كتب محرر الشؤون الخارجية:
حفل الأسبوع الماضي بمجموعة من التطورات المهمة جداً على صعيد الحرب المحتملة لإسقاط النظام العراقي، فبعد التصدع الذي شاب العلاقات الأمريكية مع حلفائها الغربيين الناتج عن تصريحات وزير الدفاع الأمريكي من جهة والتصعيد السياسي والعسكري الأمريكي باتجاه الحرب دون العودة للأمم المتحدة من جهة أخرى، أعلنت وزارتا الخارجية الروسية والفرنسية استعدادهما "للاستماع باهتمام وتحليل" المعلومات الإضافية التي سيقدمها وزير الخارجية الأميركي كولن باول بخصوص أسلحة العراق إلى مجلس الأمن الدولي يوم الخامس من فبراير/ شباط المقبل·
فعلى الرغم من حدة خطاب حالة الأمة الذي قدمة الرئيس الأمريكي يوم الثلاثاء الماضي تجاه النظام العراقي، فقد كان من أهم ما جاء به إعلان الرئيس بأنه سيرسل وزير خارجيته للأمم المتحدة، ليقدم الأدلة الاستخبارية التي لدى الولايات المتحدة على امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل لم يعلن عنها، ولم يتعاون مع المفتشين بشأنها الأمر الذي يتوقع أن يكون بمثابة التأكيد على أن النظام العراقي قام بما يمثل "خرقاً مادياً" لقرار مجلس الأمن رقم 1441، وهو ما تحتاجه الولايات المتحدة للحصول على تفويض من الأمم المتحدة باستخدام الوسائل التي تريد لمعاقبة النظام·
دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد الدول الست التي اجتمعت في تركيا وأصدرت بيانا حول القضية العراقية تنتظر الأدلة الأمريكية، فمن دونها تعاني معظم هذه الدول من أزمة قربها من واشنطن سياسياً وعدم قدرتها على إبداء الموافقة التامة على حرب إسقاط النظام العراقي التي تنوي أمريكا القيام بها دون دليل كاف· فإن كانت سورية وبسبب موقعها الموقت في مجلس الأمن الأكثر حرجاً فإن مصر والمملكة العربية السعودية والأردن وإلى درجة أقل إيران تعاني من تبعات الموقف العلني من الحرب، إذا لم تقدم أدلة دامغة على تورط نظام بغداد بحيازة، أو إنتاج، أو حتى عدم التعاون في الكشف عن ما لديه من مخزون، يقول المفتشون أنهم يعلمون بوجوده ولم يبين النظام العراقي ما الذي فعله بذلك المخزون·
فخطاب الرئيس بوش كما يصفه محللون مختصون بالشأن الأمريكي لم يقدم ما يكفي لإقناع الشعب الأمريكي لإرسال أبنائهم إلى الحرب، فهم أيضاً ينتظرون من رئيسهم، وإدارته تقديم أدلة كافية على تورط النظام العراقي في أمر أسلحة الدمار الشامل، من ناحية وفي علاقته بالقاعدة التي شدد عليها الرئيس في خطابه الأخير من ناحية أخرى يضيف المحللون أن الوضع في الولايات المتحدة غير مشجع إذا ما استمرت تطورات الأمور بالطريقة الحالية، فقد شكك الكثيرون في إمكانية تحقيق الرئيس لوعوده التي ركز عليها في الجانب المحلي من خطابه، كتخفيض الضرائب وتنشيط الاقتصاد· فيعلق المحللون بالقول “إن وعد الرئيس هذا يتعارض مع وعده الآخر بأن لا يورث ملف النظام العراقي للرئيس الأمريكي القادم” فالحرب، وتحديداً إذا ما شنتها الولايات المتحدة بالحد الأدنى من مساعدة الحلفاء ستكلف الميزانية الأمريكية الكثير في وقت لم يعد هناك فائض فيها كما كان عليه الوضع في فترة الرئيس كلنتون الثانية· ويتساءل المحللون: كيف يمكن للرئيس أن يشن الحرب بتكاليفها الهائلة ويخفض الضرائب في الوقت ذاته؟
من جهة أخرى شدد كثير من المحللين على أن الفترة القادمة والتي تشمل فبراير وجزءا من مارس، إن لم يكن كله، ستستخدمها الولايات المتحدة لتشكيل التحالف من جهة، واستكمال الاستعدادات العسكرية من جهة أخرى· فالتحالف كما يشير المحللون، مهم ليس فقط لاقتسام التكاليف، بل كذلك لتحمل ردود الفعل المتوقعة في العالمين الإسلامي والعربي، وما يمكن أن ينتج عنها من توتر في العلاقات مع دول المنطقة في حال تعثر الحرب في الوصول إلى هدفها المنشود بالسرعة والخسائر المتوقعة· فقد صرح وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان أن "المخاطرة بالقطيعة مع العالم العربي مسؤولية كبرى" في إشارة إلى إمكانية دخول بلاده الحرب ضد العراق التي اعتبرها "اعترافا بفشل الجهود الدولية لاحتواء العراق"·
من جانبه أكد رئيس النظام العراقي صدام حسين في لقائه مع القادة العسكريين على استعداد بلاده للحرب حيث قارن بين وضع الجيش والدولة العراقية الآن وما كان عليه في عام 1991، مبينا أن الجيش والمجتمع والدولة أقوى بسبب إيمانهم، بينما الولايات المتحدة لم تعد لديها القوة ذاتها التي كانت تمتلكها في حرب 1991· مشيرا الى أن أمريكا كانت تستطيع تغيير العالم بمجرد مقالة في إحدى صحفها بينما الآن تضطر الى دخول الحرب كي تغير ما تريد، وألمح الى كون الإنسان الأمريكي أكثر أمنا آنذاك مما هو عليه الآن حين يتهدده الخطر أينما ذهب على حد تعبيره·
المحللون السياسيون يرون في خطاب صدام تأكيدا على أن شيئا لم يغير في عقليته وأسلوب فهمه للأمور فهو يقرأ كل المؤشرات المذهلة بشكل خطأ ويستمر في غيه وعناده اللذين نتج عنهما أم الهزائم وسينتج عنهما جدة الهزائم أجمع كما يرى المحللون·