
غلاف الجموعة
مظاهرة شخصية لسقوط عام
"من دفتر الهبوط" / "مشية في شارع" / "المعلقات السبع" / "سهرة مستقلة" أربعة محاور لمجموعة شعرية تعد الخطوة الثانية في مشروع صلاح دبشة والتي اختار لها عنوان: "مظاهرة شخصية" وعلى حبال هذه المحاور الأربعة ينشر صلاح غسيل احتجاجاته في مظاهرته هذه، وأحب أن أشير هنا الى أننا ونحن نقرأ المجموعة ينبغي ألا يغيب عن بالنا هذا العنوان ذلك أن هاتين المفردتين هما الحامل الأساس للحبال الأربعة تلك· هذا من جهة، ومن جهة ثانية يجب ألا يهيمن على الذهن ــ أثناء القراءة ــ التصور الشكلي للمظاهرة بدلا من هيمنة المعنى الدلالي لهذه المفردة، على الرغم من أن هذه المظاهرة تتم بمنتهى الهدوء وذلك من خلال ما اصطلح على تسميته قصيدة التفاصيل اليومية والتي من طبعها الاهتمام بالجزئيات بدلا من الرؤية الكلية، وربما هذا ما يجعلها تتبنى لغةً تعتمد الدلالة الإشارية بدلاً من الدلالة الرؤيوية·
صلاح في مجموعته هذه لا ينحت صخراً ليظهر لك الجلال والجمال، لكنه في الواقع يشير إلى صخر تكلس في نفوسنا عبر قرون من الزمن، وأضحت هذه النفوس (مبتورة) عاجزة استنقعت في (إجازة) طويلة فغدت غير قادرة على الفعل · لذلك نرى المجموعة بكاملها تنحو نحو فلسفة السقوط وتبين ملامح الهبوط دون التطرق لأي بارقة في هذا الراهن المتأبد في الغياب عن أدنى تطلّع والمتأسن في حفر التاريخ· ولقد تمظهرت هذه الفكرة في المجموعة من خلال عدد من الحوامل النفسية التي استقرت في خلفية المشهد الشعري الذي تبنّاه الشاعر بعين تنظر إلى الواقع بعدسة بانورامية يريد من خلالها تنبيهنا ــ وبحياد مبطن ــ إلى مواطن الخلل في هذا الواقع·
يمكننا وبشيء من الفصل الأكاديمي ــ ليس إلا ــ أن نبين هذه الحوامل النفسية التي صبغت الإنسان في هذا العصر، حسب وعي المجموعة الشعرية لها، والتي جعلت من هذا الإنسان الهادئ شاعراً يحمل لافتة الرفض:
1 ــ الحلم ، وأقصد به على وجه الدقة حلم اليقظة ، وأحلام اليقظة لا تنتج غير الأمنيات·
2 ــ الإحباط، وهذا يقود بالتالي إلى العمى·
3 ــ العجز، الحقد، التخلف، وكل ذلك لا يؤدي إلا إلى السقوط ·
4 ــ الاستسلام ، كمحصلة نهائية لما سبق·
فبدءاً بالصفحة الأولى ، وحيث من المفترض أن يضع الإهداء، وضع الشاعر تعريفاً بسيطاً يوضح فيه هويتنا الجديدة:
"نحن
تربة خصبة
ينمو فينا كل شيء
ما عدا أنفسنا"
اللغة التقريرية المبسطة يضعنا أمام حالتين متناقضتين "النمو، والموت" ولا عجب ــ أمام هذه الثنائية ــ أن يخصص الشاعر الجزء الأول من المجموعة لربة الخصب ــ المرأة ــ لكنه تناولها سكونية عقيمة مرسومة على ورقة يدفعها الهواء نحو السرير في الوقت الذي غادر فيه راسمها الغرفة، وفي الواقع فإن الطرف الأول من هذه الثنائية لا وجود له، وما وردت هذه المفردة (النمو) إلا لتبرز حجم الموت ولتكرس حالة التعضي التي جعلت من أجسادنا تتحلل إلى عناصرها الأولى لنغدو شكلاً من أشكال التربة، وعلينا ألا نذهب بعيداً في البحث الدلالي عن الإيحاءات والانزياحات التي تقدمها مفردة "التربة" من خصوبة أو عطاء أو توليد أو غير ذلك فخصوبتنا وعطاؤنا محددان بمرتكزات واضحة تشكل بمجملها جسد المجموعة كاملة ويمكن تأطيرها كما أسلفنا على الشكل التالي:
“ نحن تربة خصبة لإنتاج الأحلام والأمنيات والتصورات وكل ذلك من موقع الثبات بعيداً عن الفعل وبالقدر الذي يملأ فراغ اللحظة المتخيلة:
"رسم امرأة عارية
على ورقة
تركها على الطاولة
وخرج
هواء المروحة
يدفعها ··· نحو السرير"
وفي القصيدة التالية ينفذ بنا إلى عالم الأمنيات:
"كم يود أن يعصرها
في غرفة مظلمة"
وفي الظلام لا يتبق لنا من أسباب الإدراك إلا الحدس والسمع واللمس ، فأما الأولى فتغيب مع غياب النمو وأما الثانية فتختلط مع هواجس الحلم وأما اللمس فتغشاه ضبابية الجهل وهذا ما جعل القبلة تضل طريقها وتسقط على الطاولة ليمسحها النادل بعد رحيل صاحب الشفاه:
"أومأت
فسالت شفتاه
على الطاولة
وبسرعة خطف نفسه وراءها
النادل
وهو يمسح البلل عن الطاولة
شعر بقبلة"
وفي أدنى محاولة للخروج من الحلم والتمني وتجاوزهما إلى الفعل نجد حالة الإحباط بالانتظار ويتحول الفعل إلى نوع من العبث واللاجدوى "المرأة، التي دخلته كشارع، بأقصى سرعة، صدمت فيه عمود إنارة ، فانطفأ"·
فالتربة أصابها العقم وفقدت صلاحيتها أصلاً ولذلك أضحت العلاقات مشوهة تنمو في العتمة، ويغدو فيها حتى الشوق نوعاً من الفراغ ، وغدت الأحلام والأمنيات لا تفضي إلا إلى الإحباط كما في "صدمة" و"شوق" وكمحصلة لهذا العماء والتشوه يغدو الهروب الحل الأمثل بعد أن يكتشف كل طرف فراغ الطرف الآخر:
"المرأة
التي تصرخ
جعلت زوجها شارعاً
قلبه
يلوح للسيارات"
وقبل أن ينتهي من المحور الثاني نراه يمهد الطريق لولوج المحور الثالث فيرفع لافتة العجز عن مجرد التواصل الإنساني ويأتيك بامرأة تشعرك بزخم أنوثتها وضجيج دلها ودلالها تشعرك بكل ما تحمل المرأة من قدرات على الترويض والأنسنة وبكل ما تخفي من خصوبة وتوليد:
"كلما خرجت من المنزل
أرخت على جسدها ليلاً
جردته من نجومه
ومشت بمشاعر مفخخة
تنفجر لأدنى احتكاك"
لكن المفارقة الكبرى والتي تصيبك بالدهشة التي عودنا عليها صلاح في معظم أشعاره أن المرأة التي خرجت لتقتنص كانت تخاف أن تكون الفريسة ولهذا نراها تهرب من الصورة الكلية للرجل:
"تتحاشى الاصطدام
برجال ليسوا في طريقها"
ثم يخرج الشاعر في مظاهرته من شارع المرأة ليدخل بنا شارعاً آخر تاركاً خلف ظهره لافتة عقم عشتار الراهنة ليحمل لافتات عقم الإنسانية بعلاقاتها القبيحة وتشاكلاتها مع الإنسان المعاصر فيصور لنا وبعدسة بانورامية عدداً من الحالات الإنسانية المتفرقة يجمعها قاسم مشترك واحد يشكل أحد أضلاع إطار المجموعة ألا وهو الإحساس بالعجز متضمناً كل مصائب الإنسان الراهن من فقر وبؤس وحقد وتخلف ، كما في "عجوز ـ خادمة ـ أولاد ـ ستائر"·
وكمحصلة لكل هذه الأحلام والأمنيات والإحباطات نرى الشاعر يرفع لافتة الاستسلام في هذه المظاهرة الهادئة جداً:
"سينهض الطريق
ويشتم الأقدام
التي مرت عليه
ولم تصل "
وفي مقطوعة " جدار " :
" هذا الجدار
كان باباً "
في آخر المجموعة يقودنا صلاح إلى " سهرة مستقلة " تحت عنوان " الليل تفرج ثم مضى " ترى هل مضى الليل ليترك مكانه للنهار أم مضى مطمئناً لهذا الليل الحالك في نفوسنا ، في هذه السهرة يرتدي صلاح دبشة مسوح الحكماء ليقدم لنا خلاصة رؤيته الكونية على شكل مقاطع غاية في الاختزال وبلغة تحمل من العمق ما يجعلها تولد في الذهن عدداً من الدوائر الدلالية العرفانية:
"كم باباً مغلقاً ؟
أود أن أعرف عدد الموتى ·
كم باباً مفتوحاً
لهذه الحياة ؟
أود أن أعرف ·· عدد الهاربين·"
هذا بعد أن استباح الكون وفتح الأبواب للشياطين التي لم تأت ··· ربما لأن في نفوسنا من ينوب عنها ، خاصة وأن الجدران امتلأت بعبارات اللصوص والمجرمين والقتلة ولا أحد غير الشاعر يسمع نبضها ، وصار القتل حلماً يراود حتى تلك البندقية الأثرية على جدار المتحف ، وارتفعت الصرخات والشتائم في سبيل امتصاص دمنا، وبعد كل هذا يحق لنا أن نستغرب مع الشاعر:
"البرق
يطعن السحابة
ولا تمطر دماً"
ولأن نفوسنا اطمأنت لهذا الإطار من الأحلام والإحباط والعجز والاستسلام ولأن الشاعر يرى كل شيء يسير بدقة إلى سقوطه فقد أعلن أن:
"الوردة
رؤية غبية للعالم "
وأن :
" أمي
أبي
مخدرات "
ولذلك فـ :
" البشر
فكرة مرفوضة أصلاً"
ولهذا كله يتوجه في نهاية المطاف برجاء أو نداء للفرحة قائلاً:
"مازال لديك وقت
أيتها الفرحة
اهربي"
أراد صلاح أن يسجل احتجاجه على كل هذه الانتهاكات الإنسانية ، لكن بصمت وهدوء شديدين فالمجموعة تعي تماماً حجم الهوة السحيقة بين ما هو كائن وبين ما يجب أن يكون ، لذلك توجه الشاعر نحو بناء لغوي اختزالي يروم من ورائه ــ على الأرجح ــ اختصار صورة المأساة ·
بالعودة إلى ما ذكرنا من حوامل نفسية حاول الشاعر أن يبني عليها مجموعته نجدها في مجملها تمتح من حالة القلق الذي يشير بإصبع الاتهام إلى ما آلت إليه الأمور التي يعايشها الشاعر هذا القلق الذي يعرفه يوسف سامي اليوسف بأنه : (····· ماهية الروح ، لأن الخلق وظيفته الجوهرية ، ولأن الحركة هي الحامل الأساسي لكل خلق ومخلوق) فكيف وظف صلاح دبشة هذا القلق ؟ وهل استطاع أن يبني عليه رؤيا تجمع حُبيبات المجموعة في خيط واحد ؟
يعتمد صلاح في مجموعته على مبدأ القبض على الالتماعات الشعرية، متفقاً بذلك مع رؤية أنسي الحاج في شروط قصيدة النثر حيث يقول :
(لتكون قصيدة النثر قصيدة نثر، أي قصيدة حقا لا قطعة نثر فنية أو محملة بالشعر ، شروط ثلاثة : الإيجاز أو (الاختصار)، التوهج ، والمجانية، فالقصيدة ، أي قصيدة ، ······· ، لا يمكن أن تكون طويلة ، وما الأشياء الأخرى الزائدة ، كما يقول بو ، سوى مجموعة من المتناقضات ·
يجب أن تكون قصيدة النثر قصيرة لتوفر عنصر الإشراق، ونتيجة التأثير الكلي المنبعث من وحدة عضوية راسخة ، وهذه الوحدة العضوية تفقد لازميتها إن هي زحفت إلى نقطة معينة تبتغي بلوغها أو البرهنة عليها ·
إن قصيدة النثر عالم "بلا مقابل) وقد نتفق مع أنسي الحاج في رؤيته إلى حد ما لكن المعضلة تكمن عندما تسعى القصيدة لتبحث عن الشعر في اللغة أو عن اللمعة الشعرية ، بمعنى عندما تغامر وتجاهد في الاختزال لتجعل من عنصر الإشراق وحسب ضالتها عندئذ تكون قد غامرت بالبنية الشكلية الهندسية للقصيدة وبالتالي تكون قد نسفت الوحدة العضوية لهذه القصيدة ، وبنسف هذه الوحدة العضوية يتم نسف أي احتمال في نشوء رؤيا شمولية تسم تجربة الشاعر ، فاللجوء إلى التفاصيل اليومية يفرض على الشاعر الاهتمام بجزئيات القضايا وبالتالي يعكس ضبابية الرؤيا الكلية الشمولية للواقع ، للإنسان ، للكون·
هذا من جهة ، ومن جهة ثانية يتطلب البحث عن الالتماعات الشعرية رفع وتيرة التوهج دائماً وهذا ما يفرض إعادة إعمال النظر والتنظيم العضوي للنص بشكل دائم مما يستوجب عناية فائقة بالدلالة الشعرية التي تكتسب عمقاً فكرياً عندما يؤطرها مفهوم رؤيوي للقصيدة يقوم على بناء عالم متكامل يمكننا من رؤية ما بداخله وما خلفه ، وهنا بتصوري تكمن عملية الخلق والإبداع ، لكن في حالة قصيدة التفاصيل اليومية يتحول هذا التوهج ضمنياً إلى نوع من الالتماعات والتوهجات الخاصة بالدلالات الإشارية ــ بمعناها المكاني ــ ضمن حدود الجزئية المُتناولة ، لقد حدد أدونيس مفهومه لعظمة الشعر بقوله : “لا يمكن للشعر أن يكون عظيماً إلا إذا لمحنا وراءه رؤيا للعالم فالشعر يتخلى دائماً عن الجزئيات، والرؤيا هذه لا يجوز أن تكون رغبة مباشرة بالإصلاح أو عرضاً لإيديولوجيا بل مركز جاذبية لكل حقول الفكر”· فالأثر الشعري حسب رأيه: “ليس انعكاساً بل فتحاً وليس الشعر رسماً بل خلقاً”·
وثمة مطب آخر لقصيدة التفاصيل اليومية يكمن في تشابه الوقائع والصور الحياتية وتقاطع أشكال المعاناة اليومية للإنسان المعاصر ضمن واقعنا العربي الراهن ، هذا التشابه والتعالق والتقاطع سيفرز بالضرورة صوراً شعرية متقاربة نبررها غالباً بعبارات من مثل " وقع الخاطر على الخاطر " أو " التناص " أو غير ذلك وهذا ما يخلق الكثير من الإشكالات التي يفترض أن الشعراء بغنى عنها ، فعندما نقرأ لصلاح دبشة مثلاً :
"رسم امرأة عارية
على ورقة
تركها على الطاولة
وخرج·
هواء المروحة
يدفعها ·· نحو السرير"
نجد أنفسنا وبعفوية بحتة أمام صورة مشابهة للحالة عند شاعر آخر مثل وديع سعادة وهو يقول :
" رسم إناء
رسم زهرة في الإناء
وطلع عطر من الورقة
رسم كوب ماء
شرب رشفة
وسقى الزهرة
رسم غرفة
وضع في الغرفة سريراً
ونام "
ولنلاحظ أن كلا الرسامين يشتركان بالحلم وكليهما عاجز عن الفعل فهل أضحى الهاجس بالتفاصيل اليومية معياراً يعبر عن (اختراق التقنين والتقعيد) وبالتالي معياراً للحداثة؟ وهل يستحق ذلك التضحية بالوحدة العضوية للقصيدة بغض النظر عن التقاطعات اليومية في رصد ضروب المعاناة وما تنتجه من تشابهات في الحالات الشعرية؟
· قاص سوري مقيم في الكويت