في معظم دول الشرق الأوسط يسكن العرب وأغلبيتهم مسلمة، هذه المنطقة الحيوية من العالم، التي تعاني منذ احتكاكها بالغرب الحديث في القرنين الماضيين من النتائج السلبية لهذا الاحتكاك· وهناك مدرسة فكرية واسعة لدى العرب، تنامت بعد الحرب العالمية الثانية، تُرجع كل الشرور السياسية والاقتصادية التي تعاني منها شعوب المنطقة إلى هذا الغرب المسيحي، وفي ذهنها صراع المنطقة مع القوى الاستعمارية الغربية وخاصة البريطانية والفرنسية في العصر الحديث، وقيام دولة إسرائيل·
في ظل هذا التصور فان الولايات المتحدة هي "غرب" أيضا، ولكنها غرب بعيد نوعا ما عن سبب المشكلات السابقة، وغرب ليس له ماض استعماري واضح، كما كان الوجود الفرنسي أو البريطاني، أو حتى الإيطالي أو الألماني· ولكنه جزء من الغرب الثقافي أولا، وثانيا هو إكمال لمسيرة ذلك الغرب ذي التاريخ السلبي بشكل ما على طموحات وأماني الشعوب العربية المسلمة، وأن كانت العلاقة معه قد بدأت على أنها مختلفة وإيجابية نوعا ما في بعض فترات التاريخ المعاصر، إلا أنها سرعان ما انقلبت على عكسها، ليس بسبب سياسة الولايات المتحدة المتنامية التأييد لدولة إسرائيل فقط، بل لما ظهر أن الولايات المتحدة بسبب مصالحها الإقليمية تقوم بمساندة الأنظمة المحافظة غير القابلة للتطور والتحديث·
وبدأت الولايات المتحدة تتدخل تدريجيا في الشرق الأوسط العربي بشكل نشط بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن جذور هذا التدخل كانت سابقة لهذا التاريخ، ومن أوائل مظاهر الاهتمام الأمريكي، قدوم لجنة كنج كرين التي أوفدتها الولايات المتحدة إلى فلسطين سنة 1919 بعد أن شاعت مبادئ الرئيس وودرو ولسون المشهورة في حق تحقيق المصير للشعوب، وقتها رحب الفلسطينيون و العرب بهذه اللجنة، بعد أن ذاقوا الأمرين من سياسة بريطانيا ونفوذها الثقيل إلي حد المطالبة بوجود "أمريكي" في المنطقة، وسرعان ما تبلور هذا الوجود في أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية· ويذكر التاريخ العربي أن الأمير عبد الإله، الوصي على عرش العراق، قد هُرب في سيارة القنصل الأمريكي بعد محاولة الانقلاب على النظام الملكي الذي قاده عبدالقادر الكيلاني مع مجموعة من الضباط العراقيين المتعاطفين مع المحور في مايو سنة 1941·
وينقسم التفكير العربي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم إلى ثلاثة أقسام:
الأول الذي يضم شرائح كبيرة من الأوساط السياسية والشعبية، التي ترى في كل ما تقوم به الولايات المتحدة شرا مطلقا ومعاديا لأماني الشعوب: والقسم الثاني الذي يتفهم سياسات الولايات المتحدة إلا أنه صغير العدد ومحدود في مجال القوى الثقافية والأكاديمية، ولكن ليس دون تحفظات على مجمل سياسات الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بإسرائيل، أما القسم الثالث فهو الذي يشكل القوى المستفيدة من الوضع القائم، وهذه القوى تقول جهرا ما يخالف ممارستها العملية المؤيدة للولايات المتحدة، وهذا القسم يتشكل في الكثير منه من الحكومات القائمة اليوم في الشرق العربي·
خلف هذا الانقسام الكبير مجموعة من سياسات الولايات المتحدة في الخمسين سنة الأخيرة، وهي سياسات دفعت من خلال ممارساتها بهذا التوجه العربي المعادي لأمريكا بأن يتطور ويتفاعل، وربما أريد ببعض سياسات الولايات المتحدة خيرا فانقلبت إلى شر، بسبب عدم معرفة أمريكية جيدة بتضاريس الخارطة السياسية والاجتماعية لبلدان هذه المنطقة، أو بسبب فكرة مركزية أن (مصالح) الولايات المتحدة هي بالضرورة مخالفة أو مناقضة للمصالح العامة، كما تراها الأغلبية العربية·
ثلاث سياسات أدت إلى نتائج وخيمة:
لعل الموقف الأكثر وضوحا في تذبذب السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط العربي هو الموقف في فلسطين، وسياسات الحكومات الأمريكية المتعاقبة تجاه هذه القضية الحيوية بالنسبة للعرب، وهو أمر يعرفه الكثير من الأكاديميين الأمريكيين، وكتبوا حوله وهو متشعب وشائك أفرز جزئيا التشوه الحاصل لصورة أمريكا في ذهن المواطن العربي، وقد نوقش في أماكن كثيرة بالتفصيل، إلا أن موضوع فلسطين، على أهميته، هو جزء من سياسات أخرى، على رأسها الخطآن السياسيان الثاني والثالث الذي قامت بهما الولايات المتحدة، وهما (الثاني) التدخل المباشر أو غير المباشر في تشجيع الانقلابات العسكرية العربية بعد الحرب العالمية الثانية، و(الثالث) المساهمة الكبيرة في تشجيع الأصولية الإسلامية، فيما سمي تحالف المؤمنين في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، وكما برر وقتها، من أجل الوقوف في وجه "الإلحاد" القادم من الاتحاد السوفييتي، في تلك المرحلة أصبحت الساحة الأمريكية مكانا للتجنيد والتثقيف والحشد لجماعات شبابية عربية في الغالب من أجل محاربة (إمبراطورية الشر)·
وفي كلتا المرحلتين وقفت الولايات المتحدة مع قوى ظنت أنها سوف تقدم شيئا جيدا ومغايرا في المنطقة، و تبين أنها قد ساعدت فقط على إطلاق الشياطين من عقالها·
في موضوع تشجيع الانقلابات العسكرية، أصبح من المؤكد حسب الوثائق الكثيرة التي صدرت حتى الآن، أن الولايات المتحدة قد شجعت الانقلابات العسكرية في دول الثقل العربي· ففي مصر وسورية في نهاية الأربعينات و بداية الخمسينات من القرن الماضي، شجعت الولايات المتحدة الأمريكية هذا النوع من التغيير المريح، وتظهر هذه الوثائق جلية فيما كتبه ونشره الضباط الأحرار في مصر، مثل السيد خالد محيي الدين، عضو مجلس قيادة الثورة، الذي أشار إلى معرفة الولايات المتحدة بنية الانقلابين في مصر لتغيير النظام القائم، كما أشار إلى ذلك الكاتب محمد حسنين هيكل في دراسته حول ثورة يوليو، والمنشورة في مجلة وجهات نظر في أواسط عام 2002·
ربما شجعت الولايات المتحدة هذا التغييرمن أجل هدفين رئيسيين، الأول هو منع التدهور الحاصل في تلك البلدان (مصر وسورية في الأساس) نتيجة ضعف و شيخوخة وهزال الأنظمة الحاكمة وقتها في كلا البلدين ، وخوف الولايات المتحدة، بعد أن ورثت عبء الدفاع عن العالم الحر، أن تقع هذه البلدان وهي في منطقة إستراتيجية من العالم، في أحضان الشيوعية الدولية·
أما السبب الثاني لتشجيع تلك الانقلابات فقد كان احتمال وصول القوى الجديدة (العسكريين العرب من الطبقة الوسطى) إلى اتفاق ما مع دولة إسرائيل الوليدة، وقد نجحت هذه السياسة في شقها الأول، أي الوقوف أمام زحف الشيوعية الدولية، لعدد من الأسباب، منها أن الطبقة الوسطى وممثليها العسكريين كانوا معادين للشيوعية من منظور أيديولوجي، لذا نجد أن أولى الصدمات بين القوة العسكرية الجديدة ومناوئيها السياسيين كانت مع الشيوعيين بل إن هناك من يعتقد أن (الوحدة السورية المصرية سنة 1958) كانت لمنع الشيوعيين من الوصول لحكم سورية، والسبب الآخر هو أن هؤلاء العسكريين كانوا شديدي التمسك باستقلالهم الجديد الذي يمكنهم من الحكم، الأمر الذي سبب الصدام مع الغرب في وقت لاحق· أما الشق الثاني، وهو الوفاق أو السلام مع إسرائيل، فقد استعجلت الولايات المتحدة للحض عليه، إلى درجة منعت القوى الحاكمة الجديدة في بلدان الثقل العربي من التقدم نحوه، ولم تكن القوى السياسية الإسرائيلية تقبل به إلا بشروطها الخاصة، وزاد الطين بلة باتجاه تعطيل هذا الملف، مجموعة من الأخطاء السياسية، مثل التسرع في سحب تمويل السد العالي المصري، الذي وضعت عليه مصر الثورة آمالها في التنمية، وردة الفعل المقابلة من تأميم قناة السويس، فوقعت الصدامات التي أدت إلى كارثة 1967·
أما تشجيع الأصولية الدينية ضد الإلحاد في دول وسط القارة الآسيوية التابعين للاتحاد السوفييتي الذي كان ذلك تحت مظلة أمريكية لا تخطئها العين، فقد تبلور في حرب أفغانستان في الثمانينات وما تلاها، وقد أرادت الولايات المتحدة حليفا قويا وذا مصداقية، فتوجهت إلى دول عربية مسلمة لتدعيم موقفها، وهنا اندفعت دول من الشرق الأوسط لتقديم المال والرجال لهذه الحرب التي اعتبرتها حربها، وتدفق الآلاف من العرب (سموا في وقت لا حق بالأفغان العرب) من أجل دعم تلك الحرب·
في لقاء مع السيد زبجنيو برجنسكي عام 1977 في الكويت،üü قال برجنسكي، وكان وقتها المسؤول الأول عن الأمن القومي الأمريكي، أن خطة الولايات المتحدة هي أن تخلخل الاتحاد السوفييتي من (خاصرته اللينة) وهي الجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا!
تلك السياسة تبلورت في كما هو موثق في الكثير من الدراسات التي صدرت منها كتاب جل كبل "الجهاد" (Gilles Kepel "Jihad 2002")، كتاب جون كولي "الحروب غير المقدسة" ( John Cooley"Unholy Wars 2000") وكذلك عدد من المقالات التي نشرت في مجلة Foreign Affairs الأمريكية التي تشير إلى هذا التوجه· واستخدمت الأصولية السنية، التي تشكل قوس الخليج إلى مصر كأداة في هذه السياسة لخلخلة الاتحاد السوفييتي، وكانت هذه الأصولية تحتاج إلى مثل هذا الانشغال، ليس فقط من أجل "محاربة الإلحاد" فقط، بل وأيضا من أجل الوقوف أمام "الثورية الإسلامية الشيعية" القادمة من قم بقوة غير مسبوقة وقد أخذت من المسلمين قلوبهم قبل عقولهم، وكانت الساحة الأمريكية محطة تثقيف وتجنيد وعبور، أما الأداة فكان الطلاب العرب وخاصة من أهل الخليج·
في هذه المرحلة تكونت أصولية إسلامية سنية حليفة للولايات المتحدة، وقد استقبل الرئيس رونالد ريجان في وسط الثمانينات وفدا من "المجاهدين" الأفغان في البيت الأبيض، وأشار للصحافة الدولية بأن هؤلاء "يذكرونني بالآباء المؤسسين" والإشارة تعود إلى الآباء الأوائل بناة الولايات المتحدة·
لقد دخلت الولايات المتحدة إلى المعترك الأصولي باستراتيجية وبخطط واضحة، أما الأصوليون فإنهم اندفعوا في حلمهم بالجهاد والانتصار، وحققوا انتصارا بالفعل· لكنهم لم يروا في ذلك الانتصار الدور الكبير للولايات المتحدة التي آزرتهم بقوة سلاحا وتدريبا وإعلاما، بل كل ما اعتقدوه واستقر في أذهانهم أنهم حققوا انتصارا بطريقتهم في الحرب وفكرهم في التغيير، وأصبحت أفغانستان دون أن يلاحظ أحد، مقرا للتفريخ وملاذا للتنفيس، لفئة من الشباب المسلم السني الذي ضاقت بهم الأرض، وضاقت بهم ساحات النضال في بلدانهم· فهؤلاء الشبان المسلمون شجعتهم حكوماتهم، بدافع عدد من الأسباب، إما لمساعدتها في حربها على "الملحدين" أو لمساعدة الحليف الأمريكي لإنجاز ما قرر إنجازه، أو للتخلص منهم كعناصر محتملة للشغب الداخلي الممكن، أو ربما لصرف النظر عن القضية الفلسطينية· فكانت مصر السادات، بكثافتها البشرية السنية، مصدر الرجال، وكان الخليج بثروته النفطية مصدر المال· وتزاوجت الأموال والأفكار، ونمت النظريات وتدفق المتطوعون من بلاد عربية تعاني من نقص حاد في التنمية، وانطلقت وسائل الأعلام تمجد الحدث في أفغانستان، فأصبح المال الشعبي طرفا في التغذية، والجهاد طريقا للتحرير، كل ذلك ظن البعض أنه بعيدا هناك في جبال وأراضي أفغانستان الفقيرة والوعرة، واستفاقت الولايات المتحدة الأميركية في الحادي عشر من سبتمبر 2001 لترى أنها الهدف، بعد أن تفرق الحلفاء، و تعادى الأصدقاء·
وليس أمرا مستغربا أن يكون منتسبو القاعدة من الدول العربية السنية، مصر والخليج واليمن، بما فيهم قلة من الجزائر وسنة لبنان، وليس غريبا أن يكون معظم منتسبي القاعدة وقيادتها شابة، فبن لادن لم يتجاوز الأربعين إلا ببضع سنين، أما الصفوف الأخرى المحاربة في القاعدة فهي في الغالب في سنواتها العشرينية أو الثلاثينية على الأكثر· وفي الحالتين، العسكرية والأصولية أطلقت الولايات المتحدة الشياطين من عقالها، دون أن تعرف على وجه اليقين كيف ترجعها إلي القمقم· فهل تسير الولايات المتحدة في الموضوع العراقي السيرة نفسها، وتصل إلى نفس الصيرورة، أم أن خطأين كبيرين قد يشكلان مانعا لخطأ ثالث أكبر·
ترى بعض القوى العربية، أن المشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي مركبة، فبينما تدعو إلى مبادئ براقة تستهوي القوى الحديثة من المجتمعات العربية، تعين دولا أخرى على اختراق هذه المبادىء على أرضها وتصرف النظر عن نتائجها·
والتساؤل المطروح بإلحاح في أوساط كثيرة من المهتمين العرب هو هل تقوم الولايات المتحدة بالتغيير المرتقب في العراق من أجل أن تضع مجموعة من المبادئ التي تدعو إليها مثل الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان موضع التطبيق، مثل ما تم ولو بشكل آخر في كل من اليابان وألمانيا بعد الحرب الثانية، أم أن التغيير المحتمل في العراق له أجندة خفية قد تطلق الشرور من جديد؟
من التاريخ السابق نرى أن الولايات المتحدة قد تدخلت خارج نطاقها الجغرافي 18 مرة، ونجحت في تحقيق الدمقرطة في تلك المجتمعات التي تدخلت فيها خمس مرات فقط، ألمانيا واليابان وإيطاليا وبنما وفي جرينداد· في أمريكا اللاتينية كانت جهود الولايات المتحدة في التخلص من الدكتاتورية ناجحة نسبيا، لكنها فشلت في بناء ديمقراطية، والبلاد التي نجحت فيها الولايات المتحدة لبناء الديمقراطية، كانت بلادا متقدمة، ولديها بناء مؤسسي، فنسبة النجاح السابق أقل من %30·
ثم إن الولايات المتحدة تقع في تناقض في هذه المنطقة من العالم ذات الطبيعة السياسية (القاسية) فهي ترغب من حلفائها في المنطقة مساندتها لتحقيق التغيير في العراق الذي سيقود إلى فرض التعددية، وبالتالي نوع من أنواع الديمقراطية، وهؤلاء بعيدون عن قبول التعددية أو ممارسة الديمقراطية في ساحاتهم، فكيف يتسنى لها أن تجد حلفاء يؤيدون فكرة هم أساسا غير مقتنعين بها؟
أما الأسئلة الأخرى فإنها تتعلق بالتراث السياسي العراقي في العصر الحديث، الذي لا توجد فيه كثير من الشواهد على الممارسة الديمقراطية حتى لو بمعناها العام، سواء في العهد الملكي أو العهد الثوري، فالعراقيون الذي وصل سنهم إلى الستين عاما، وهم أغلبية الشعب العراقي لم يمارسوا في حياتهم التعامل مع صناديق الانتخاب في جو حر وغير مقيد، وبالتالي ليس هناك ذاكرة جماعية للتعددية في هذا البلد المنكوب·
تلك هي أسئلة يتعين على الإدارة الأمريكية الإجابة عنها· وبناء عليها سوف تتحدد التيارات التي سيكون لها الدور الأكبر في مستقبل العرب والمسلمين في الشرق الأوسط·
· كان الدكتور محمد الرميحي طرفاً في هذا اللقاء·
· تقرير يصدر شهريا عن مركز الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية في جامعة الكويت