رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 6 ذو الحجة 1423هـ - 8 فبراير 2003
العدد 1564

بعد ما كان النفط الإفريقي ثانويا أصبح له “الأولوية في الأمن القومي الأمريكي” بعد أحداث 11 سبتمبر
الهجوم على الذهب الأسود في “دول الخليج النفطية الجديدة”

       

·    ميزتان لحقول نفط إفريقيا: لا تنتمي إلى OPEC وهي في شكل أساسي “أوف شور”

·    زيارة بوش المرتقبة لإفريقيا تاريخية بالنسبة إلى السياسة النفطية الأمريكية

 

جان- كريستوف سرفان *

فيما تستعد الولايات المتحدة لحربها على العراق، تخوض واشنطن معركة أخرى وهي بالأهمية الاستراتيجية نفسها، وذلك على بعد بضعة آلاف من الكيلومترات من منطقة الخليج، وبحسب الصحيفة النيجيرية "ذو فانغوارد" فإن الهدوء في هذه المعركة يعود في جزء منه الى عدم الرغبة في صدم الحلفاء في الشرق الأوسط، وفي جزء آخر الى السعي لتفادي تأكيد القول إن الولايات المتحدة لا تهتم إلا بما في إفريقيا من موارد" وإنها تستهدف النفط الموجود في الصحراء الجنوبية الإفريقية·

ويعتقد السيد والتر كانشتاينر، مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية، أن نفط القارة السوداء "بات يشكل مصلحة قومية استراتيجية بالنسبة الى الولايات المتحدة"· ومن جهته فإن أد رويس السيناتور الجمهوري واسع النفوذ عن ولاية كاليفورنيا ورئيس اللجنة الفرعية التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب صرح بأنه "بعد أحداث 11 سبتمبر، يجب التعامل في موضوع البترول الإفريقي على أنه أولوية بالنسبة الى الأمن القومي"·

ولم يتبقّ أمام الكونغرس والبيت الأبيض إلا تشريع هذه الاستراتيجية، وفي انتظار ذلك يبدو أن هذا التطور يتعزز عبر الكثير من التدخلات في الكثير من الدول المنتجة للنفط وخصوصاً ما قدّم من دعم لمفاوضات السلام في السودان في أوائل العام 2002، وحضّ نيجيريا على الانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط (OPEC

ومن جهة أخرى قام السيد كولن باول في العام 2002 بزيارة تاريخية للغابون، هي الأولى لوزير خارجية أمريكي، في حين أن الرئيس جورج دبليو بوش، وفي مبادرة لا تقل رمزية، قد دعا في 13 سبتمبر عام 2002، عشرة رؤساء دول من إفريقيا الوسطى الى وجبة فطور، وأخيرا قام مسؤول رفيع في القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا هو الجنرال كارلتون فولفورد بزيارة الى كل من ساو توم وبرانسيب في يوليو عام 2002 من أجل دراسة مسألة أمن العاملين في مجال النفط في خليج غينيا كما لدراسة إمكان إنشاء مركز فرعي للقيادة العسكرية الأمريكية فيهما على غرار المركز القائم في كوريا الجنوبية· 

وما يفسّر تجدد الاهتمام هذا بالمصالح الإفريقية، والذي كان بوش قد اعتبره، في حملته الانتخابية الرئاسية في العام 2000 "لا يحتل مركز الأولوية بالنسبة الى الأمن القومي"، هو إغراء الأرقام المتوقعة، فمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية قدّر مجمل احتياطي القارة النفطي بـ80 مليار برميل أي ما نسبته 8 في المئة من الاحتياطي العالمي الخام· وبحسب دراسة السوق التي أجراها "مجلس الدراسات الوطنية" الأمريكي، فسيكون في إمكان الولايات المتحدة أن تستورد من الآن وحتى العام 2015 ما نسبته 25 في المئة من نفطها من الصحراء الإفريقية وذلك مقابل 16 في المئة في الوقت الحالي· 

وقد باتت إفريقيا السوداء، بعدما زاد إنتاجها على أربعة ملايين برميل يومياً، تنتج مقدار ما تنتجه إيران وفنزويلا والمكسيك مجتمعة· ففي عشر سنين زاد إنتاجها بنسبة 36 في المئة مقابل 16 في المئة لباقي القارات، فالسودان الذي بدأ تصدير نفطه قبل ثلاثة أعوام، يستخرج يومياً 186000 برميل، فيما ستزيد نيجيريا، الدولة الإفريقية الأولى في تصدير النفط الخام، إنتاجها ما بين 2,2 و3 ملايين برميل يومياً من الآن وحتى العام 2007، قبل أن ترفعه الى 4,42 مليون برميل في العام 2020· أما أنغولا، المصدر الثاني في القارة والتي خرجت في ربيع العام 2002 من حرب أهلية دامت خمسة عشر عاماً، فيتوقع من الآن وحتى الموعد نفسه أن تضاعف إنتاجها ليصبح 3,28 مليون برميل، وخلال هذه الفسحة من الزمن فإن غينيا الاستوائية التي تمتلك الآن أكبر عدد من الرخص المتداولة للتنقيب عن النفط (الى جانب أنغولا) ستسمح لها مياهها الإقليمية بأن تصبح من الآن وحتى العام 2020 المصدر الثالث في إفريقيا للنفط الخام (متقدمة على الكونغو والغابون) عبر إنتاجها 740000 برميل يومياً· 

كما أن لحقول النفط الإفريقية الواعدة منافع سياسية أكيدة، فمن جهة أن جميع الدول الإفريقية، باستثناء نيجيريا، لا تنتمي الى "منظمة الدول المصدرة للنفط "، أوبك، التي تسعى أمريكا، في التزامها خطة استراتيجية طويلة الأمد، الى إضعافها عبر حرمانها انضمام بعض الدول الصاعدة اليها"·

ومن جهة أخرى فإن هذه الاحتياطات النفطية، بحسب ما يؤكد السيد روبرت مورفي، مستشار وزارة الخارجية للشؤون الإفريقية، هي في شكل أساسي من نوع "الأوف شور"··· و"تبقى في منأى عن أي اضطرابات سياسية أو اجتماعية محتملة، فالتوترات السياسية أو أي نوع آخر من موضوعات النزاع نادراً ما تتخذ بعداً إقليمياً أو إيديولوجياً قد يفضي الى عملية حظر جديدة"· 

هكذا وفي الوقت المحدد، سيصبح خليج غينيا، وفيه احتياط نفطي يبلغ 24 مليار برميل، القطب العالمي الأول في إنتاج النفط بعيداً جداً خارج الحدود، وأخيراً فإن احتياطات القارة متصلة مباشرة بالساحل الشرقي للولايات المتحدة، ما عدا الحقول السودانية، في انتظار إنجاز خط أنابيب "تشاد-كاميرون" الذي سيضخ 250000 برميل من النفط يومياً في اتجاه الأطلسي·

أما بالنسبة الى شركات النفط الأمريكية (سواء أكانت الشركتان العملاقتان "اكسون -موبيل كوربورايشن" و "شوفرون- تكساكو  كوربورايشن" أم الشركات المغمورة أكثر مثل "آميرادا هيس" أو ماراتون أو أوسيان إينيرجي" (والتي ستستثمر في إفريقيا خلال العام 2003 ما يزيد عن 10 مليارات دولار)، فإن نفط إفريقيا قد أصبح في شكل واضح أولوية جيوسياسية لها حتى في ما قبل 11 سبتمبر عام 2001، وهذا ما أبلغت به، منذ مارس عام 2000، اللجنة الفرعية في مجلس النواب خلال اجتماع خصص للبحث في إمكانات الطاقة المتوافرة في إفريقيا، وقد لعبت "مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة"(IASPS)  (8)، وهي مؤسسة أنشئت في القدس في العام 1984 "كمركز تخطيط" مقربة من حزب الليكود الإسرائيلي، المؤيد تقليدياً لاستراتيجيا التحرر من الارتهان للنفط السعودي، بقدر ما هي مقربة من المحافطين الجدد الأمريكيين دورا مهما في ذلك الاجتماع·

انتصارا للوبي شركات النفط التكساسية

ثم جاء فوز السيد جورج دبليو بوش انتصاراً للوبي شركات النفط التكساسية، وما بعد 11 سبتمبر بدأت أفكار "مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة" تلقى تجاوباً من جانب مستشاري شؤون الطاقة في الإدارة وفي شكل أعم في أوساط "صقور" البيت الأبيض، وفي 25 يناير عام 2002، نظمت مؤسسة الدراسات المذكورة مؤتمراً شارك فيه السيد والتر كانشتاينر وقد ضم عدداً من أعضاء إدارة بوش (مثل السيد باري شوتز، المتخصص في الشؤون الإفريقية والكولونيل كارن كفايتوفسكي، الضابط في سلاح الطيران التابع لوزارة الدفاع) وأعضاء في الكونغرس (على غرار السيد وليم جيفرسون من لويزيانا) إضافة الى مستشارين دوليين ومسؤولين في مجال الصناعة النفطية وشركات الاستثمار، ومن هذا الاجتماع تشكلت "مجموعة المبادرة السياسية للنفط الإفريقي، l'African Oil Policy Initiative Group (AOPIG)  وهي تشكيل من القطاع الخاص والعام، كما صدر عنه كتاب أبيض تحت عنوان "النفط الإفريقي، أولوية للأمن القومي الأمريكي وللتنمية الإفريقية"·

وفي هذا الكتاب جاءت الرسالة الموجهة الى إدارة بوش واضحة تماماً :"أشيروا علينا بما نفعل ونحن ننفذ"، ومنذ أن عقد هذا المؤتمر بدأت تظهر في سياسة الحكومة الأمريكية في مجال الطاقة إشارات جلية للنفوذ الذي تمارسه مجموعة الضغط هذه، وقد ظهرت ملامحه في سياسة الطاقة الوطنية التي كشف عنها في مايو الماضي السيد ديك تشيني، فنائب الرئيس الأمريكي اعتبر أن "النفط الإفريقي بمواصفاته النوعية العالية ونسبة الكبريت المنخفضة فيه بات يشكل سوقاً متنامية لمصافي النفط على الساحل الشرقي"، كما أن مجموعة المبادرة هذه (AOPIG ) قد لعبت أخيرا دور القائم بالمساعي الحميدة في نيجيريا، والتي يعاني القسم الشمالي منها من الاضطرابات السياسية والاجتماعية، وذلك في إطار مهمة قام بها "المبشر النفطي" مايكل وهبي في منتصف شهر يوليو في لاغوس· فرسمياً تناولت المهمة مسألة إنشاء لجنة لخليج غينيا تضم الدول النفطية في القسم من المنطقة، وبشكل غير رسمي تناول البحث موضوع الخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط، وهو ما نفته آبوجا على أساس أنه شائعة·

ويدعو الكتاب الأبيض الذي أصدرته المجموعة، "بغية تفادي الأخطاء التي ارتكبت في الخليج" الى إيلاء انتباه أكبر للشفافية في التصريح عن المداخيل الناتجة من النفط، وبزيادة التسهيلات الجمركية التي منحتها أمريكا من قبل لإفريقيا، كما أنه يقترح تعهداً حذراً ومدروساً من قبل الولايات المتحدة لإلغاء الديون، وإذا ما كان لهذه النيات أن "تترجم يوماً ما الى سياسة أمريكية حقيقية، فسيكون هناك الكثير مما يمكن عمله، لكن النفط والإدارة السياسية النظيفة يبقيان أمرين متناقضين، ففي تقرير نشرته في يوليو عام 2002، ذكّرت جمعية الدراسات الكنسية لمنطقة إفريقيا الوسطى (Acerac) بـ"التواطؤ القائم بين الشركات النفطية والسياسيين في المنطقة" حيث أصبحت العائدات النفطية تقوي الأنشطة الحاكمة ويستخدم هذا للإضرار بالشعوب·

ففي أنغولا، حيث شركة "شوفرون" تشرف على 75 في المئة من إنتاج النفط، وبحسب صندوق النقد الدولي، اختلس "الفوتونغو" (هي زمرة سماسرة مقربة من السلطة) في العام 2001، ما يزيد عن 30 في المئة من الأرباح المتحققة من النفط· لكن البلد الذي يلخص في شكل فاضح الطريقة التي تعتمدها الولايات المتحدة في توزيع الأوراق النفطية، هو من أصغر البلدان المنتجة للنفط، أي غينيا الاستوائية، ففي "الكويت الإفريقية" هذه التي زاد إنتاجها من النفط الخام بنسبة 70 في المئة في العام 2001 والتي تملك احتياطياً يقدَّر بملياري برميل، تستعد الولايات المتحدة لإعادة فتح سفارتها (أغلقت في عهد إدارة السيد بيل كلينتون لأسباب تتعلق بالموازنة) ولشطبها من اللائحة السوداء في مجال حقوق الإنسان والتي تضم 14 دولة إفريقية·  والحقيقة أيضاً أن هذه الدولة، التي يصفها التقرير السنوي لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية بأنها أمة يديرها "زعماء لا يخضعون لقانون أقدموا على نهب الاقتصاد الوطني"، ممثلة بسفيرها لدى الولايات المتحدة (هو صهر الرئيس تيودور أوبيانغ) قد شاركت في مؤتمر "مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة"، والحقيقة أيضاً كما يذكر تحقيق لافت قامت به صحيفة "ذا نايشن"، أن ثلثي الالتزامات النفطية في غينيا الاستوائية ممنوحة لعملاء أمريكيين من "ذوي العلاقات الوطيدة بإدارة بوش"، وهكذا نجد أن السيد وليم ماك كورميك، رئيس شركة "سي·أم·أس· إينزجي" النفطية قد ساهم بـ100000 دولار في احتفالات تسلم السيد جورج دبليو بوش مقاليد الحكم، ومن جهتها فإن الشركة النفطية الأخرى الناشطة في خليج غينيا، "أوسيان إينرجي" تضم في صفوف مستشاريها في غينيا الاستوائية تشستر نوريس الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة فيها في غينيا الاستوائية السيد بوش الأب، ولإتمام هذه الصورة الجديرة بجمهوريات الموز فإن حقول ما خارج الحدود (الأوف شور) في غينيا الاستوائية ستكون قريباً تحت حماية فرقة من حرس الشواطئ قد دربتها شركة الموارد العسكرية المحترفة، وهي شركة خاصة يديرها بعض كبار الضباط المتقاعدين من البنتاغون (موجودة أيضاً في أمريكا اللاتينية حيث تتعامل بالتعاقد في إطار خطة كولومبيا)، وما يقال في سفارة غينيا الاستوائية في واشنطن يلخص الوضع على أتم وجه: "في بلادنا إن الشركات النفطية هي التي تنقل المعلومات الى وزارة الخارجية الأمريكية"، وفي هذا الإطار فإن الزيارة التي ينوي السيد جورج دبليو بوش القيام بها في ربيع العام 2003 الى إفريقيا، بدءاً بنيجيريا، قد تكون زيارة تاريخية لأكثر من سبب·

* صحافي

___________________________________________________

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها

saleh@taleea.com

طباعة  

عقيدة بوش الوقائية·· هل يشكل العراق امتحانها الأول؟