رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 21 ذو القعدة 1423هـ -25 يناير 2003
العدد 1562

عجز عن المساعدة غـيـر مقـبـول
وقرع طبول الحرب

         

·         العرب الطيبون يدينون الثقافة العربية والمجتمع العربي المعاصر دون تحفظ

·         لا يمكن العودة إلى أوسلو حتى نزحف إلى إسرائيل طالبين الرحمة

يفتح المرء صحيفة “نيويورك تايمز” يوميا حتى يقرأ آخر الأنباء عن الاستعدادات للحرب التي تحدث في أمريكا، كتيبة أخرى، ومجوعة أخرى من حاملات الطائرات والسفن الحربية والطرادات وأعداد الطائرات التي تزداد بلا توقف، وفرق الضباط الجديدة التي تتحرك نحو منطقة الخليج (الفارسي)، فقد أرسل أكثر من 62 ألف جندي إلى الخليج في نهاية الأسبوع (قبل الماضي) وتحشد أمريكا عمدا قوة مخيفة وراء البحار، في حين أن الأنباء السيئة مخيفة داخل البلاد عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تتوالى بلا انقطاع، ويبدو أن الآلة الرأسمالية العملاقة تترنح حتى وإن كانت تطحن غالبية المواطنين، وعلى الرغم من ذلك، يقترح جورج بوش خفضا كبيرا آخر للضرائب يريح الواحد في المئة الأغنياء من المواطنين، فنظام التعليم يعيش أزمة كبيرة، والتأمين الصحي معدوم بالنسبة إلى 50 مليون أمريكي·

وإسرائيل تطلب 15 مليار دولار باعتبارها ضمانات قروض إضافية ومعونات عسكرية، ومعدل البطالة يزداد بسرعة مضاعفة مع فقدان مزيد من الوظائف كل يوم·

وعلى الرغم من ذلك، تتواصل الاستعدادات لحرب ذات كلفة غير معقولة، وتتواصل حتى من دون موافقة عامة ومن دون اعتراض عام ملحوظ، فقد كان هناك لامبالاة شاملة (ربما تخفي تحتها خوفا عظيما أو جهلا أو خشية) في مقابل قرع الإدارة الأمريكية لطبول الحرب، وردة فعلها العاجزة على التحدي الذي طرحته عليها كوريا الشمالية في الآونة الأخيرة ففي حالة العراق، تخطط الولايات المتحدة للحرب على الرغم من انعدام وجود أسلحة للتدمير الشامل، وفي حالة كوريا الشمالية فهي تعرض عليها معونات اقتصادية وطاقوية، فأي فرق مهين بين ازدراء العرب واحترام كوريا الشمالية، التي هي دكتاتورية ووحشية مثل العراق·

منذ سنة، أخذ السياسيون الأمريكيون، والخبراء الإقليميون ومسؤولو الإدارة والصحافيون يكررون الاتهامات التي صارت معيارا ثابتا في ما يخص الإسلام والعرب، ومعظم هذه الجوقة يرقى إلى ما قبل 11 سبتمبر على نحو ما بينت في كتابيّ: Orientalism و Covering Islam.· وإلى هذه الجوقة الإجماعية أضيفت سلطة تقرير التنمية البشرية في العالم العربي الذي أصدرته الأمم المتحدة وأكد أن العرب يتخلفون وراء بقية بلدان العالم في الديمقراطية والمعرفة وحقوق النساء والكل يقول (مع بعض التبرير أحيانا) إن الإسلام يحتاج إلى إصلاح وإن النظام التعليمي كارثي، وإن مدارس المتعصبين دينيا والمفجرين الانتحاريين لا تتلقى تمويلها من بعض الأئمة المتشددين وأتباعهم الأغنياء فحسب، إنما من الحكومات التي يفترض أنها حليفة للولايات المتحدة·

والعرب الطيبون هم وحدهم الذين يظهرون في وسائل الإعلام ويدينون الثقافة العربية والمجتمع العربي المعاصرين من دون تحفظ، وأنا أتذكر شلالات عباراتهم الجامدة لا يقولون شيئا إيجابيا عن شعبهم وعن لغتهم، إنما يتقيؤون الصيغ الأمريكية المملّة التي اجتاحت موجات الأثير وصفحات الجرائد والمجلات، فهم يقولون نحن تعوزنا الديمقراطية، ونحن لم نتَحدّ الإسلام بما يكفي، ونحن نحتاج إلى المزيد حتى نبتعد عن القومية وشعار الوحدة العربية، فكل ذلك (حسب رأيهم) بلا مصداقية، وكلّه هراء، وليس هناك شيء حقيقي وصحيح إلا ما يقول معلمونا (معلموهم) الأمريكيون عن العرب والإسلام، أي عبارات استشراقية مكررة ليست حقيقية وليست براغماتية بما يكفي·

و”نحن” (حسب هؤلاء) نحتاج إلى الانضمام إلى الحداثة، حداثة أن تكون غربياً، معولماً، مؤمنا بالسوق الحرة، ديمقراطيا وأي شيء يمكن أن تعنيه هذه الكلمات، “ولو توافر لدي وقت سأكتب مقالة عن الأسلوب الشعري لأشخاص مثل فؤاد· عجمي، وفوّاز جرجس، ومكية و شبلي تلحمي ومأمون فندي وأمثالهم الأكاديميين الذين تفوح لغتهم بالخنوع والزيف والتكلّف الذي طغى عليهم·

إن صراع الحضارات الذي يحاول جورج بوش وأتباعه أن يصطنعوه باعتباره تغطية لحرب وقائية ضد العراق وهيمنة على نفطه يفترض أن يؤدي إلى انتظار البناء الديمقراطي للدول وتغيير النظام والدمقرطة الإجبارية بالطريقة الأمريكية، ولا بأس في القنابل وفي تعسف العقوبات وجورها اللذين لا يذكرهما أحد، فهذه ستكون حربا تطهيرية غايتها إطاحة صدام حسين ورجاله وتطبيق خارطة مختلفة كليا في المنطقة: سايكس بيكو جديد، وعد بلفوز جديد، 14 نقطة ولسونية جديدة (نسبة الى نقاط الرئيس وودرو ولسون الـ 14 في نهاية الحرب العالمية الأولى) وعالم جديد كلياً·

أما العراقيون فيقول لنا المفتشون إنهم سيرحبون بتحريرهم وربما ينسون معاناة الماضي كلها ربما!

وفي هذه الأثناء، يتدهور الوضع الذي يدمّر الأرواح والأجساد في فلسطين طوال الوقت، ويبدو أن ليس هناك أي قوة قادرة على إيقاف شارون وموفاز اللذين يجأران بتحديهما أمام العالم كله· نحن نحظر، نحن نعاقب، نحن نحرّم، نحن نحطم، نحن ندمر، ويستمر تيار العنف المتواصل ضد شعب بأكمله، وحين أكتب هذه السطور، تلقيت إعلانا مفاده أن قرية الضبعة في منطقة قلقيلية في الضفة الغربية يمكن أن تمحى من الوجود ببلدوزرات إسرائيلية أمريكية الصنع وزن الواحد منها 60 طنا: ذلك أن 250 فلسطينيا سيخسرون منازلهم الـ 24، والأراضي الزراعية التي تبلغ مساحتها 700 دونم ومسجدا ومدرسة ابتدائية لـ 132 طفلاً·

وقفت الأمم المتحدة متفرجة وهي تشاهد انتهاك قراراتها كل لحظة، غير أن جورج بوش يتماهى للأسف مع شارون لا مع الفتى الفلسطيني ذي الـ 15 عاما الذي استعمله الجنود الإسرائيليون درعا بشرية·

في هذه الأثناء، تعرض السلطة الفلسطينية عودة إلى صنع السلام، وربما إلى أوسلو، ويبدو عرفات راغبا بصورة غير مفهومة في إعادة حرق نفسه بعدما أحرق نفسه للمرة الأولى منذ عشر سنوات، ويكتب معاونوه الأقريون مقالات ويطلقون تصريحات يعبرون فيها عن رغبتهم في القبول بأي شيء، لكن المشهود أن الغالبية الساحقة من شعبهم البطل تبدو راغبة في مواصلة ما تفعل من دون سلام ومن دون راحة وهي تنزف وتجوع وتموت كل يوم إنهم أعظم ثقة بعدالة قضيتهم من أن يقبلوا الخضوع لإسرائيل مثل ما فعل زعماؤهم، فما الذي يمكن أن يكون مُحبطا للمواطن الغزاوي الذي يذهب لمقاومة إسرائيل أكثر من رؤيته زعماءه يركعون مثل أتباع للأمريكيين؟

وفي بانوراما الخراب هذه، ما يلفت النظر هو السلبية والعجز المطلقين للعالم العربي كله، فالحكومة الأمريكية وموظفوها يصدرون البيان وراء البيان، ويحركون القوات والمعدات وينقلون الدبابات والمدمرات، لكن العرب جماعات وفرادى لا يكادون يقدرون على رفض ولو بسيط (فعلى الأكثر يقولون لا يمكنكم أن تستعملوا القواعد العسكرية في أراضينا) ثم ليناقضوا أنفسهم بعد بضعة أيام·

فلماذا كل هذا الصمت والعجز المذهلين؟

إن أكبر قوة في التاريخ تشارف إطلاق حربها وهي تكرر بلا انقطاع عزمها على شن هذه الحرب ضد بلد عربي ذي سيادة يحكمه الآن نظام مخيف، هي حرب غايتها الواضحة ليست القضاء على نظام البعث فحسب بل إعادة رسم صورة المنطقة كلها، ولم تخف وزارة الدفاع الأمريكية أن خططها ترمي إلى إعادة رسم صورة العالم العربي كله، وربما تغيير أنظمة وكثير من الحدود في هذه العملية، وليس هناك أحد محمي من هذه الجائحة عندما تصل (ووصولها ليس محتوماً) وعلى الرغم من ذلك، فهناك صمت مطبق تعقبه أحيانا احتجاجات ضعيفة مؤدبة· ففي النهاية، ستصيب الخسارة ملايين الناس، وأمريكا تخطط بنفسها لمستقبلهم مزدرية إياهم، فهل نستحق مثل هذا الاستهزاء؟

هذا ليس مقبولا فحسب: بل يستحيل تصديقه، فكيف يمكن لمنطقة تؤوي 300 مليون عربي أن تنتظر بسلبية حصول الصفعات، من دون أن تحاول إطلاق صرخة جماعية إلى المقاومة وإلى المناداة برؤية بديلة؟ فهل سيذوب العربي كليا؟ فحتى السجين الذي ينتظر حكم الإعدام يقول بضع كلمات، ولماذا لا يوجد امتنان لحقبة تاريخية معينة ولحضارة تكاد تتعرض للسّحق والتحويل ومجتمع مازال على الرغم من عيوبه ونقاط ضعفه يعمل·

فالأطفال العرب يولدون كل يوم، والأولاد يذهبون إلى المدارس والرجال والنساء يتزوجون ويعملون ويلدون، وهم يلعبون ويضحكون ويأكلون، وهم حزينون، ويعانون المرض والموت، وهناك حب وزمالة وصداقة وبهجة· نعم العرب مقموعون ويعيشون تحت حكم فاسد شديد الفساد، لكنهم يستطيعون متابعة شؤون الحياة على الرغم من كل شيء، وهذا هو الواقع الذي يتجاهله القادة العرب، والولايات المتحدة عندما يشيحون بوجوههم تجاهلا لما يسمى “الشارع العربي” العبارة التي صاغها المستشرقون السخفاء·

لكن من الذي يطرح الآن الأسئلة الوجودية بشأن مستقبلنا كشعب؟ هذه المهمة لا يمكن أن نتركها لطائفة من المتعصبين دينيا والخاضعين والخائفين الإذلاء، لكن يبدو أن الأمور هي على هذا النحو، فالحكومات العربية لا تستطيع لأن معظم البلدان العربية من الأعلى إلى الأدنى تقعد وتكتفي بالتفرج على أمريكا وهي تستعد وتعبئ وتهدد وتنقل مزيدا من الجنود وطائرات الإف 16 حتى تكيل الضربة، والصمت مطبق·

سنوات من التضحية والنضال، من العظام المحطمة في مئات السجون وغرف التعذيب من المحيط إلى الخليج، والعائلات المدمرة والفقر والمعاناة الدهريين، والجيوش الكبيرة المكلفة· من أجل ماذا كل ذلك؟

هذه ليست قضية حزب أو أيديولوجيا أو طرف: إنها قضية ما تعود أن  يسميه اللاهوتي العظيم بول تيليش الجدية المطلقة، وليست التكنولوجيا والتحديث والعولمة حتما جوابا عما يهددنا باعتبارنا شعبا، ذلك أننا نملك في تقاليدنا كلا كاملا من تراث علماني ديني يعالج البدايات والنهايات،  الحياة والموت الحب والبغض المجتمع والتاريخ، وهو موجود، لكن لا أحد ذا رؤية عظيمة وسلطة أخلاقية يبدو قادرا الآن على الأخذ منه وكشفه للعيان، إننا نقف على حافة كارثة ليس بمقدور زعمائنا السياسيين والأخلاقيين والدينيين غير أن يدينوها بقدر قليل في حين أنهم يرسمون وراء الكواليس والأبواب المغلقة خططا لركوب الموجة، فهم يفكرون في البقاء وربما في الجنة، لكن من المسؤول عن الأرض، عن الحاضر عن المياه عن الهواء وعن الأرواح التي تعتمد إحداها على الأخرى للبقاء؟

يبدو أن أحدا لا يهتم بذلك، وهناك تعبير إنكليزي عامي رائع عن العجز عن المساعدة غير المقبول وعن سلبيتنا وعدم قدرتنا على مساعدة أنفسنا الآن حين نحتاج إلى قوتنا، ويقول التعبير! هل يتفضل آخر شخص مغادر بإطفاء الأنوار؟ إننا بهذا القدر قريبون من ثوران لا يبقى ولا يذر إلا القليل، بل لا يترك، إلا نزرا يسيرا حتى يسجلوا شيئا ما عدا الوصية الأخيرة التي ترجو الانقراض·

ألم يحن الوقت لنا حتى نطلب جماعيا وأن نحاول صوغ بديل عربي أصيل من الحطام الذي يكاد يحيط بعالمنا؟ فهذه ليست قضية تغيير نظام هامشية، وإن كان أحدا غير الله وحده لا يعرف كم نستطيع·

ولا يمكن حتما العودة إلى أوسلو حتى تتكرم إسرائيل بأن تتركنا نعيش بسلام ونزحف إليها طالبين الرحمة مرة ثانية، أفَلَن يأتي أحد حتى يعطي رؤية عن مستقبلنا لا تقوم على مخطوطة كتبها دونالد رامسفيلد وبول وولفوفيتش رمزا السلطة الخاوية والعجرفة المطلقة؟ أرجو أن يسمعني أحد

بقلم: إدوارد سعيد

الأهرام ويكلي

طباعة  

أي ديمقراطية للعراق إذا كان الشعب الأمريكي لا يتمتع بها
“ديمقراطية الدولار” الأمريكية في عصر الإمبراطورية