكرنا في تقرير سابق لنا في مايو 2002 بأن إلغاء أو الإبقاء على اعتبار حادثة الشيك من دون رصيد جناية يحتاج إلى دراسة مختصين للوصول إلى رأي مهني حول مزايا وتبعات الاستمرار أو التغيير· وحينها ذكرنا بأن عدد مسجوني قضايا الشيكات من دون رصيد بلغ 431 مسجوناً أو نحو % 14,9 من عدد المساجين منهم نحو 21 امرأة، وتذكر معلومات صحافية منشورة حالياً بأن عددهم انخفض إلى 381 سجين - بنسبة % 12 - منهم 9 نساء· ولكن يبدو أن ما كنا نخشاه قد حدث، فالأصل في تعديل القانون والإعفاء من عقوبة الشيك من دون رصيد قد جاء سياسياً إنسانياً دون الاعتداد بوزن التبعات التي سوف تترتب عليه، وهو أسلوب التجربة والخطأ·

ومن التبعات المحتملة هي فقدان الثقة بالشيك وانحسار التعامل به بشكل عام وذلك قد يعني ضغطاً على التعامل النقدي بمخاطره المحتملة كما يعني الحد من مستوى النشاط التجاري وغيره· وإلغاء العقوبة قد لا يحل الإشكال الاجتماعي الناشئ عنها وربما يعمقه، فمن يمتهن عملية إصدار الشيكات من دون رصيد سوف يتوسع بها وسوف يزيد عدد الدعاوى في محاكم مزحومة مع طول مهلة البت فيها وتغير الظروف· وذلك لن يعاقب ممتهني التصيد لحاجات الناس واستخدام الشيك وسيلة ضغط لأنهم سيجدون وسيلة ضغط أخرى قد تكون أشد من الناحية الاجتماعية·

والواقع أننا نعيش مشكلة إدارة، فالإيمان بأن العالم تغير ويتغير بسرعة يبدو أنها رسالة لم تصل إلى مؤسساتنا، فالعالم بات ينطلق من رؤية عامة ويشتق منها رؤاه الجزئية في كل قضية· وفي الكويت هناك رأي منفصل لكل قضية، ذلك يعتمد على ظروف وضغوط المدى القصير، فنحن لم نعد نسمع بقرارات مثل الأراضي خارج خط التنظيم أو صندوق التنمية أو احتياطي الأجيال القادمة أو المخطط الهيكلي أو غيرها من الرؤى الرئيسية شاملاً أهمها وهو تحويل الكويت إلى دولة دستورية وبلد قانون، فكلها حدثت قبل ربع قرن مضى وأكثر·

طباعة  

من إعداد مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة الكويت
الاتجاهات العامة في الوسط العربي ومستقبل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط