كتب محرر الشؤون العربية:
تزايدت احتمالات نشوب الحرب المتوقعة على النظام العراقي أكثر من أي وقت مضى بعد الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في جلسة خاصة لمجلس الأمن يوم الأربعاء الماضي، والذي يشير بما لا يدع مجالاً للشك أن الولايات المتحدة عازمة على تنفيذ خطتها في إسقاط النظام العراقي الذي رأى وزير الخارجية باول أن عليه هو فقط عبء إثبات نزعه لأسلحة الدمار الشامل، وليس على المفتشين الذين لا يمكنهم تفتيش بيوت الآلاف من منتسبي حزب البعث، وكل شبر من ريف العراق وبساتينه، على حد قول الوزير·
ويرى بعض المحللين السياسيين أن خطاب باول يشكل دفعة جديدة وجدية لحملة دبلوماسية وسياسية من أجل توسيع التحالف المشارك سواء سياسياً أو عسكرياً أو اقتصاديا في الحرب لاسقاط نظام صدام· ويشير المحللون إلى أن الحملة القادمة ستشكل ضغطاً كبيراً جداً على كثير من الدول الأوروبية المترددة في الموافقة على مخطط واشنطن·
فردود الفعل المباشرة للخطاب، وإن كانت مليئة بالعبارات الدبلوماسية المطاطة، إلا أن المتوقع خلال الأيام القادمة أن تتغير هذه اللهجة بعد تنسيق رؤساء البعثات السياسية لتلك الدول لدى مجلس الأمن مع حكومات بلدانهم، وبخاصة تلك الدول التي تنتظر دافعاً لإعلان موقفها المؤيد لأمريكا، أو على أقل تقدير وقوفها على الحياد·
فالاتحاد الأوربي شدد من لهجته تجاه العراق وهدده بعواقب وخيمة إذا لم يتعاون مع الأمم المتحدة، أما إقليمياً فلا يتوقع أن يحدث ما يؤثر بشكل جدي على مجريات الأحداث· فقد أشار بعض المحللين إلى الصعوبات التي تواجهها الجهود الرامية إلى عقد قمة عربية بهذا الشأن، علاوة على تشكيكهم في ما يمكن أن ينتج عن تلك القمة أو قمة وزراء الخارجية في حال انعقادها·
من جهة أخرى بدت كثير من المؤشرات وكأن الحرب على الأبواب، حيث أعلن عن إغلاق شمال الكويت، واعتبار المنطقة مسرح عمليات عسكرية، و "منطقة عسكرية محظورة" اعتبارا من 15 فبراير/ شباط الحالي· كما غادر عدد كبير من رعايا الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى بناء على طلب الحكومات، وأغلقت أو ستغلق هذا الأسبوع كثير من المدارس الأجنبية أو تلك التي تعتمد على مدرسين أجانب أبوابها، ولمدة ستة أسابيع قد تمدد في حال استمرار الأحداث·
قسم رعاية المصالح الأميركية في بغداد أغلق أبوابه نهاية الأسبوع المنصرم لفترة غير محددة وغادر الدبلوماسيون البولنديون الثلاثة الذين كانوا يؤمنون عمل القسم الى العاصمة الأردنية عمان·
أما على الصعيد العسكري فقد توجهت مقاتلات من طراز الشبح الأمريكية إف/117 إلى الخليج وهبطت يوم الثلاثاء الماضي في إحدى القواعد الجوية الأوروبية، الأمر الذي يعتبر أول انتشار لهذه المقاتلات ضمن إطار الاستعدادات العسكرية للحرب حسب قيادة سلاح الجو الأمريكي· كما وصلت حاملة طائرات أمريكية ثالثة وهي الحاملة "أبراهام لنكولن" والسفن المرافقة لها إلى بحر عمان، مما يرفع عدد الطائرات الحربية في المنطقة إلى أكثر من 300 مقاتلة·
ومن المتوقع أن تبحر حاملة طائرات رابعة هي ثيودور روزفلت باتجاه البحر الأبيض المتوسط الأسبوع الحالي في حين صدرت الأوامر لحاملتي الطائرات كيتي هوك ومقرها اليابان وجورج واشنطن المتمركزة في السواحل الشرقية للولايات المتحدة بالاستعداد للإبحار في غضون أيام إذا دعت الحاجة لذلك·
وفي السياق ذاته كشفت مصادر أمنية في كردستان العراق أن الولايات المتحدة طلبت إعادة تأهيل ثلاثة مدارج للهبوط في كردستان العراق بحلول منتصف فبراير/ شباط الجاري· وتقع المدارج الثلاثة على مقربة من كبرى المدن الكردية مثل أربيل والسليمانية ودهوك·
النظام العراقي وأمام كل هذه المؤشرات التي لا تحتمل التفسير الخطأ لا يزال يراهن - كما فعل مرارً ولم يتعلم - على الأصوات المعارضة للحرب في الدول الغربية وفي الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وعلى قدرة بعض الدول ذات المصالح الاقتصادية معه على الوقوف في وجه الولايات المتحدة· فقد علق بعض المحللين السياسيين على ذلك بقولهم إن النظام العراقي يفهم الأمور بشكل مقلوب وكما يريد رئيسه، مشيرين إلى عدم قدرة أحد من مستشاري الرئيس العراقي أن يقوم بدوره كمستشار، فلا أحد يمكنه أن يقول للرئيس ما لا يتفق مع رأيه وهو أمر يحيل كل السياسيين العراقيين إلى إمعات لا قيمة لما يراكمونه من خبرات لأنها تنتهي عند فتح الرئيس العراقي فمه، على حد تعبير المحللين·
هذا وقد أضاف المحللون أن الرئيس العراقي ينسى أن المظاهرات التي تحدث في الغرب إنما هي جزء من طبيعة تلك المجتمعات التي تتمتع بدرجة عالية من الحرية والديمقراطية التي يتمكن الناس فيها من التعبير عن آرائهم المناهضة للحرب أينما كانت وأن هذا الوضع لا يمكن أن يقرأ بأكثر من ذلك· إلا أن كثيرا من المحللين ذهبوا إلى أن أسلوب الرئيس العراقي لم يتغير، فهو يقوم بكل ما فعله في أثناء احتلاله للكويت وقبيل طرده منها تماماً وكأنه لم يعتبر ويتعلم من الدرس شيئاً، بل إنه ولذلك السبب يساعد أمريكا على إتمام مخططها لطرده لأنه شخص يمكن توقع ردة فعله بشكل دقيق جداً الأمر الذي يجعل منه خصماً سهلاً في المعركة الإعلامية والدبلوماسية ناهيك طبعاً عن قدراته العسكرية المعروفة·