رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 6 ذو الحجة 1423هـ - 8 فبراير 2003
العدد 1564

عقيدة بوش الوقائية·· هل يشكل العراق امتحانها الأول؟

                                             

                                                                 الرئيس جورج بوش

·   العقيدة الوقائية ليست جديدة·· إنما أحداث سبتمبر أعطت المتشددين الفرصة لإعادة إحيائها

·   سكوكرفت: “علنية” السياسة الوقائية تترك الباب مفتوحا لمن يريد المطالبة بالحق نفسه

 

بقلم مايكل غوردون (نيويورك تايمز)

بعد سنة من إعلان الرئيس جورج بوش أن العراق جزء من “محور الشر” تبدو الولايات المتحدة مستعدة لتنفيذ عقيدتها الجديدة بإعطاء التفويض بالهجمات الوقائية على الدول المعادية والإرهابيين الذين يشكلون مخاطر محتملة على الولايات المتحدة·

وفي حين تفضل إدارة بوش العمل بمساندة واسعة من أعضاء مجلس الأمن الدولي، فقد لفتت انتباه المجتمع الدولي الى أنها مستعدة تماما الى العمل بمفردها·

وقد قال وزير الخارجية كولن باول للقادة الأوروبيين في كلمة حازمة (ألقاها في مؤتمر دافوس الاقتصادي) إن “تعددية الأطراف لا يمكن أن تكون عذرا لعدم القيام بعمل، ونحن نواصل الاحتفاظ بحقنا السيادي بالقيام بعمل عسكري ضد العراق، وحدنا أو ضمن تحالف مع الراغبين”·

لقد احتفظت الولايات المتحدة دائما بالحق في الضرب أولا للدفاع عن القوات الأمريكية والأراضي الأمريكية ضد المخاطر الوشيكة· لكن الخبراء يقولون إن السياسة الوقائية هذه متمايزة لأسباب كثيرة·

غداة الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر، حولت إدارة بوش السياسة الاستباقية من مجرد خيار الى مبدأ جوهري في سياستها الخارجية وجعلتها سياسة لمجابهة المخاطر التي ليست وشيكة إنما محتملة كما في حالة العراق·

والمهم أيضا، أن الإدارة الأمريكية تحدثت عن الاستباق بطريقة معلنة صريحة· فالاستباق لم يعد موضوعا يناقش وراء أبواب مغلقة، إنما موضوعا مفصلا في وثائق استراتيجية، منادى به في الخطب الرئاسية وقائما في الموقع الإنترنتي للبيت الأبيض·

ويشدد المسؤولون الكبار في إدارة بوش على أن الوقاية هي مجرد طريقة واحدة من طرق عدة لمقارعة المخاطر الإرهابية والأخطار الناتجة من الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية·

ويقول هؤلاء إن هذه العقيدة ضرورية لردع الأعداء المحتملين من تطوير أسلحة التدمير الشامل ولطمأنة الشعب الأمريكي الذي هزته أحداث 11 سبتمبر الى أن الحكومة ستحميه·

وقال أحد المسؤولين الأمريكيين الكبار إن: “هجمات 11 سبتمبر أعطت الأمريكان وللمرة الأولى إحساسا بأنهم معرضون للخطر· وهم يتوقعون أن حكومتهم ستقوم بالعمل على تخفيض التهديدات والقضاء عليها”·

وأضاف هذا المسؤول: “إذا أرادت الحكومة أن تستجيب لهذا الطلب، ينبغي عليها أن تقول للناس عما تقوم به وأن لديها استراتيجية للأمن القومي ترقى الى مقارعة التهديد الجديد· وهناك أيضا عنصر رادع للأشرار، وبصراحة تامة ينبغي علينا أن نقول للمجتمع الدولي إن العالم قد اختلف وإنه يتطلب بعض التدابير الجديدة وإنه هو - أي المجتمع الدولي - ربما يكون متجها الى العمل بصورة وقائية أيضا”·

لكن هناك منتقدون كثيرون للعقيدة والذين يعتقدون أن إصرار الإدارة الأمريكية على الإعلان مرارا عن حقها في العمل الوقائي أدى الى تفاقم الخلافات بين الولايات المتحدة وحلفائها، خاصة عندما يحصل ذلك في وقت شعورهم بعدم الراحة من كون الولايات المتحدة قوة عسكرية عظمى وحيدة وفي وقت النزعة وحيدة الجانب في إدارة بوش، ويقلق بعضهم أيضا من أن ذلك قد يشجع بلدانا أخرى على تقليد هذه الاستراتيجية ومهاجمة جيرانهم·

وقد قال برنت سكوكرفت، مستشار الرئيس جورج بوش الأب للأمن القومي إنه “ليست واضحة مزايا إعلانها صراحة (هذه العقيدة)، فقد كان معروفا عموما أن الولايات المتحدة قد تضرب وقائيا في بعض الظروف، ولكن عندما تكون سياسة علنية إشعارية فإنها تترك الباب مفتوحا أمام الآخرين الذين يريدون المطالبة بالحق نفسه”·

وقال زبغنيو بريجنسكي الذي كان مستشارا للأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر إن هذه العقيدة غذت مشاعر معاداة أمريكا، وأضاف: “هي جزء من رؤية متغيرة بشأن أمريكا، فالصورة عن أمريكا التي تحصل عليها عبر استطلاعات الرأي في الخارج هي أمريكا الجذابة بفضل ما تفعل داخليا، إنما هي أيضا أمريكا المنظور إليها بخوف متعاظم بفعل ما تقوم به دوليا، وأعتقد أن هذا ليس جيدا، فأنا مؤيد كبير للقوة الأمريكية، ونحن عنصر أساسي في الاستقرار العالمي، ولكن قوتنا ليست عظيمة بقدر يسمح لنا بتحمل الفقدان المضطرد لعنصر الشرعية في هذه القوة”·

تطويق القوى المعادية

إن الأطروحات الرئيسية في استراتيجية بوش للأمن القومي تردد أصداء الذرائع التي أطلقها المحافظون الجدد الأوفياء قبل عشر سنين مضت·

فعندما كان ديك تشيني وزيرا للدفاع في إدارة بوش الأب، وضع مساعدوه مسودة معروفة باسم “توجيه التخطيط الدفاعي” وتضمنت كثيرا من الأطروحات الاستفزازية التي اعتنقتها الإدارة الحالية، وكان بين مساعدي ديك تشيني الذين قاموا بهذا العمل بول وولفوفيتس، نائب وزير الدفاع حاليا، ولويس ليبي، رئيس طاقم معاوني ديك تشيني، وزالماي خليل زاد، مبعوث البيت الأبيض لدى المعارضة العراقية الآن·

وقد قال مشروع الوثيقة إنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لاستعمال القوة إذا لزم الأمر حتى تمنع انتشار الأسلحة النووية، وقد جادل مشروع الوثيقة بأن غاية السياسة الأمريكية ينبغي أن تكون المحافظة على التفوق العسكري الأمريكي وإحباط قيام قوة عظمى منافسة، وأضاف المشروع أن التحالفات العسكرية لا ينبغي أن تقوم بالضرورة على التحالفات الرسمية إنما على اجتماعات اللجان العليا التابعة لمختلف الأمم، وهذا أسلوب يعني أن واشنطن لن تكون ملزمة بآراء حلفائها·

ولم يكن هناك كثير من التلميحات خلال الحملة الرئاسية عام 2000 الى أن إدارة جورج دبليو بوش تنوي “لاحقا” إحياء جدول الأعمال الصارم، حتى أن كوندوليسا رايس، مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي قد قامت خلال الحملة الانتخابية بأنه إذا طور العراق وكوريا الشمالية أسلحة التدمير الشامل فيمكن ردعهما·

وكتبت رايس في مقالة نشرت في مجلة “فورين أفيرز” في أوائل عام 2000 أن “هذين النظامين يعيشان في الوقت الإضافي، فلا حاجة إذن الى الإحساس بالذعر منهما، وإذا حصلا على أسلحة التدمير الشامل فلن تكون هذه الأسلحة قابلة للاستعمال لأن أي محاولة لاستعمالها ستؤدي الى إبادة بلديهما”·

ويبدو أن هناك عوامل عدة ساهمت في إحداث هذا التغيير، فلما صار رئيسا، تبين أن جورج بوش ومساعديه الكبار هم أكثر محافظة من والده وفريق معاونيه·

ثم أدت هجمات الحادي عشر من سبتمبر الى تغيير السياسة الأمريكية، فقد دفعت معاوني بوش الى صوغ استراتيجية أشد اندفاعا لمواجهة التهديدات للولايات المتحدة وأعطت المتشددين فرصة جديدة لفرض جدول أعمالهم القديم بشأن إسقاط نظام صدام حسين·

كانت خطبة بوش بشأن حال الاتحاد في العام الماضي دلالة مبكرة عن التغييرات الوشيكة في وصفها العراق وإيران وكوريا الشمالية باعتبارها جزءا من “محور الشر”·

ثم اتبع بوش ذلك بخطبة ألقاها في يونيو 2001 في كلية “ويست بوينت” (العسكرية) وجادل فيها بأن الردع والاحتواء لم يعودا ملائمين وتوعد بـ “نقل المعركة الى أرض العدو”·

وكان التعبير الأوضح عن هذه العقيدة قائما في استراتيجية الأمن القومي للإدارة الأمريكية التي صدرت في سبتمبر، فالمسودة الأولى للعقيدة كتبها طاقم مجلس الأمن القومي لكن رفضها بوش الذي أصر على وثيقة تعكس بطريقة أكثر مباشرة مبادئه الشخصية وتكون نسخة طبق الأصل لفكره، وهكذا أعادت كوندوليسا رايس صوغ الوثيقة وطلب بوش إجراء مزيد من التغييرات·

وقال أحد مسؤولي إدارة بوش: “كان للحادي عشر من سبتمبر تأثير تحولي في تفكير الناس، وثمة إدراك مفاده أنه في هذه الحقبة الجديدة يحتاج المرء الى أن يفعل المزيد سلفا، وأنه من الأفضل أن يكون مبادرا (سباقا) حتى يدرأ ظهور المخاطر، وما تفعله وثيقة الاستراتيجية هو توفيرها إطار عمل لمخططي السياسة الخارجية”·

وأوضحت الوثيقة أن الاستباق هو مجرد طريقة واحدة (لا الوحيدة) للتعامل مع المخاطر المحتملة، لكنها وسعت الخيار وأعطته مزيدا من الوزن·

فقد شددت على الحاجة الى القيام بـ “عمل تحسبي” للدفاع عن الولايات المتحدة قبل أن يهاجمها عدو وأن تفعل ذلك حتى عندما يكون هناك عدم يقين في الوقت الذي ينوي الأعداء القيام بخططهم فيه· ويقول الخبراء إن بوش لم يكن يتحدث عن مجرد الاستباق بمعناه الضيق، عندما يكون الهجوم وشيكا، إنما عن إمكانية شن حرب وقائية·

في حالة العراق، برر مسؤولو إدارة بوش التهديد بالقيام بغزو عسكري بحجة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي، وفي الواقع، فإن بعض المسؤولين الكبار (في إدارة بوش) يصرون على أن العراق لا يمثل حالة للحرب الوقائية إنما تقوم الولايات المتحدة في هذه الحالة مع أطراف متعددة لفرض إرادة المجتمع الدولي·

لكن الخبراء يقولون إن روح سياسة الاستباق (الاتقاء) هي التي تدفع سياسة إدارة بوش بشأن العراق، ذلك أن غزوا واحتلالا شاملين للعراق ليسا الطريقة الوحيدة لفرض تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، والإدارة مستعدة للعمل ضد اعتراضات الحلفاء ومن دون تفويض واضح من مجلس الأمن·

النقاش في سياسة الاستباق

لكن سياسة الاستباق غذت جدالا واسع النطاق، ويقول مسؤولو الإدارة الأمريكية إن أجدى ذرائع هذه السياسة هي أن دولة مثل العراق قد تعطي الأسلحة الى الإرهابيين الذين قد يهاجمون الولايات المتحدة، والسلطات الأمريكية قد لا تعرف من رعى هؤلاء الإرهابيين·

وقد قال نائب وزير الدفاع بول وولفوفيتس: “إن الاحتواء والردع يرقيان الى حقبة كان فيها استعمال القوة الوحيد الذي يهمنا هو استعمال القوة ضد دولة ذات عنوان معروف، أما الشيء الجديد كليا الذي جاء به الإرهابيون فهو أن لا تكون غافلا عن رؤية الخطر الآتي فحسب إنما أنك لا تعرف من أين أتى”·

ويقول النقاد مثل جيمس شتاينبرغ نائب مستشار الأمن القومي لدى الرئيس بيل كلينتون إن العراق ودولا أخرى يضعون أنفسهم بخطر عظيم إذا أعطوا مثل هذه الأسلحة للإرهابيين بسبب إمكانية اكتشاف المؤامرة·

وفي حالة العراق، أضفت وكالة الاستخبارات الأمريكية مصداقية على أقوال النقاد، ففي رسالة موجهة الى الكونغرس في أكتوبر الماضي، قالت وكالة الاستخبارات المركزية إنه من غير المرجح أن ترعى بغداد هجوما إرهابيا على الولايات المتحدة بأسلحة التدمير الشامل طالما امتنعت الولايات المتحدة عن مهاجمة العراق·

وهناك ذريعة أخرى في هذه السياسة مفادها أنه بالتهديد باستعمال القوة لإجبار العراق على نزع أسلحته طوعا، أو القيام بعمل عسكري ضد بغداد إذا رفض فإن واشنطن تردع دولا معادية أخرى من مواصلة برامج الأسلحة أو دعم الإرهابيين·

لكن النقاد يقولون إنه بإعلان سياسة جديدة فإن الإدارة تكون قد جعلت نفسها معرضة للنقد باعتبار أنها لا تتصرف طبقا لهذه السياسة· ويقول هؤلاء إن الولايات المتحدة تستهدف العراق لأنه ضعيف عسكريا، وأنها استبعدت استعمال القوة في حالة كوريا الشمالية التي تقول وكالة الاستخبارات المركزية إنها تملك قنبلة أو قنبلتين نوويتين، والرسالة غير المقصودة الكامنة في ذلك هي أنه يمكنك أن تتفادى جعلك هدفا لحرب وقائية إذا طورت ترسانة نووية سرا·

ويقول الجنرال المتقاعد جوزف هور (وهو جنرال ذو أربعة نجوم كان رئيسا للقيادة المركزية الأمريكية التي يقع الشرق الأوسط ضمن مسؤولياتها): “أعتقد أن أحد الأخطاء المصاحبة لصوغ هذه السياسة هي حقيقة اتخاذها سياسة” وهذا الأخير، وأضاف هور: “أحيانا أخشى من أن المحافظين الجدد في البيت الأبيض يتعجلون باستعمال الورقة العسكرية”·

لقد شددت رايس في خطبة ألقتها في أكتوبر الماضي أن واشنطن أدركت منذ البداية أن العمل الوقائي لا يمكن القيام به إلا بعناية شديدة، وقد كانت الولايات المتحدة تجاهد لتعبئة الدعم لها في مجلس الأمن الدولي بشأن سياستها الخاصة بالعراق، وتناضل للتعامل مع اكتشاف البرنامج السري لكوريا الشمالية في تخصيب اليورانيوم·

وقالت رايس عن العمل الوقائي إن “عدد الحالات التي يمكن تبريره فيها محدود دائما، فهو لا يعطي ضوءا أخضر الى الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى للبدء بالعمل أولا من دون استنفاد الوسائل الأخرى بما في ذلك الدبلوماسية، والعمل الوقائي لا يقع في بداية السلسلة الطويلة للجهود، والخطر ينبغي أن يكون عظيما (حتى يبرره)”·

غير أن المسؤولين الأمريكيين قد أوحوا أن الإدارة تعتقد أنها وصلت الى نهاية سلسلة الجهود وأنها صارت مستعدة للتخلي عن عباءة العمل متعدد الأطراف إذا توجب عليها أن تعمل منفردة·

وكما قال كولن باول في الآونة الأخيرة: “لن نهرب من الحرب إذا كانت الحرب هي الطريقة الوحيدة لنزع أسلحة الدمار الشامل لدى العراق”·

___________________________________________________

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها

saleh@taleea.com

طباعة  

بعد ما كان النفط الإفريقي ثانويا أصبح له “الأولوية في الأمن القومي الأمريكي” بعد أحداث 11 سبتمبر
الهجوم على الذهب الأسود في “دول الخليج النفطية الجديدة”