رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 28 ذو القعده 1423هـ -1فبراير 2003
العدد 1563

“الحرب المقبلة مع العراق:
فك شيفرة دوافع إدارة بوش

   

·     تشيني: من يسيطر على تدفق نفط الخليج يمسك بخناق اقتصادنا واقتصاد معظم دول العالم

·    هناك طريق واحد فقط لتخفيض الاعتماد على النفط السعودي·· العراق

 

بقلم: مايكل كلير أستاذ دراسات السلام والأمن العالمي في كلية هامبشاير في أمهرست

بولاية ماسا شوستس، ومحلل للشؤون العسكرية لدى Foreign Policy in Focus - www.fpif.org

 

تكاد الولايات المتحدة تخوض حربا مع العراق، ومع كتابة هذه السطور، هناك 60 ألف جندي من القوات الأمريكية منتشرون في المنطقة المحيطة بالعراق و75 ألفا آخرون في طريقهم الى منطقة المعارك، وقد عثر مفتشو الأسلحة على 12 رأساً حربياً مصممة لنقل أسلحة كيميائية، وحتى قبل  هذا الاكتشاف، كان المسؤولون الأمريكيون الكبار يصرون على أن صدام حسين لم يكن يتعاون مع الأمم المتحدة وأنه ينبغي إطاحته بالقوة، ومن هنا، يبدو أن ليس هناك أي طريقة لوقف هذه الحرب، إلا إذا أطيح صدام حسين بوساطة أعضاء في الجيش العراقي أو إذا اقتنع بالتخلي عن منصبه وبالفرار من بلاده·

من المستحيل في هذه اللحظة استشراف نتيجة الحرب، ووفق أكثر السيناريوهات تفاؤلا - التي يقدمها أنصار الحرب - لن تبدي القوات العراقية غير مقاومة ضعيفة، والقوات الأمريكية ستتولى بسرعة على بغداد وتطيح صدام “بقتله أوباعتقاله” وهذا السيناريو يفترض أيضا أن العراقيين سوف يمتنعون عن استعمال أسلحة التدمير الشامل أو سيمنعهم من ذلك العمل العسكري الأمريكي، وأن الإصابات المدنية ستكون منخفضة وأن غالبية العراقيين سترحب بـ “التحرير” من صدام، وأن حكومة جديدة موالية للولايات المتحدة ستقوم بسرعة وتحتل موقعها، وأن القتال بين الأطراف الإثنية المتنافسة سيكون محدودا وتسهل السيطرة عليه، وأن الاحتجاجات المعادية للأمريكيين في البلدان المسلمة الأخرى لن تخرج عن السيطرة، وأن القوات الأمريكية ستنسحب بعد احتلال قصير نسبيا يمتد من ستة أشهر الى سنة·

لكنه لا يصعب تصور سيناريوهات أقل تفاؤلا، وفي هذه السيناريوهات، قد يبدي العراقيون مقاومة شديدة ويقاتلون من بيت الى بيت في بغداد، فيسقطون إصابات فادحة في صفوف الأمريكيين فيؤدي ذلك بدوره الى قصف جوي وصاروخي أمريكي كثيف للمناطق المأهولة يحدث إصابات كثيفة في صفوف المدنيين، ووفق هذه السيناريوهات، يستعمل العراقيون أسلحتهم الكيميائية والبيولوجية في آخر خلجة في التدمير الذاتي فيحدثون إصابات لا تحصى في صفوف المدنيين والعسكريين، والعراقيون الذين يبقون على قيد الحياة سيرتدون على “محرريهم” الأمريكيين بأعمال القنص والإرهاب المستمرة، ثم يتقاتل الأكراد والشيعة والسنة على تقاسم غنائم الحرب فتحدث مجازر واسعة النطاق وتكون القوات الأمريكية عالقة في الوسط، وستبقى القوات الأمريكية في العراق طوال جيل كامل أو أكثر فيؤدي ذلك الى تعاظم الحقد والمقاومة في أرجاء العالم الإسلامي والى ازدياد مستويات الإرهاب في أماكن أخرى·

أي سيناريو يمكن أن يغلب؟ لا أحد يعرف في هذا الوقت، فالذين يفضلون الحرب مع العراق يميلون الى الاعتقاد أن المقاومة العراقية ستكون خفيفة وأن بقية السيناريو ستكون مطابقة للواقع، لكن لا أحد يستطيع أن يضمن حدوث كل ذلك، وهناك كثير من الخبراء الذين يعتقدون أن احتمال انحراف الأمور عن مسارها المتوقع هو احتمال قوي، فعلى سبيل المثال، أشارت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الى أن العراق سيستعمل أسلحة التدمير الشامل على الأرجح إذا هوجم وأيقن أنه مهزوم، وبناء على ذلك، ينبغي على المرء حين يقيّم فضائل خوض الحرب مع العراق أن يفكر في النتيجة الأسوأ لا بالنتيجة الأفضل، وعلى المرء أن يسأل: هل الفوائد المزعومة عظيمة بما يكفي لتقزيم الانعكاسات السلبية الممكنة؟

 

وهذا يؤدي الى السؤال الجوهري الأبرز لماذا نذهب الى الحرب؟ وما الذي يدفع الرئيس بوش ومستشاروه الكبار حقا لركوب هذه المخاطر العظيمة؟

في تصريحاتهم العلنية، قدم الرئيس بوش ومعاونوه ثلاثة أسباب لخوض الحرب مع العراق وإطاحة صدام حسين:

1 - إزالة ترسانة أسلحة التدمير الشامل لدى صدام·

2 - تقليص خطر الإرهاب الدولي·

3 - إعلاء شأن الديمقراطية في العراق والمناطق المجاورة·

في الواقع تشكل هذه الأسباب دوافع قوية لخوض الحرب، لكن هل هي أصيلة؟ وهل هذا هو ما يدفع بوش حقا الى الحرب؟ للإجابة عن ذلك نحتاج الى النظر في كل سبب لوحده·

وعلاوة على ذلك، من الضروري عندما نعترف بذلك أن نحفظ في أذهاننا أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تقوم بكل شيء، فإذا أرسلنا مئات آلاف الجنود الأمريكيين وأنفقنا مليارات الدولارات على الغزو والاحتلال وإعادة بناء العراق، فنحن لا نستطيع أن نكرر ذلك في بلدان أخرى، ذلك أننا لا نملك الموارد اللازمة لاجتياح كل بلد ينطوي على تهديد نظري للولايات المتحدة أو يستحق تغييرا للنظام، وهكذا فإن قرارا بمهاجمة العراق يعني قرارا بالامتناع عن أعمال أخرى ربما تكون مهمة أيضا بالنسبة الى الأمن الأمريكي أو مفيدة للعالم·

1 - إزالة أسلحة التدمير الشامل

السبب الذي تقدمه الإدارة الأمريكية في أغلب الأحيان لخوض الحرب مع العراق هو خفض خطر هجوم بأسلحة التدمير الشامل على الولايات المتحدة، وفي الحقيقة، فإن هجوما كبيرا بأسلحة التدمير الشامل على الولايات المتحدة يمثل كارثة رهيبة، ومن المناسب لرئيس الولايات المتحدة أن يقوم بالعمل الفعال والنشيط للحؤول دون حدوث ذلك·

وإذا كان الوضع كذلك، أي كان الخطر الهم الأكبر لدى بوش، فإن المرء يتوقع أن يولي معظم اهتمامه الى أكبر تهديد باستعمال أسلحة التدمير الشامل ضد الولايات المتحدة، ونشر الموارد الأمريكية المتوافرة: القوات، الأموال والدبلوماسية حسب الحاجة·

لكن هل هذا هو ما يفعله بوش حقا؟ الجواب لا، فكل من يكلف نفسه عناء النظر الى الانتشار العالمي لأسلحة التدمير الشامل وتقديم الاحتمالية النسبية لمختلف سيناريوهات أسلحة التدمير الشامل يستنتج أن أعظم تهديد باستعمال أسلحة التدمير الشامل يأتي من كوريا الشمالية أو من باكستان لا من العراق·

تمثل كوريا الشمالية وباكستان بالنسبة الى الولايات المتحدة خطرا بأسلحة التدمير الشامل أعظم من خطر العراق لأسباب عدة، والسبب الأول هو أن كلا منهما تملك ترسانة أسلحة تدمير شامل أكبر بكثير، فالمعروف أن باكستان تملك عشرات الرؤوس النووية مع صواريخها والطائرات القادرة على نقلها الى مئات الأميال، ويشتبه أيضا في أن باكستان طورت أسلحة كيميائية، ويعتقد أن كوريا الشمالية تملك كمية بلوتونيوم كافية لصنع قنبلة نووية أو قنبلتين مع القدرة على تصنيع قنابل عدة أخرى، وهي تملك مخزونا كبيرا من الأسلحة الكيميائية وأنواعاً عدة من الصواريخ الباليستية، وخلافا لذلك، لا يملك العراق أسلحة نووية اليوم، ويعتقد أنه يتخلف سنوات عدة عن إنتاج سلاح نووي حتى في أفضل الظروف، وربما يملك العراق بعض الأسلحة الكيميائية والبيولوجية ونحو 12 صاروخ “سكود” مخبأ منذ حرب عام 1991، لكن لا يعرف ما إذا كان كل ذلك قابلا للتشغيل أو جاهزا للاستعمال العسكري، وبالأهمية نفسها هناك قضية النوايا: فكيف يمكن أن تستعمل هذه البلدان على الأرجح ذخيرة أسلحة التدمير الشامل؟ لا أحد يستطيع الإجابة عن هذا السؤال بأي قدر من الثقة طبعا، لكن هناك بعض الأشياء التي يمكن قولها·

وبادئ ذي بدء، أعلن الرئيس الباكستاني برويز مشرف صراحة أنه كان مستعدا لاستعمال الأسلحة النووية ضد الهند العام الماضي عندما حشدت نيودلهي قواتها على حدود باكستان وهددت بشن هجوم إلا إذا قمعت باكستان نشاطات المتشددين الإسلاميين في كشمير، وهذا لا يعني أن باكستان سوف تستعمل السلاح النووي ضد الولايات المتحدة، لكنه يشير فعلا الى الاستعداد لاستعمال مثل هذه الأسلحة باعتبارها وسائل في الحرب، ويسهل أن نتصور سيناريو يأتي فيه شخص آخر الى السلطة ويكون أشد عدائية لأمريكا من مشرف·

والمتعلق بهذا القدر أن الكوريين الشماليين أعلنوا أنهم سيعتبرون أي خطوة تتخذها الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة لفرض عقوبات اقتصادية على بلادهم عقابا لها على مواصلة تطوير الأسلحة النووية وعملا حربيا سوف يردون عليه بما يناسب ويحولون الولايات المتحدة الى “بحر من النار”، ومرة ثانية، هذا لا يعني أنهم سوف يستعملون السلاح النووي فعلا، لكن لا يصعب أن نتصور سيناريو تندلع فيه الحرب ويستعمل الكوريون الشماليون أسلحة التدمير الشامل في محاولة يائسة لتجنب الهزيمة·

من جهة أخرى، استنتجت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي· آي· إيه” أن صدام حسين لن يختار استعمال  قدرات أسلحة التدمير الشامل ضد الولايات المتحدة طالما بقي نظامه سليما، إنما هي قضية غزو وشيك لبغداد ما قد يغريه باستعمال هذه الأسلحة·

وأشارت إدارة بوش أيضا الى أن الحرب مع العراق مبررة من أجل منع العراق من توفير أسلحة التدمير الشامل للإرهابيين المعادين لأمريكا، ذلك أن نقل أسلحة التدمير الشامل هو قلق أصيل، لكن الخطر الأعظم يوجد في باكستان لا في العراق، ففي باكستان، من المعروف أن كثيرا من ضباط الجيش الكبار يضمرون تعاطفا قويا مع المتشددين الكشميريين والجماعات الإسلامية الأخرى، ومع انتشار معاداة الأمريكيين في المنطقة لا يصعب تصور أن يقدم هؤلاء الضباط بعض أسلحة التدمير الشامل والتكنولوجيا الخاصة بها الى هؤلاء المتشددين، ومن جهة أخرى، لا تقيم القيادة الحالية في العراق مثل هذه العلاقات مع المتطرفين الإسلاميين إنما على نقيض ذلك فإن صدام حسين هو عدو تاريخي لدود للمتطرفين الإسلاميين وهم ينظرون إليه بالعدائية نفسها·

ونستنتج من كل هذا أن سياسة ترمي الى حماية الولايات المتحدة من هجمات بأسلحة التدمير الشامل يفترض أن تعتبر باكستان وكوريا الشمالية الشرين الأكبرين وأن تضع العراق في المكان الثالث البعيد، لكن هذا ليس ما تفعله الإدارة الأمريكية، وبدلا منه، قللت خطر باكستان وكوريا الشمالية وركزت حصرا تقريبا على الخطر الآتي من العراق·

وهكذا يتضح أن حماية الولايات المتحدة من هجوم بأسلحة التدمير الشامل ليس المبرر الأولي لغزو العراق، ولو كان ذلك صحيحا لكنا نتحدث الآن عن هجوم على باكستان و “أو” كوريا الشمالية لا العراق·

2 - محاربة الإرهاب

تجادل الإدارة الأمريكية كثيرا بأن غزو العراق وإطاحة صدام حسين يشكلان ذروة الحرب على الإرهاب والنجاح الأعظم فيها، ولم يتضح لنا بعد المنطق الذي يقوم عليه ذلك، لكن يقال إن عداوة صدام للولايات المتحدة تعزز وتشجع التهديد الإرهابي ضد هذه البلاد بطريقة معينة·

ويؤدي ذلك تاليا الى الاستنتاج أن إزالة صدام حسين تؤدي الى هزيمة منكرة للإرهاب الدولي وإضعاف عظيم لقدرته على مهاجمة الولايات المتحدة·

ولو كان شيء من ذلك صحيحا، لكان غزو العراق شيئا ذا مغزى من وجهة نظر محاربة الإرهاب، لكن ليس هناك أي دليل على صحة هذه المسألة، إنما يصح نقيضها، فما نعرفه عن “القاعدة” والمنظمات المماثلة أن المتطرفين الإسلاميين يريدون إطاحة أي حكومة في العالم الإسلامي لا تلتزم التفسير الأصولي للإسلام وإحلال حكومة ملتزمة مكانها، ونظام البعث في بغداد ليس نظاما إسلاميا، وهكذا ينبغي القضاء عليه وفقا لعقيدة “القاعدة”، مع جميع الحكومات العاجزة مثله في مصر والأردن والمملكة العربية السعودية، ونستنتج من ذلك أن إطاحة نظام صدام حسين وإحلال حكومة علمانية أخرى مكانه تقيمها الولايات المتحدة لن تؤدي الى تخفيف غضب المتطرفين الإسلاميين إنما الى تأجيجه·

3 - إعلاء شأن الديمقراطية

تؤدي إطاحة صدام حسين، على نحو ما يعلنون الى إفساح المجال أمام الشعب العراقي “بتوجيه من الأمريكيين طبعا” لتأسيس حكومة ديمقراطية حقيقية تكون منارة وإلهاما لنشر الديمقراطية في العالم الإسلامي الذي يقال إنه فقير جدا في مجال الديمقراطية، ولا شك أن انتشار الديمقراطية في العالم الإسلامي يعد شيئا طيبا وينبغي تشجيعه، لكن هل هناك أي دافع الى الاعتقاد أن الإدارة الأمريكية مدفوعة برغبتها في نشر الديمقراطية وهي تندفع الى الحرب مع العراق؟

هناك أسباب عدة للشك في ذلك، فقبل كل شيء كان هناك كثير من المسؤولين الكبار في الإدارة الأمريكية الحالية، خاصة دونالد رامسفيلد وديك تشيني، ممن كانوا سعداء تماما بقبول دكتاتورية صدام حسين في الثمانينات عندما كان العراق عدوا لعدونا “إيران” وهكذا اعتبروه صديقا بحكم الأمر الواقع، وتحت ما يسمى الانعطاف نحو العراق، قررت إدارتا “رونالد ريغان” و”جورج بوش” الأب مساندة العراق في حربه على إيران خلال فترة 1988-1980، وقد أزالت إدارة ريغان اسم العراق من قائمة الدول المتهمة بمساندة الإرهاب باعتبار ذلك جزءا من هذه السياسة، وهكذا سمحت بتخصيص اعتمادات زراعية قيمتها مليارات الدولارات لصدام حسين·

والذي حمل هذه الأخبار الجيدة ليس سوى وزير الدفاع الحالي دونالد رامسفيلد الذي سافر الى بغداد والتقى صدام حسين في ديسمبر من عام 1983 باعتباره ممثلا للرئيس ريغان، وفي الوقت نفسه قدمت وزارة الدفاع التي كان يتولاها ديك تشيني الى العراق صور الأقمار الاصطناعية للمواقع العسكرية الإيرانية، وقد قدموا هذه المعلومات الى صدام حتى عندما عرفوا - بوساطة مسؤولين كبار في وزارة الخارجية في الأول من نوفمبر من عام 1983- أن العراقيين كانوا يستعملون الأسلحة الكيميائية ضد الإيرانيين كل يوم تقريبا، وعندما أدركوا أن العراقيين قد يستعملون صور الأقمار الاصطناعية الأمريكية حتى يحكموا إصابة المواقع الإيرانية بالهجمات الكيميائية، ولم يتحدث السيدان رامسفيلد وتشيني ضد استعمال العراقيين للأسلحة الكيميائية حتى مرة واحدة، وحتى أنهما لم يحددا الفترة، وهكذا، فليس هناك أدنى سبب للاعتقاد أن الزعامة الحالية لديها اعتراض مبدئي على الحكم الدكتاتوري في بغداد،  ذلك أنها لا تهتم إلا إذا كان صدام يهددنا ولا يهدد أعداءنا بسلوكه الطغياني·

هناك سبب آخر للشك في التزام إدارة بوش بالديمقراطية في هذا المكان من العالم، وهو حقيقة مفادها أن الإدارة الأمريكية أقامت علاقات وثيقة مع عدد من الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية، وأبرز ذلك أن الولايات المتحدة أقامت علاقات مع دكتاتوريات خلفت الاتحاد السوفييتي في أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان، فكل من هذه البلدان يحكمه دكتاتور ستاليني كان خادما أمينا للامبراطورية السوفييتية: حيدر علييف في أذربيجان، نور سلطان نازار باييف في كازاخستان وإسلام كريموف في أوزبكستان، وهؤلاء الطغاة، وهم أقل بغضا من صدام بقليل، لقوا كل ترحيب في البيت الأبيض وأغدقت عليهم المساعدة والمساندة الأمريكيتين، وليس هناك شيء يمت الى الديمقراطية بصلة في بلدان حليفة للولايات المتحدة في منطقة الخليج، وهكذا يصعب الاعتقاد بأن إدارة بوش مدفوعة بحب الديمقراطية في وقت تسارع الى احتضان نظم غير ديمقراطية وافقت على الاضطلاع بمهماتها·

وهكذا، فإذا كان الخوف من انتشار أسلحة التدمير الشامل أو مكافحة الإرهاب أو حب الديمقراطية لا تفسر كلها تصميم الإدارة على إطاحة صدام حسين، فما الذي يدفعها؟

أعتقد أن الجواب هو مزيج من ثلاثة عوامل كلها متصلة بالسعي الى النفط وبالمحافظة على مكانة أمريكا باعتبارها القوى العظمى الوحيدة في العالم، فمنذ نهاية الحرب الباردة سعى صانعو السياسة الأمريكيون سواء أكانوا ديمقراطيين أم جمهوريين الى المحافظة على كون أمريكا القوة العظمى الوحيدة ومنع ظهور منافس مكافئ يمكن أن يتحدى التفوق الأمريكي بشروط متساوية، وفي الوقت نفسه، صار الزعماء الأمريكيون قلقين باضطراد من ازدياد اعتماد البلاد على النفط المستورد بنسبة 55 في المئة يقدر لها أن ترتفع الى 65 في المئة في عام 2020 وإن تواصل ازديادها، وهذا الاعتماد هو “عُقب أخيل” (نقطة الضعف) في القوة الأمريكية: ذلك أن القوة المسيطرة للولايات المتحدة في العالم لا يمكن المحافظة عليها إلا إذا بقي الخليج (الفارسي) تحت السيطرة الأمريكية·

هذه المخاوف تكمن في أساس الدوافع الأمريكية الثلاثة لغزو العراق، فالأول ينبثق من اعتماد أمريكا على نفط الخليج الفارسي والمبدأ الذي مجدته رسميا عقيدة كارتر وهو أن الولايات المتحدة لن تسمح لدولة معادية بأن تحتل موقعا يستطيع تهديد وصول أمريكا الى الخليج، والدافع الثاني هو الدور المحوري الذي لعبه الخليج في إمداد بقية العالم بالنفط: من يسيطر على الخليج يتحكم آليا بالاقتصاد العالمي، وإدارة بوش تريد أن يكون المتحكم الولايات المتحدة لا أحد غيرها، والدافع الثالث هو هاجس توافر النفط في المستقبل: ذلك أن الولايات المتحدة يزداد اعتمادها على المملكة العربية السعودية لإمدادها بالنفط المستورد، وواشنطن تواقة الى العثور على بديل من المملكة العربية السعودية وذلك في حال تعذر وصولها إليها لأي سبب، والبلد الوحيد في العالم الذي يملك احتياطات كبيرة كافية لتعويض فقدان النفط السعودي هو العراق، ودعونا ننظر في كل من هذه العوامل الثلاثة بالتتابع:

أولا، اعتماد الولايات المتحدة

على “نفط” الخليج وعقيدة كارتر

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما اعترف صانعو السياسة الأمريكيون للمرة الأولى أن الولايات المتحدة ستكون ذات يوم معتمدة على نفط الشرق الأوسط، كانت سياسة واشنطن تنص على أن يكون للولايات المتحدة وصول غير مقيد الى نفط الخليج، وفي البداية، كانت الولايات المتحدة تعتمد على بريطانيا العظمى لحماية وصول الأمريكيين الى الخليج، وعندما انسحبت بريطانيا من المنطقة في عام 1971، اختارت الولايات المتحدة أن تعتمد على شاه إيران، لكن عندما أطاحت الثورة الإسلامية الشاه عام 1979 قررت واشنطن أن تعتمد على نفسها حتى تضمن تدفق النفط، وهكذا جاءت عقيدة كارتر في 23 يناير من عام 1983، وتقول هذه العقيدة إن الوصول غير المقيد الى الخليج هو مصلحة حيوية للولايات المتحدة وإنه من أجل حماية هذه المصلحة ستستعمل الولايات المتحدة كل الوسائل بما فيها القوة العسكرية·

وأعيد استعمال هذا المبدأ عام 1987 خلال الحرب العراقية الإيرانية عندما أخذت القوارب الإيرانية السريعة تطلق النار على ناقلات النفط الكويتية وعندما بدأت البحرية الأمريكية بمرافقة الناقلات الكويتية في مياه الخليج، ثم أعيد استعماله في أغسطس من عام 1990 عندما غزا العراق الكويت وسلط تهديده على المملكة العربية السعودية، ورد جورج بوش الأب على هذا التهديد بإخراج العراقيين من الكويت في عملية “عاصفة الصحراء”، غير أنه لم يواصل الحرب داخل العراق نفسه ولم يسقط صدام حسين، بدلا من ذلك، انشغلت الولايات المتحدة بـ “احتواء” العراق في عمل استدعى حصارا جويا وبحرياً، والآن، يسعى الرئيس بوش الابن الى التخلي عن الاحتواء واستعادة “عاصفة الصحراء” من حيث انتهت عام 1991، والسبب المعطى لهذا هو أن صدام حسين يحقق تقدما في تطوير أسلحة التدمير الشامل غير أن المبدأ الضمني الأساسي ما زال عقيدة كارتر: أن عراقاً تحت حكم صدام ينطوي على خطر على وصول الولايات المتحدة الى نفط الخليج، ولذلك ينبغي إطاحته، وعلى نحو ما قال نائب الرئيس ديك تشيني في 26 أغسطس من عام 2002 في كلمته المهمة أمام المحاربين القدماء أن “التسلح بهذه الأسلحة الرهيبة والجلوس على قمة عشرة في المئة من الاحتياطات النفطية العالمية يعني أن صدام يمكن أن يسعى الى السيطرة على الشرق الأوسط كله وأن يتحكم بجزء عظيم من الإمدادات الطاقوية العالمية وأن يهدد أصدقاء أمريكا مباشرة في المنطقة، وأن يخضع الولايات المتحدة أو أي أمة أخرى للابتزاز النووي، وهذا يمثل استعادة مباشرة لعقيدة كارتر إذا عرينا جوهره·

ولإبراز هذا، من المفيد مقارنة كلمة بوش أمام قدامى المحاربين بكلمته أمام لجنة القوات المسلحة قبل 12 عاما غداة غزو الكويت عندما قال: “العراق يسيطر على عشرة في المئة من نفط العالم قبل غزوه الكويت، وحالما سيطر على الكويت ونشر جيشا يعادل الجيش الذي يملكه “على طول الحدود مع المملكة العربية السعودية” فقد صار بجلاء في وضع يؤهله ليفرض السياسة الطاقوية على العالم أجمع، وهذا يجعله يحكم قبضته على اقتصادنا واقتصاد معظم دول العالم أيضا، وربما تغيرت الأجواء منذ عام 1990، غيــــــر أننا مازلنا نتعامل مع عقيدة كارتر: صدام ينبغي إطاحته بسبب الخطر المحتمل الذي يطرحه على التدفق الحر للنفط من الخليج الى الولايات المتحدة وحلفائها·

ثانياً، التحكم في نفط الخليج

يعني السيطرة على العالم

وينبع الهدف الثاني للإدارة من اللغة التي استعملها تشيني في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة عام 1990: من يسيطر على تدفق نفط الخليج يمسك بخناق اقتصادنا واقتصاد معظم دول العالم أيضا، وهذه صورة عظيمة التأثير، وهي تصف بإتقان تفكير الإدارة بشأن منطقة الخليج باستثناء نقيض هذا: باعتبارها القوة المسيطرة في الخليج تحافظ الولايات المتحدة على الإمساك بالاقتصادات والأمم الأخرى، وهذا يعطيها نفوذا عظيما في القضايا العالمية، ويوضح لماذا تذعن دول مثل اليابان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وهي أكثر اعتمادا منا على نفط الخليج للولايات المتحدة في القضايا الدولية الكبرى “مثل العراق” حتى عندما لا تتفق معنا·

المحافظة على الإمساك بنفط الخليج تتفق أيضا مع الغاية المعلنة للولايات المتحدة في بلوغ التفوق العسكري على الأمم الأخرى، وإذا قرأتم تصريحات الإدارة الأمريكية بشأن سياسة الأمن القومي تجدون أن هناك قضية تتفوق على ما عداها: ينبغي أن تمنع الولايات المتحدة أي خصم محتمل من الوصول الى حد القدرة على التنافس مع الولايات المتحدة بما يرقى الى التنافس المتكافئ·

وعلى نحو ما ورد ببلاغة في “استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية” (التي أعلنها الرئيس بوش في سبتمبر من عام 2002) يقول هذا المبدأ إن على القوات الأمريكية أن تكون قوية بقدر يردع الخصوم المحتملين عن متابعة البناء العسكري أملا في التفوق على الولايات المتحدة أو التكافؤ معها·

طبعا، هناك طريقة لتحقيق ذلك هي متابعة التقدم في التكنولوجيا الذي يسمح للولايات المتحدة بالبقاء أمام كل خصوم محتملين في النظم العسكرية، وهذا ما تأمل الإدارة الأمريكية بتحقيقه بإضافة عشرات ملايين الدولارات الى ميزانية وزارة الدفاع، وهناك طريقة أخرى هي الإمساك باقتصادات الخصوم المحتملين بما يجعلهم يمتنعون عن تحدينا خوفا من أن يموتوا اختناقا بفعل وقف الإمدادات الطاقوية، وهذا ما ينطبق على اليابان والدول الأوروبية، وسيبقى قائما في المستقبل المنظور، لكن الصين تنتقل الى هذا الوضع أيضا لأنها تصبح معتمدة باضطراد على إمدادات النفط من الخليج، فمثل ما يحدث للولايات المتحدة، تنضب الموارد النفطية لدى الصين، فلا يبقى لديها مورد آخر غير الخليج، ولما كنا نتحكم بطريق الوصول الى الخليج، ولما كانت الصين لا تملك القدرة على كسر قبضتنا، فإننا نُبقي الصين في موقع التابع الضعيف الى ما لا نهاية، وهكذا تكون إطاحة صدام حسين وإحلال نظام موال للولايات المتحدة جزءا أساسيا من استراتيجية أمريكية ترمي الى ضمان الهيمنة الأمريكية الدائمة على العالم وعلى نحو ما كتب مايكل إيغناتييف في مقالته الفذة عن الإمبراطورية الأمريكية الناشئة، فإن الوجود المكثف للنفط في الخليج يجعله يشكل ما يسميه الاستراتيجيون العسكريون “مركز الثقل النوعي” للإمبراطورية·

ثالثاً، خفض الاعتماد على السعودية··

العراق البديل الأوحد

وأخيرا، هناك مأزق مشكلة الطاقة الأمريكية طويلة المدى، والمشكلة هي على الشكل التالي: الولايات المتحدة تعتمد على النفط لإمداد نحو 40 في المئة من حاجاتها الطاقوية، أكثر من أي مصدر آخر، وذات يوم، كانت الولايات المتحدة تعتمد على إنتاج النفط الداخلي وحده تقريبا لتلبية حاجاتها، لكن الحاجة الى النفط تتعاظم باضطراد، وحقول الإنتاج الأمريكية تستنفد بسرعة، وهكذا تزداد حاجتنا الى النفط المستورد، وكلما توجهنا أكثر الى المصادر الأجنبية للحصول على النفط، ازداد توجهنا نحو الخليج لأن غالبية المكامن النفطية البكر - أو ثلثيها - موجودة في منطقة الخليج، ويمكننا طبعا أن نشق سكينة ألاسكا وأن نستخرج كل نقطة نفط فيها، لكن هذا لا يقلص اعتمادنا على النفط المستورد إلا بما يراوح بين واحد واثنين في المئة أي قدر غير مهم، ويمكننا أيضا أن نعتمد جزئيا على مصدرين غير خليجيين مثل روسيا وفنزويلا ودول بحر قزوين وإفريقيا، لكنها لا تملك نفطا مساويا نفط الخليج وهي تستنفده بسرعة أكبر، وهكذا، كلما أمعنت النظر في المستقبل، وجدت أن اعتمادنا على نفط الخليج يزداد·

والآن، في الوقت الحالي، يعني اعتماد الولايات المتحدة على نفط الخليج يعني بعبارات واقعية اعتماد الولايات المتحدة على المملكة العربية السعودية لأن المملكة العربية السعودية تملك نفطا أعظم مما تملك أي دولة أخرى، نحو 250 مليار برميل أو ربع الاحتياطات العالمية، وهذا يعطي المملكة العربية السعودية كثيرا من النفوذ غير المباشر في اقتصادنا وفي طريقة حياتنا، وكما تعرفون، هناك كثير من الناس في هذه البلاد “أمريكا” ممن هم مستاؤون من السعوديين بفعل علاقاتهم المالية بمؤسسات خيرية متصلة بأسامة بن لادن والقاعدة، والأكثر من ذلك، أن المملكة هي إحدى أقوى دعامات منظمة الأقطار المصدرة للنفط “أوبك” التي تتحكم بتوافر النفط في العالم، وهذا شيء يغضب المسؤولين الأمريكيين، وخاصة عندما يستعمل السعوديون قوتهم حتى يضغطوا على الولايات المتحدة كي تغير بعض سياساتها، ومنها ما يتصل بالنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني على سبيل المثال·

لجميع هذه الأسباب، يرغب الزعماء الأمريكيون في تخفيف اعتماد الولايات المتحدة على المملكة العربية السعودية، لكن هناك طريق واحد فقط لخفض هذا الاعتماد: السيطرة على العراق واستعماله باعتباره مصدرا بديلا للنفط، فالعراق هو البلد الوحيد في العالم الذي يملك احتياطات نفطية تستطيع موازنة المملكة العربية السعودية: 112 مليار برميل على الأقل في الاحتياطات المؤكدة، وما يراوح بين 200 و300 مليار برميل في الاحتياطات المحتملة، وباحتلال العراق والسيطرة على حكمه تستطيع الولايات المتحدة أن تضع حدا لاعتمادها طويل الأمد على النفط السعودي، وأعتقد أن هذا يشكل اعتبارا رئيسيا في صنع القرار الأمريكي بشأن العراق·

وأعتقد أن مجموعة العوامل هذه هي التي تفسر تصميم إدارة بوش على خوض الحرب مع العراق، لا الخوف من أسلحة التدمير الشامل أو نشر الديمقراطية، لكن طالما قلنا ذلك، نحتاج الى أن نسأل: هل أن هذه الأهداف ولنفترض أنها صحيحة، تبرر حربا على العراق؟ بعض الأمريكيين يرى ذلك صحيحا، فهناك مزايا في أن تكون مواطنا في قلب إمبراطورية تسيطر على ثاني أكبر مكمن للنفط غير المستخرج في العالم، وأقل ما يمكن أن يكسبه أصحاب السيارات الأمريكيون هو الحصول على بنزين رخيص الثمن لسيارات الدفع الرباعي والفان والشاحنات الصغيرة لعشر سنوات أخرى وربما أكثر·

وسيكون هناك كثير من الوظائف في الجيش وفي المجمع الصناعي العسكري، أو ربما مناصب ممثلي الشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات “وإن كنت أنصحهم بأن لا يسافروا الى معظم أنحاء العالم إلا إذا كانوا مصحوبين بحراس شخصيين” لكن سيكون هناك ثمن ينبغي دفعه، فالإمبراطوريات تميل الى عسكرة المجتمع، وهذا يستدعي تجنيد مزيد من الأشخاص بطريقة أو بأخرى، وهذا يعني مزيدا من الإنفاق على الحرب، وقليلا من الإنفاق على التعليم والحاجات الداخلية الأخرى، وهذا يستدعي مزيدا من السرية ومن التدخل في الحياة الخاصة للآخرين، وكل هذا ينبغي إدخاله في المعادلة، وإذا سألتني أقول لك إن الإمبراطورية لا تستحق هذا الثمن·

ثلاثة أسباب علنية لخوض الحرب

1.    إزالة ترسانة أسلحة التدمير الشامل لدى صدام

2.    تقليص خطر الإرهاب الدولي

3.    إعلاء شأن الديمقراطية في العراق والمناطق المجاورة

___________________________________________________

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها

saleh@taleea.com

 

طباعة